_
الجلاء وفق المنظور الجديد؟!
أحمد علي أحمد علي

الجلاء وفق المنظور الجديد؟!

إن أكثر ما يمكن أن ينال من أهمية ذكرى تاريخية بحجم جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية؛ وما تحمله من مكانة متميّزة في الوعي السوري، هو تحويلها إلى مجرد طقس احتفالي، وأغانٍ وأهازيج. وخروجاً من الإطار المناسباتي، نحاول هنا قراءة الجلاء بين الماضي والحاضر، وتوضيح مفهوم الاستقلال ومعانيه، وذلك بهدف الارتقاء إلى مستوى الحدث المعني وتمثله قولاً وفعلاً.

تأخذ مفاهيم عامة كـ«الاستقلال الوطني» أو «التحرر الوطني» أشكالاً وجوانب متعددة، وذلك تبعاً لضرورات المرحلة التاريخية، وللاستحقاقات الموضوعية التي تفرض نفسها على البلد المعني.
وانطلاقاً من ذلك، ومن ترابط المهام السياسية والاقتصادية- الاجتماعية والوطنية، نوضح بدايةً أوجه الاستقلال ومعانيه وكيفية تحقيقه:
«الاستقلال السياسي»
إن التعبير العملي المباشر عن الاستقلال السياسي يتجلّى في القدرة المطلقة على اتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بالشؤون السيادية، كسيادة الشعب على الأرض، والدستور، وكل جوانب القرار الوطني.
وقد كان النصف الأول من القرن العشرين، مرحلة وعي الشعوب المُستعَمرة لذاتها، وسعيها لإنضاج فكرة الوطن والدولة، والإجابة عن سؤال الهوية، التي كان المحدد الجامع فيها: خروج المحتل.
ولكن نضالات الشعوب التي تتوجت بالاستقلال، والذي كان لسورية الأولوية فيه، لا يمكن قراءته إلّا ضمن العالم المترابط والمتفاعل، بتوازنات القوى الدولية.
وفي هذا الإطار ينبغي تثبيت فكرة هامة، وهي الدور الكبير الذي لعبته التوازنات الدولية في الحصول على الاستقلال السياسي. وبالعودة إلى عام 1946 حين تحقق جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية؛ فإن التوازنات الدولية التي تبلورت في حينه نتيجة انتصار الثورة البروليتارية الروسية على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، ساهمت مساهمة أساسية في فتح الآفاق عملياً أمام حركات التحرر الوطني في العالم أجمع للسير نحو الاستقلال. عن طريق مساهمتها في إنهاء عهد الاستعمار القديم، وقد تجلى بأشكال عدة وبشكله الملموس السوري من خلال الـفيتو السوفييتي لصالح استقلال سورية، الذي كان واحداً من تفاصيل مراحل معارك الاستقلال.
قوى الاستغلال العالمية، أنهت مرحلة الاستعمار القديم، وبعد أن انتشت بدمار الحرب العالمية، دخلت منذ منتصف الستينيات في مرحلة الاستعمار الحديث: مهيمنة على الاقتصاد الدولي تجارياً ومالياً وتكنولوجياً، وعلى القانون الدولي ومؤسساته، ومتدخلة عسكرياً حيث تحتاج، إلى أن وصلت للانفراد المطلق القوة في التسعينيات. وخلال هذه المراحل كانت مجمل شعوب الجنوب، ودول العالم المستعمَر السابقة، قد أُلحقت بأدوات الهيمنة الجديدة... وأصبحت مستقلة شكلاً فقط وبنسب متفاوتة. وأصبحت التبعية الاقتصادية مفتاحاً أساسياً في توزيع الأدوار العالمية، بين مستعمِر ومستعمَر.
ولكن العديد من العوامل كانت تتحرك وتدفع نحو ظهور التغيّر في موازين القوى الدولية التي تغيرت اليوم، لتصبح دول كبرى صاعدة- كانت مستغلَة سابقاً- محوراً أساسياً في الاقتصاد الدولي، والسياسة الدولية، ووزناً عسكرياً يدفع المركز العالمي إلى التراجع، كالصين وروسيا والهند وغيرها من دول المحيط الكبرى، التي لم تعد مضطرة للخضوع لاستغلال المركز الغربي لها.
