_
«مبادرات» بالمفرق وبالجملة:  لا نريد حلاً!

«مبادرات» بالمفرق وبالجملة: لا نريد حلاً!

بالتوازي مع السعي المحموم الذي تبذله قوى التشدد من مختلف الأطراف بغرض تعطيل مسار أستانا وسوتشي، وبالجوهر تعطيل مسار تطبيق القرار 2254، تطفو على السطح من جديد جملة من «المبادرات» الداعية لخلق مسارٍ جديدٍ، الشيء الوحيد الواضح ضمنه هو: محاولة نسف كل ما تم إنجازه عبر أستانا.

محاور في عمل المتشددين

إذا ما أردنا وضع محاور العمل المتشدد ضمن بنود أساسية يمكننا تعداد النقاط التالية:
- محاولة شرعنة وجود أمريكي طويل الأمد في سورية، عبر جملة من التحركات واللقاءات والتصريحات، والتي تحاول «التذاكي» عبر اعتبار كل من القوات الروسية والأمريكية، قوات «تحارب الإرهاب»، ولذا فبقاؤها كلها «ضروري» وينبغي أن يستمر لفترة غير قصيرة. بالتوازي مع الدفع نحو شرعنة «وضع خاص» لمنطقة شمال شرق سورية بحيث تبقى معزولة عن باقي الأراضي السورية، ونشر أكبر كم ممكن من الأكاذيب عن اتفاقات وتفاهمات أمريكية تركية حول «منطقة آمنة» بعيداً عن أستانا وبعيداً عن القانون الدولي.
- محاولة التقليل من أهمية ملف اللجنة الدستورية وسوتشي، مروراً بمحاولة الانقلاب عليهما من مؤيدين سابقين لهما.
- تشديد العقوبات الاقتصادية، بالتوازي مع التعطيل المستمر للتوجه شرقاً بالمعنى الاقتصادي، ومع محاولات ساذجة لإلقاء الفتنة بين أطراف أستانا، بل ووصولاً إلى الهجوم المباشر على أستانا وعلى الدور الروسي تحديداً، ومن جانب قوى الفساد الكبير، بالتكافل والتضامن مع القوى المنبطحة للغرب على الضفة الأخرى.
- محاولة شرعنة الموقف الغربي من عملية إعادة الإعمار، بل وإزاحة عبء الضغط الروسي عن كاهل الغرب في هذا الملف، عبر رفض أي إسهام غربي في إعادة الإعمار، علماً أنّ أهم إسهامين على الغرب القيام بهما في هذه العملية، هما رفع العقوبات، ودفع التعويضات عن التخريب الذي قاموا به ضمن سورية، ولذا من غير المبرر إطلاقاً «إعفاء» الغرب من مسؤولياته وبالمجان!

ضمن هذه اللوحة المعقدة من تلاقي مصالح التشدد الذي كان ولا يزال مركزه قائماً في الغرب، تظهر «مبادرات» عديدة لم تعد قادرة حتى على المواربة في طبيعة اصطفافها، بل وباتت من الوضوح بما يكفي لمعرفة من يقف وراءها بالنسبة للقاصي والداني، وما الذي تريده في نهاية المطاف.

