_
«أستانا»... تحالف، تفاهم، أم تعاون مؤقت؟

«أستانا»... تحالف، تفاهم، أم تعاون مؤقت؟

يمتلئ الفضاء الإعلامي بتحليلات شديدة التنوع والتناقض، حول طبيعة العلاقة بين ثلاثي أستانا، تتدرج من اعتباره تعاوناً مؤقتاً واضطرارياً بين «أعداء»، مروراً بتوصيفه بأنه تكتيك ابتزازي بين «متنافسين» تستخدم فيه كل دولة من الدول الثلاث الدولتين الأخريين في إطار واحد، دائماً وأبداً؛ هو محاولة الوصول إلى تفاهم مع الأمريكي. ووصولاً إلى قلة قليلة تقول إنّ العلاقة بين الثلاثي تجاوزت ذلك كله، ودخلت طوراً جديداً يتناسب مع بدايات عالم جديد بالكامل!

الطبيعي جداً، أن تأخذ هذه المسألة حيزاً كبيراً، ليس مما يقال في الإعلام فحسب، بل ومما يجري الاشتغال عليه وراء الكواليس وعلى أرض الواقع؛ إذ يمكن لنا أن نعدد بسهولة، جملةً من الأزمات والقضايا التي تتقاطع فيها مصالح وجهود هذه الأطراف الثلاثة: (الأزمة السورية بتداخلاتها وتعقيداتها العديدة، الكباش الجاري حول الاتفاق النووي الإيراني، والعقوبات الأمريكية على إيران ونفطها خصوصاً، وما تفرزه من ارتدادات على الدول القريبة منها وعلى منتجي النفط بشكل عام. الكباش الجاري حول التموضع التركي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وضمناً مسائل S400 وخطوط الغاز والمفاعلات النووية وغيرها الكثير. الوضع العراقي واحتمالات تطوره اللاحق مع انحسار داعش بشكل نهائي تقريباً، وتخلخل العلاقة مع الأمريكي بشكل عميق وانفتاح الأفق أمام ترتيب جديد للوضع. الوضع الأفغاني المتأزم منذ عقود والذي يقف على مفترق طرق بين احتمالات تفجير جديد، وبين احتمالات تطويق للأزمة، العلاقة بين الهند وباكستان واحتمالات التوتير أو التهدئة...وغيرها من القضايا)، ولا بدّ من التّذكُر دائماً: أن الغائب الحاضر في هذه الملفات جميعها، هو الصين، التي وإنْ كانت تتجنب حتى الآن الدخول العلني في مواجهة المجموعة الغربية في هذه القضايا جميعها، إلّا أنّ مواقفها في كل قضية من هذه القضايا تميل بوضوح نحو المواقف الروسية والتركية والإيرانية. وإذا شئنا تعداد قضايا الاهتمام الثنائي المشترك، لأضفنا إلى هذه القائمة بنوداً متعددة أخرى.
بكلام آخر، يمكننا القول: إن قضايا الاهتمام المشترك بين الدول الثلاث، هي قضايا آسيا كلها، بما تشكله هذه القارة وقضاياها الساخنة من مرتكزات لتحويل وتحديد الوجهة القادمة للعالم بأسره، وخاصة في ظل الحزام والطريق.