وفي هذا الواقع الجديد، فإن المساحة تفتح مجدداً لتراجع الاستغلال، ولاستكمال مهمات الاستقلال الوطني التي لم تستكمل، لدى شعوب العالم. حيث يترافق هذا التغير مع حركة الشعوب وعدم قدرتها على احتمال كل نواتج مرحلة الهيمنة الماضية، وأهمها: الأنظمة المركبة على منطق التبعية للغرب، والتي عملت وكيلة لهيمنته الاقتصادية، فشعوب العالم تتلمس الأفق الذي يمكن تسريع قدومه، وحركتها تجاهه.
وما يحصل عالمياً ينطبق على سورية، حتى في أحلك أوقاتها، ويفتح المجال لولادة جديدة فيها أيضاً، تعتبر استكمالاً وتتويجاً لذكرى عام 1946، نحو الاستقلال التام، الذي أصبحت أهم مفاتيحه اقتصادية.
«الاستقلال الاقتصادي»
إن واحداً من أهم المحددات العامة في الجانب الاقتصادي للاستقلال هو مدى تحقق مضمون الموضوعة التالية: «أعمق عدالة اجتماعية- أعلى معدل نمو» في البلد المعني، فلم يعد ممكناً النمو دون عدالة، والعكس بالعكس.
ومن ناحية أخرى، فإن الاستقلال الاقتصادي يرتبط بمحدد قدرة النموذج على تطوير القوى المنتجة، تطويراً متكاملاً وغير مشوه. فكلما كانت القوى المنتجة أكثر تطوراً، كلما كانت إمكانية إحلال أكبر قدر منطقي ومقبول من الاستقلال الاقتصادي أعلى. وفي هذا الجانب، ينبغي التوضيح بأنّ الحديث عن استقلال اقتصادي مطلق أمر غير منطقي، في عالم تترابط أوصاله موضوعياً، ويحتاج إلى التكامل. وإنما الحديث يدور هنا حول الحد الأعلى الممكن والمعقول من الاستقلال الذي يحافظ على التوازن الاقتصادي في البلد، ويجعل اقتصاده غير مرهون بالخارج.
إن تحقيق ما سبق، لا يمكن أن يكون إلا بإغلاق الأبواب نهائياً في وجه الليبرالية الاقتصادية، والتي كان اعتمادها في سورية أو في غيرها، التعبير الأكمل والأكثر وضوحاً عن مستوى ربط مقدرات الاقتصاد السوري، بآليات الهيمنة الاقتصادية الدولية. الهيمنة للمؤسسات الغربية على مقدرات الاقتصاد السوري.
وإن كان تبني الليبرالية المساهم الأساس، في هشاشة البنى المجتمعية ودرجات الاحتقان الاجتماعي، وتبعية النُّخب. فإن استمرارها اليوم، وبعد سنوات الأزمة يحمل اليوم خطر التفريط بكل المنجز الوطني التاريخي الذي بدأ بمعركة ميسلون، والثورة السورية الكبرى، وتحقيق الجلاء عام 1946. بل يحمل خطر تهديد البلاد بوجودها، ولذلك فإن تغييراً نوعياً في هذه السياسات اليوم يشكل ضرورة وطنية عليا.
«الاستقلال أساس ينبغي استكماله»
إن استحقاق اليوم يشبه استحقاق الجلاء في حينه، ولكن مستواه أعلى وأكثر تطوراً، فالاستحقاق أمام الشعب السوري هو إنهاء أزمته، والحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً، ودفع البلاد باتجاه نظام ديمقراطي تعددي سياسياً، ويحقق في الوقت نفسه أعمق مستوى من العدالة الاجتماعية مترافقاً مع أعلى معدل نمو، لاستعادة الدور الإقليمي لسورية في المنطقة، لأن أمام سورية استحقاق استعادة الأراضي المسلوبة، فالاستقلال الوطني ليس منجزاً لذاته، بل هو الأساس الذي لا بدَّ منه لاستكمال عناصر «الذات الوطنية» بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية.. إلخ
«الحل السياسي جلاء جديد»
إن الاحتفاء الحقيقي بالجلاء اليوم، وفي جحيم الأزمة التي باتت تهدد كل الإرث الوطني المادي، يكون بفهم الواقع الحالي في سورية وفهم الضرورات، واستنتاج الخطوات والآليات المطلوبة في مختلف الجوانب، والعمل على تنفيذها خطوة بخطوة بهدف الوصول للاستقلال الوطني المطلوب، الذي يسمح لسورية وللشعب السوري بالاستمرار، ورسم مرحلة الجلاء الجديدة التي يُعد التغيير الوطني الجذري العميق والشامل عنوانها الأبرز. الأمر الذي يتجسد في ظروف اليوم بانطلاق التسوية السياسية، على أساس القرار 2254 الدولي، وعبر المدخل الدستوري.

معلومات إضافية

العدد رقم:
910