مشتركات في المبادرات المشبوهة

بنظرة أقرب لجملة مبادرات جرى إطلاقها خلال الأسابيع والأشهر القليلة الماضية، يمكننا أن نلمس المشتركات الأساسية التالية:
- الهجوم الكثيف على أستانا، وتحت مختلف الذرائع المكررة، وعلى رأسها «سرقة قرار الشعب السوري»، أو «حرف مسار جنيف»... بالتوازي مع الهجوم على أستانا بحجة الهجوم على تركيا من قوى التشدد ضمن النظام... وإلخ. واللافت في هذا الهجوم، الذي لم يعد جديداً البتة، أن بين من يطلقونه الآن، من كان قد أيد سابقاً سوتشي، أو على الأقل أيد ما أنتجته، بل وسبق لهم أن هاجموا مسار جنيف وقاطعوه واعتبروه مساراً عبثياً، والآن يتعاملون معه أنه المخرج الوحيد ليس بوصفه مساراً لتطبيق 2254، بل بالضبط عبر تصويره كنقيض لمسار أستانا!
- الهجوم على الدور الروسي عبر مساواته بالدور الأمريكي، واعتبارهما دورين متكافئين لقوتين «احتلاليتين» تسرقان إرادة الشعب السوري، وفي هذه أيضاً يشترك التشدد من الأطراف المختلفة بين من يعادي روسيا علناً، وبين من يختبئ خلف العمومية التي تكاد تكون بلا معنى والقائلة (كل دولة لها مصالحها، وكل دولة تدافع عن مصالحها) وبالتالي، لا فرق بين حليف وعدو! والأسلوب الثاني للهجوم نفسه هو: إزجاء «المديح» للدورين معاً، كقوتين «محاربتين للإرهاب»، والمطالبة ببقائهما! وفي الحالتين تجري عملية مساواة للدورين لا تهدف إلى الوقوف على مسافة واحدة منهما (وهذا أمر مستحيل عملياً ونظرياً)، بل الهدف منه هو شرعنة التخريب الأمريكي وتعويض الضعف والتراجع المستمر للغرب في سورية وفي المنطقة.
- ومن الطريف في هذا السياق، أنّ انتقاد الغرب لا يظهر ضمن هذه المبادرات إلا بمعية انتقاد الدور الروسي، بل وكتبرير لانتقاد الدور الروسي، في حين يظهر ويبرز انتقاد أستانا التي «سرقت جنيف» و«استفردت بالقضية السورية»، والمقصود طبعاً هو أن وجهة نظر «المبادرين» تقول بأن الدور الغربي يجب أن يكون أكبر وأوزن!
- يشترك المبادرون أيضاً، في أن مبادراتهم خلت من أية مطالبة برفع العقوبات الغربية عن سورية، بل ولم تضع موقفاً ملموساً في مسائل إعادة الإعمار وعودة اللاجئين، متمثلة بذلك الخط الغربي الذي يسعى إلى تأجيل هذه القضايا إلى ما لا نهاية، لتبقى أوراقاً لتفجير الوضع ولمنع الوصول إلى الحل.

ما الذي يريدونه؟

إذا حاولنا تجميع شذرات الكلام الملقى هنا وهناك، ضمن المبادرات نفسها، وحولها، لخرجنا باللوحة التالية:
المطلوب أولاً هو: تعطيل أستانا. ويجري ذلك عبر المطالبة بزيادة الوزن الغربي، وشرعنته، ولا بد في السياق من غض النظر ولو مؤقتاً عن مسائل العقوبات واللاجئين وإعادة الإعمار. ولا بد من نسف اللجنة الدستورية لأنها «انحراف عن جنيف واختزال للحل» وعلى الطريق لا بد من نسف سوتشي بطبيعة الحال، وأستانا ككل، وذلك للوصول أو «عدم الوصول» إلى «حوار وطني» تحت «رعاية الأمم المتحدة» التي لا بد أن يكون «الوزن الغربي» ضمنها هو الأعلى، وبذلك تعود «سيادة السوريين» عبر «مصالحة شكلية» بين أتباع الغرب من هنا ومن هناك، بحيث يبقى الوضع السوري مفخخاً، بل ويجري دفعه باتجاه انفجار أكبر من كل الانفجارات السابقة، على أساس خيالات وأوهام البعض بأنه من الممكن أن يجري منع تغيير الأمور بشكل حقيقي، ومنع تطبيق القرار 2254.
المحصلة، هي أنّ المبادرات والألعاب التي تجري إدارتها غربياً، وتنفيذها عبر أطراف مختلفة، والتي تأتي في مرحلة وصلت فيها الأمور إلى عنق الزجاجة، في محاولة لإعادة مارد التغيير إلى القمقم، أو حتى خنقه وقتله إن أمكن، لن يكتب لها النجاح، بل من شأنها إن استمرت أن تغلق الباب نهائياً أمام الإمكانية النظرية للاستمرار السياسي لبعض منفذيها، لأن الوقائع أشياء عنيدة، وعنيدة جداً، وعلى رأسها واقع التوازن الدولي الجديد، وواقع ثبات أستانا وتعززها وتصلب عودها مع كل مطلع شمس. وهو ما يعني أنّ 2254 سوف ينفذ كاملاً، ولن تطول عذابات السوريين وآلامهم إلى الحدود التي يريد لها الغرب أن تقطعها لتصل إلى نقطة اللاعودة، لسورية موحدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
912
آخر تعديل على الأربعاء, 08 أيار 2019 13:49