_

الافتتاحية اتجاه التغيير وأدواته!

أن تبقى سورية نظاماً ومجتمعاً ضمن الوضع الحالي بإحداثياته الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية، بات أمراً في حكم المستحيل، ومن يظنّ غير ذلك نعتقد أنه يعيش خارج التاريخ والواقع الموضوعي، والخلاف والصراع الدائر اليوم في سورية وحولها ليس خلافاً على التغيير بحد ذاته بل هو خلاف على اتجاهات التغيير، وأهدافه، وأدواته، بعد أن استنفدت البنية السابقة دورها التاريخي ولابد من جديد يلبي متطلبات المرحلة، أي يحقق أهداف الشعب السوري باعتباره صانع الحدث وحامل مشروع التغيير وصاحب المصلحة الأساسية فيه.

من الناحية الواقعية وحسب تجارب البلدان الأخرى، وانطلاقاً من توازن القوى الداخلي والإقليمي والدولي لا بد للتغيير أن يأخذ أحد مسارين لا ثالث لهما:

- المسار الأول: تكرار نتائج النموذج الليبي، الأمر الذي تفترضه تعقيدات الوضع الحالي في البلاد من تأخر الحل السياسي واستمرار نزيف الدماء، بسبب تفاقم العنف والعنف المضاد والأشكال المتعددة للتدخل الخارجي، وهذا المسار عملياً هو تدمير وليس تغييراً بما يعنيه من تدمير بنية الدولة، وبالتالي المجتمع وهو في حقيقة الأمر عودة إلى الوراء بالمعنى التاريخي باعتباره يؤدي بالضرورة إلى إحياء البنى التقليدية من مذهبية وعرقية وعشائرية، وإذا كان هذا المسار متناقضاً مع مصلحة الشعب السوري إلا أن سلوك بعض القوى الفاعلة على خط الأزمة سواء كانت في النظام أو المعارضة حتى الآن يفتح باب الاحتمال لتمريره.
إن الأدوات والقوى المعبرة عن هذا المسار هي أدوات عنفية اقصائية، من حيث طريقتها في إدارة الأزمة ومحاولة التحكم بنتائجها كونها تستخدم العنف، ورجعية ولا ديمقراطية من حيث تفكيرها كونها تعتمد على إحياء تلك البنى التقليدية في إحداث الاصطفافات الجديدة لتبدل ما هو مشوه في العمل السياسي بما لا يقل عنه تشوهاً وتخلفاً.

- المسار الثاني: مسار التغيير الوطني الديمقراطي السلمي التدريجي الشامل وهو عملياً المسار الوحيد الذي يمكن من خلاله تحقيق أهداف الحركة الشعبية وهو الوحيد الذي يعبر عن توازن القوى الجديد في البلاد، ومن هنا فإن من واجب القوى الوطنية الحريصة على مصالح الشعب السوري في مختلف المواقع أن تعمل على نجاحه.
إن قوة هذا المسار تأتي من أنه يمثل مصالح أغلبية الشعب السوري، ومن أنه يتوافق مع الواقع الموضوعي واتجاه تطور الوضع العالمي أيضاً ونتائج الأزمة الرأسمالية التي ظهرت حتى الان وستظهر بحدة أكبر في الأفق المنظور، أي أنه ينسجم مع اتجاه التطور التاريخي في هذه المرحلة، وبمعنى آخر هو الخيار الذي يجمع بين الممكن والضرورة التاريخية.
إن التغيير الحقيقي هو ذلك الذي يعبر عن مصالح أغلبية الشعب السوري، وهذه الأغلبية لا تكمن إطلاقاً في الاصطفاف الطائفية أو العرقية أو الدينية بل الأغلبية والأكثرية هنا هي ذات بعد طبقي سياسي، أي انها تلك القوى المتضررة من السياسات الحالية وهم بلا شك كادحو سورية بالدرجة الأولى، وهم حوامل هذا التغيير وليس أحداً غيرهم.
إن أدوات تحقيق هذا المسار تتعدد وتتنوع بدءاً من تنفيذ الالتزام بمبدأ حرية التعبير والرأي وحق التظاهر السلمي والأشكال الأخرى للنشاط السياسي الجماهيري ذي الأهداف والبرامج المعبرة عن مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة، ومروراً بانتخابات مجلس الشعب القادم والتي يجب  أن تكون خطوة على طريق ترسيخ وتفعيل التعددية السياسية المقرة في الدستور الجديد لتكون إحدى منصات الانطلاق نحو الحل السياسي للأزمة، على الرغم من الظروف المعقدة التي تجري فيها هذه الانتخابات.
وبرغم كل التعقيدات فإن الشروع الفعلي بالتعددية السياسية بهذا المعنى يضيق الخناق على تلك القوى المتشددة من هنا وهناك، ويحجّم دورها ويفتح الباب أمام الحلول السياسية الحقيقية، وما عدا ذلك هو دوران ضمن دائرة الأزمة.
■■