في البدء كان التعاون الثنائي

الوصول إلى ثلاثي أستانا، بما تعنيه من تعاون بين الدول الثلاث وليس بإحداثياته السورية فحسب، استغرق تحضيرات امتدت لسنوات عديدة؛ فإذا كانت العلاقة بين روسيا وإيران قد اتسمت بدرجة معقولة من التعاون، خجولة في بدايات الألفية، ومن ثم أكثر وضوحاً مع بداية العقد الثاني منها، فإنّ العلاقة بين روسيا وتركيا لم تكن كذلك أبداً.
اتسمت العلاقة بين البلدين بالتوتر الدائم عبر مجمل النصف الثاني من القرن العشرين، ابتداء بتشكيل الناتو وانضمام تركيا له. وإن أردنا الدقة أكثر، فإنّ العلاقة لم تكن على ما يرام، ليس فقط في القرن العشرين، بل وخلال خمسة قرون مضت، خاضت فيها الدولتان حروباً ثنائية متعددة. وهذا الكلام لا ينطبق على ثنائية روسيا تركيا فقط، بل وإلى حد بعيد على روسيا إيران، وإيران تركيا، وجوهر الأمر هو التركة الاستعمارية الغربية والبريطانية خاصة...
لذلك كله، فإنّ التحول الهائل الذي «طرأ» على العلاقات الثنائية بين هذه الدول، هو بحد ذاته موضوع دراسة وبحث، نزعم أنّ الوصول إلى جذوره يكفي وحده لفهم حجم التحولات التي يعيشها نظام العلاقات الدولية بأسره.
برز التعاون الثنائي بأشكاله الأولية، كحاجة اقتصادية متبادلة في ظل الأزمة الرأسمالية العالمية، وتشديد المجموعة الغربية وواشنطن بالذات لعمليات نهبها وابتزازها للجميع، وبالضبط عبر دولارها المتضخم، وصولاً إلى تخوم كارثة شاملة بالنسبة لكل من البلدين؛ بالنسبة لتركيا التي عاشت انتعاشاً نسبياً خلال العقد الأول من القرن الحالي، فإنّ أزمة 2008 وما تلاها، وضعت على المحك، ليس فقط ما أنجزته تركيا خلال ذلك العقد، بل وباتت تشكل تهديداً وجودياً لها بترافقها مع الدفع الأمريكي شبه العلني لإيصال وحش الفوضى «الخلاقة» إلى العمق التركي، والذي برز بشكل خاص مع محاولة الانقلاب التي تم إفشالها بالتعاون مع الروس كما بات معلوماً.
وابتداء من تلك النقطة، دخل تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين طوراً متسارعاً على الصعد كافة، وصولاً إلى ملفات ضخمة على رأسها خط السيل التركي، والمفاعلات النووية وS400، ورفع التبادل البيني، وبالعملتين المحليتين خاصة، وهذه كلها مفردات ضمن ما يمكن تسميته بتسمية أوسع حتى من «الحزام والطريق»؛ البعض يسميه بالمشروع «الأوراسي»، ولكن حتى هذه التسمية لا تعكس سوى البعد الجغرافي للمسألة...
بكلام آخر، فإنّ التوسع التدريجي لدائرة التعاون الثنائي، ولطبيعة المشاريع الكبرى التي يقوم عليها هذا التعاون، فتحت الباب موضوعياً على توسيع الحلقة الثنائية، وأولاً وقبل كل شيء مع الصين، التي كما قلنا: هي الغائب الحاضر في كل ما يجري، وعلى الساحات المختلفة.
لم تكن الصين وحدها توسيعاً ضرورياً لدائرة العلاقات الثنائية؛ فالمشاريع الكبرى إياها، هي نفسها مكونة من عدد كبير من المشاريع الكبيرة أيضاً. يمكن هنا أن نذكر بريكس كإطار يضم روسيا وإيران، وأيضاً اتفاقية بحر قزوين عالية الأهمية التي تضمهما أيضاً.

العلاقة التركية الغربية

يجادل البعض الطرح الذي نعرضه أعلاه، بأنّ عمق العلاقة التركية الغربية الممتدة لمئة عام متواصلة، وعلى الصُّعد كلها، ليس من البساطة بحيث يجري قطعها والانتقال منها إلى منظومة علاقات جديدة منافسة بل وبديلة للعلاقات مع الغرب.
ومن الصحيح أيضاً: أن قفزة سريعة لتركيا باتجاه منظومة علاقات مختلفة، تحمل معها مخاطر تشظيها حرفياً، ولكن مع ذلك فإنّ حقيقتين كبيرتين إلى جانب هذه لا ينبغي إغفالهما: الأولى، هي: أنّ الخروج التركي السريع من منظومة العلاقة التركية إن كان
يحمل خطر تشظيها بوصفه احتمالاً عالياً، فإنّ البقاء ضمنها يعني تشظيها كاحتمال أكيد؛ في ظل الأزمة الأمريكية التي لا حل لها من وجهة النظر الفاشية سوى في الفوضى الخلاقة. والحقيقة الثانية، هي: ما نراه من مشروعات مشتركة يجري إنجازها على الصعد المختلفة، الواحد بعد الآخر مع روسيا والصين وإيران وبريكس... أي: أنّ السَّمت العام، الاتجاه العام، بات واضحاً: تركيا تسير نحو خروج تدريجي ومحسوب من منظومة علاقاتها التاريخية باتجاه منظومة جديدة؛ وهي عملية لا شك ستأخذ وقتها، لكنها تتحرك باتجاه واحد وثابت، وأية حسابات سياسية بخصوص تركيا ينبغي أن تأخذ هذا الأمر ليس فقط بعين الاعتبار، بل بوصفه المحدد الأساس لمجمل السياسة التركية. بكلام أكثر مباشرة ووضوحاً، من يريد أن يقوم بحسابات إستراتيجية صحيحة للأشهر الستة القادمة مثلاً، عليه أن يضع في حسبانه أن تركيا ستكون أقرب لروسيا والصين وأبعد عن أمريكا مما هي عليه اليوم، ولمن يحسب لسنة عليه أن يفترض المزيد من الأمر نفسه...

