_
افتتاحية قاسيون 914: الفرصة والكارثة

افتتاحية قاسيون 914: الفرصة والكارثة

تتكثف هذه الأيام إشارات شديدة التناقض بما يخص الوضع السوري؛ فمن جهة نرى التصعيد مستمراً، العقوبات مستمرة، الضغوطات الاقتصادية والسياسية والعسكرية أيضاً مستمرة وتتعاظم، السلوك المتشدد لرافضي الحل من السوريين وغير السوريين يرتدي أشكالاً أكثر مباشرة ووضوحاً.

ومن الجهة الأخرى، نرى تبريداً لدرجة التوتر بين موسكو وواشنطن، بل وتصريحاً واضحاً بأنّ تفاهمات مثمرة قد جرت بما يتعلق بالأزمة السورية، بالتوازي مع استمرار عمل ثلاثي أستانا المشترك وتفكيكه للألغام الموضوعة في دربه، الواحد بعد الآخر.

إنّ اتجاهي الحلحلة والتصعيد، هما اتجاهان واقعيان ويعملان بالتوازي، وفي الوقت نفسه، وإذا كانا في المراحل السابقة يظهران بوصفهما نوبات متعاقبة بين تصعيد وحلحلة، فإنّ ذلك يعود إلى حقيقة أنّ درجة نضج المسألة السورية، وعدد آخر من الأزمات على الساحة الدولية، لم تكن كافية بشكل فعلي للانتهاء منها والسير قدماً.

الجديد الآن، هو أنّ قابلية الأزمات المختلفة للحل، باتت أكبر من أي وقت مضى، وكل ذلك محمول على التراجع الأمريكي- الغربي المستمر، وما أنتجه من انقسام داخلي، وبشكل خاص على التراجع المتعاظم للتيار الفاشي ضمن الغرب، والذي كان ولا يزال خياره الوحيد هو التصعيد، والمزيد من التصعيد، وصولاً إلى التفجير حيث استطاع إلى ذلك سبيلاً.

هذا التوصيف، أي نضج الأزمة باتجاه الحل، وما يرافقها من اشتداد بالتصعيد بالتوازي مع تقدم التفاهمات، لا ينطبق على سورية فحسب؛ بل ويمكن النظر إلى الملف النووي الإيراني بالمنطق نفسه، وإلى ملف S400 التركي أيضاً...

بالعودة إلى سورية، فإنّ درجة النضج التي نتحدث عنها، تعني أيضاً أنّ درجة الضغط قد وصلت إلى تخوم تَحوّل نوعي؛ فإما أن تنتصر التفاهمات والقرارات الدولية، أي أن ينتصر الحل السياسي، وبذلك تخرج البلد من عنق الزجاجة الذي وصلته، أو أنّ عنق الزجاجة هذا سينكسر! بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر تعميق الطور الحالي من الأزمة وصولاً إلى طور جديد يصعب حتى تصوره، أو التنبؤ بما يمكن أن يفضي إليه، رغم أنّ الأكثر احتمالاً ضمنه، هو أنّ سورية نفسها كدولة واحدة وشعب واحد، ربما تصبح من الماضي.

وإذا كانت الأطوار الثلاثة السابقة قد حَوَت في كل منها ثلاث مراحل (أزمة اقتصادية- توتر وأزمة اجتماعية- أزمة سياسية)، ومع كل طور جديد، كانت هذه المراحل تغدو أشد وطأة وقسوة، فإن البلاد وفي الطور الثالث الحالي، قد وصلت حداً لا يمكن معه حتى تكرار الحلقة نفسها، على الأقل لا يمكن تكرارها ضمن النطاق (الجغرافي- السياسي) نفسه، أي ضمن سورية موحدة!

وإذا كان ما قلناه آنفاً، توصيفاً لحجم الخطورة التي تحملها الأسابيع والأشهر القليلة القادمة، فإنه في الوقت نفسه توصيف لحجم الفرصة للقطع النهائي مع الأزمة والخروج بالبلد موحدة من عنق الزجاجة، وهذا ما نراه الاحتمال الأقوى والأكثر قابلية للتحقق، والذي يتطلب مزيداً من التقارب بين الوطنيين السوريين، ومزيداً من عزل المتشددين من كل الأطراف.

معلومات إضافية

العدد رقم:
914
آخر تعديل على الأحد, 19 أيار 2019 20:25