_
أمريكا وجنودها «على شفا جرف هار»!
أحمد علي أحمد علي

أمريكا وجنودها «على شفا جرف هار»!

تدور اليوم أحاديث مصدرها الجانب الروسي عن معطيات تشي بإمكانية حدوث انضمام «داعش» إلى تنظيم «القاعدة» تحت وطأة الضعف والتراجع لكلا التنظيمين، وهي إن كانت ما تزال مجرد أحاديث حتى اللحظة... إلّا أنها تحمل دلالة على النقطة الحرجة التي وصلت إليها (أداة الإرهاب) بعد الهزائم الكبيرة التي تعرضت لها في المنطقة، والتي تتطلب محاولة دمج القوى لعل وعسى تُجدي شيئاً.

 

يترافق الحديث السابق مع تصعيد جديد يحمل لواءه كل من تنظيمي «داعش» و«النصرة»، ويتضمن تحركاً عسكرياً لـ «داعش» في شرق الفرات، وما تلاه من استهداف «النصرة» للمنطقة منزوعة السلاح، والخرق المستمر لوقف إطلاق النار..
غايات التصعيد؟!
ما سبق يوضح حقيقة دور قوى الإرهاب في إعادة إنتاج وتوليد الفوضى، الأمر الذي يحصل في هذه الأثناء لغايتين مترابطتين؛ الأولى: هي خلق المبرر من جديد لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. والثانية: تأخير الحل السياسي قدر المستطاع وجعله مرهوناً بآجال زمنية مفتوحة.
ولو استرسلنا قليلاً في الحديث؛ فإن الولايات المتحدة تحاول خلق مبرر يسمح لها بالإبقاء على قواتها القليلة في سورية (حوالي 2000 عنصر في منطقة شرق الفرات وأقل منهم في منطقة التنف) زاعمةً أن هذه القوات ستكون بمثابة ورقة مماطلة أخيرة متبقية لديها في دفتر المماطلات والتوترات التي تمزقت أوراقه تباعاً في سورية والمنطقة. سأترك لكم التقدير إلى أي مدى يمكن أن تشكل هذه الفلول من الجنود ورقة تعطيل، لها وزن حقيقي وفعّال؟!، ولكن على فرض أنها تحمل إمكانية تأثير ما، فالمعطيات تشير إلى أن رياح التوازنات تُلّوح بهذه الورقة يميناً وشمالاً وتجعل حدود المناورة بها ضيقة جداً، فهي أولاً: ليست محمية بغطاءٍ قانوني دولي، وثانياً: لا توجد إمكانية حقيقية للولايات المتحدة بأن تفرض وجودها بالقوة، لأنها بالأصل موجودة في بيئة معادية، ومدججة بالفوضى، ويمكن مع أي رفع للتوتر في منطقتها أن تتحول إلى هدفٍ عسكري سهل. والولايات المتحدة غير قادرة على تحمّل خسارتها سياسياً ولا حتى عسكرياً، فهي ورقة (وحيدة لأمها)، وعلى سبيل التهكّم، فالعُرف في قانون التجنيد العام يجعلها معفية من الخدمة أصلاً!
دلالات الحدث؟!
إن تحرك التنظيمين في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات عديدة؛ فمن ناحية أولى: هو سعي لتقويض تطبيق الاتفاق الحاصل بين روسيا وتركيا في سوتشي. ومن ناحية ثانية، إن المنطقتين اللتين يعمل بهما التنظيمان في إدلب وشرق الفرات هما آخر مواضع التوتر العسكري في سورية. وهذه المناطق بالتحديد لن تجري فيها عملياً أية حلول جدية إلا بحصول أعلى مستويات التنسيق الروسية– التركية. الأمر الذي تسعى الولايات المتحدة لاستهدافه، بل ونسفه.
لأن التنسيق الروسي- التركي، هو مفصل مهم في الترويكا التي أنشأت اتفاق أستانا... وهو قد أتى كردة فعلٍ، على عرقلة الغرب والأمريكان لاتفاقات الهدن ووقف إطلاق النار سابقاً. وأنشأ إطاراً إقليمياً للتسوية السياسية في سورية، أنجز مهمات عديدة: في إنشاء مناطق خفض التصعيد، واستكمالها بفصل المتشددين، وعزلهم، واستعادة ترابط الأراضي السورية وسيادتها، ومن ثم أنشأ اتفاق سوتشي، حيث أقرت اللجنة الدستورية كخطوة عملية للتسوية السياسية ودفع القرار 2254. وكل هذا جرى دون الغرب.
إن جهد الترويكا يهدد الهدف الأمريكي، بإطالة الأزمة. بل ويمهد لخروج الغرب من المعركة السورية ومن التسوية بشكل نهائي. ويسعى لإنجاح نموذج لتثبيت وتطوير شكل إقليمي لحل الأزمة السورية ضمن خطة إعادة مركز ثقل الحل بجميع أبعاده السياسية والعسكرية إلى الداخل السوري.
على العموم، ليس بجديدٍ كل ما يحصل ابتداءً من الأفعال الأمريكية وانتهاءً عند أفعال جنودها الصغار، وتبقى هنا الحقيقة الأساسية التي تثبّتُها الوقائع العنيدة يوماً بعد يوم، هي انعدام القدرة الأمريكية على فرض خيارات جديدة لها في المنطقة، الأمر الذي يتبعه ويتمّمه الفشل في تثبيت النفوذ الحالي– حتى لشهور ربما- في ظل التراجع اللحظي المستمر، والأمر الذي يُكمّله ويختمه انعدام أي دور لأمريكا في سورية...
فإذا ما كان مجمل الدور السياسي للولايات المتحدة في سياق الأزمة السورية، موضع تساؤل اليوم، فهذا يعني أن كل ما يتم الحديث عنه: من (سياسة جديدة)، أو (اندماج التنظيمات)، أو (استمرار وجود القوات)... كله يتحول إلى ضباب مصطنع، لشدّ عَصَب ما تبقى من (المرتبطين بالعزم الأمريكي)!