_
إرادة الشعوب وخيار الجنون!
أحمد علي أحمد علي

إرادة الشعوب وخيار الجنون!

تعيش شعوب هذا العالم قاطبة، من شرقه إلى غربه، واقعاً اقتصادياً– اجتماعياً مأساوياً، يُثقل حياتهم ويجعلها مغمورة ببحر من الشقاء والتعب، يسبحون به ليل نهار، دون نهاية ودون منقذ، واقعاً تترسب أعباؤه وهمومه عليهم في كل لحظة، يسلبهم حلاوة الحياة ولذتها، ويهددهم بالغرق دوماً.. ورغم ذلك، تأبى شعوب هذه الأرض إظهار العجز أو اليأس أمام هذا البحر وحيتانه، وتثبت من جديد، بأن قلوبها ما زالت تنبض بيقين وأمل تحمله النوارس إلى سماء الأحلام...

«التغيير ضرورة»..

تجد هذه الحقيقة ترجمتها العملية في الحراك الشعبي العام الذي نشهده في هذه الحقبة التاريخية على بقع واسعة من هذا الكوكب؛ الحراك الذي يعبر عن ضرورة التغيير وحاجته بوصفه استحقاقاً لابدّ منه للسير قدماً نحو الأمام في عمليات التطور والتقدم بكل جوانبه ومعانيه..

«القوى المستفيدة وخياراتها»

يقابِل حراك الناس هذا جميع القوى المتطرفة والمستفيدة من الوضع القائم؛ المحدد بنمط معين من توزيع الثروة، ونمط معين من الحكم يناسب مصالحها وغاياتها، هؤلاء الذين يملكون خيرات هذه الدنيا المليئة بالموارد، والتي تكفي البشرية جمعاء دون أدنى شك...
أمام هذه القوى في التعاطي مع حراك الشعوب خياران لا ثالث لهما؛ الأول: أن تتجاوب مع التغيير المطلوب وتقدّم التنازلات المطلوبة له، ومحاولةً التكيّف مع الوضع الجديد. والثاني: ممانعة هذا التغيير ومهاجمته والوقوف بوجهه.

«وعي الضرورة»

لا شك، أن الخيار الأول قد يفقد هذه القوى مكاسبها التاريخية، التي جمعتها من بؤس الملايين، ولذلك تمانع في التجاوب مع ضرورة التغيير. والأهم من ذلك، أن هذا الخيار سيسمح للبلدان بأن تتقدم وتزدهر، وسيسمح للشعوب بأن تتطور وتشقّ طريقها نحو استقلالها، وبناء تاريخها وحضارتها، وهويتها الجديدة التي تلائم روح العصر..

«عِناد الضرورة»

أما الخيار الثاني، فهو خيار الجنون، ولا تخلو هذه الحياة من جنون لا يعترفُ بالضرورات، ويُصنّع الاتهامات، ويكشف المؤامرات، وما استطاع إليه سبيلا...!
يُعبّر هذا الخيار عن حالة من اليأس تكتنف أصحابه، يحاولون من خلالها وقف عجلة التغيير، وذلك لأن هؤلاء القلة يعدمون الحيلة في القدرة على تقديم أي تحسين للأغلبية، وأية قدرة على تطوير إمكاناتهم الذاتية وفق ما يُمليه الواقع الجديد، بالتالي يسعون لكسر إرادة الشعوب، وهو مسعى لكسر ضرورات الحياة. وتكون نتيجة هذا الخيار عملياً الذهاب بالبلاد إلى حالة استعصاء لا يمكن من خلالها حل أبسط مشكلة قائمة، وهذه الحالة بالضبط تفتح الأبواب على مصراعيها لعمليات التدخل الخارجي من القوى العالمية التي تريد الفوضى والتدمير في هذه البلدان، وللمؤامرات نفسها التي تُقذف بوجه الشعوب!

«التغيير قدر لا رادّ له»

لكن، بعيداً عن هذين الخيارين، فإن التغيير قادم لا محالة، ولا يمكن أبداً أن يكون مرهوناً بمزاج أحد الأطراف أو بشكل تعاطيه معه، إنما من الممكن أن تطول عملية التغيير في إحدى هذه البلدان، وأن تكون أثمانها كبيرة على يد مجانين هذا العالم!

معلومات إضافية

العدد رقم:
904
آخر تعديل على الإثنين, 11 آذار/مارس 2019 13:09