التعاون الثلاثي

وإذا كان التعاون الثنائي بين كل من روسيا وتركيا من جهة، وروسيا وإيران من جهة ثانية، قد تدرج في تطوره بشكل متسارع خلال العقدين الماضيين، مع تقاطعات تكبر أو تصغر بين الحلقتين، فإنّ عاملين حاسمين قد غيرا هذه المعادلة، ودفعاها نحو مستوى جديد:
أولاً: استعصاء حل الأزمة السورية، والتي كانت نقطة خلاف واضح كاد يصل حد المواجهة المباشرة، بين روسيا وإيران من جهة وبين تركيا من جهة ثانية، والتي التزمت عبر سنوات خط المعسكر الفاشي ضمن الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الوضع السوري، والذي لم تنته تأثيراته بشكل نهائي حتى الآن، ولكنها ضعفت إلى حد كبير وجرى تطويقها، وهي الآن في طور التحلل والاضمحلال.
إنّ استعصاء حل الأزمة السورية وتمددها زمنياً وجغرافياً واقتصادياً، بات يشكل تهديداً لكل الدول المحيطة، ولهذه الدول الثلاث خاصة، وهو ما دفعها إلى التقارب التدريجي حول هذه المسألة، والذي كان يتعمق مع كل مشكلة جديدة يجري حلها.
ثانياً: بالتوازي مع ذلك، فقد أقدم الأمريكيون على أكبر و«أفضل» حماقة في تاريخهم، عبر رفع الضغط والعقوبات والتهديدات في وقت واحد على الدول الثلاث، وعبر مختلف الوسائل بما فيها محاولة الانقلاب في تركيا، وتنشيط العمل على الثورات المضادة وغيرها من الوسائل، والتي يبدو أن الأمريكي كان يحلم بأن تؤدي إلى تفجير المنطقة بأسرها. السلوك الأمريكي هذا، قرّب الدول الثلاث من بعضها أكثر من أي وقت مضى.

أستانا والعالم الجديد

إذا عممنا المنطق المتحقق على الأرض الذي أشرنا إليه آنفاً، والمكون من مفردتين أساسيتين: أزمات مستعصية دون حلول، وهجوم وتصعيد أمريكي متعاظم يسعى ويهدد بكل أنواع الانفجارات الداخلية، وفي إطار الفوضى «الخلاقة»، فإنّ القانون الموضوعي لبقاء التعاون الثلاثي وقدرته على تحقيق مهامه، لبقاء أستانا وقدرتها على تحقيق مهامها، هو التوسيع اليومي لهذا التعاون إلى حدودٍ أوسع وأكبر من الثلاثي؛ وبكلام آخر: إنّ أستانا تحتاج إلى تحقيق انتصار جديد كل يوم، توسيع جديد كل يوم، مهما كان صغيراً ومتواضعاً، لكن دون التوسيع المستمر فإنّ النكوص هو الاحتمال الوحيد.
بهذا المعنى، ومن وجهة نظر «براغماتية» بحتة، فإنّ ثلاثي أستانا وإن كان من المبكر القول إنه بات تحالفاً، فإنه بات بكل تأكيد تفاهماً إقليمياً عميقاً، وذا إطلالة دولية، كجزء من مشروع إعادة رسم العلاقات الدولية بأسرها، والتي ستسير على «خط سكك حديد قطار الشرق السريع» الذي يشكل البنية التحتية للعالم الجديد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
914
آخر تعديل على الإثنين, 20 أيار 2019 15:26