_

الشيوعية والأحزاب الشيوعية - ج4

في عام 1929 ألغى ستالين النيب وبدأ في أول خطة خمسية.

ستالين كان يعرف أن الجدل يبقى فارغاً، وأن البلاد تبقى هشة أمام الخارج، وجائعة في الداخل، إذا لم تتطور، فبدأت البلاد بقيادة الحزب الشيوعي، أضخم وأسرع ثورة صناعية الصناعة العسكرية كانت مترافقة مع الصناعات الأخرى. وما إن أتى النصف الثاني من الثلاثينات، حتى بدأ ستالين يشم الخطر الخارجي، وصار يزيد من الوتيرة الدفاعية، وحاول أن يتقي الخطر النازي بعد ما استفحل فوقعت روسيا وألمانيا ميثاق عدم اعتداء في آب 1939، ولكن دون فائدة، فالحرية النازية كانت موجهة ضد روسيا بالدرجة الأولى، وخطة ألمانيا (بربروسا) لاجتياح روسيا، والوصول منها إلى الشرق الأوسط بدأ تنفيذها في 1921 وكان الاتحاد السوفييتي لم يستكمل بعد قوته الدفاعية. وكانت ملاحم تاريخية رائعة جرت في الاتحاد السوفييتي: ملاحم في سحب المصانع إلى ما وراء الأورال، وملاحم سنالينغراد وموسكو. وأيضاً ملحمة إعادة بناء الاتحاد السوفييتي الحرب، ففي فترة قياسية، خمس سنوات، أعاد البلد دون مساعدة خارجية بناء ما هدمته الحرب وهو كثير.

واستمر التسارع في تطور الاتحاد السوفييتي إلى أن أصبح القوة العظمى الأولى في العالم.

واتحدت الرأسمالية الدولية كلها ضد الاتحاد السوفييتي، وأصبحت المعركة واقعية بين جبهتين، وليست معركة نظرية.

واستخدمت الرأسمالية الدولية:

ـ المساعدة في نشوء كتلة الاشتراكية الدولية socintern التي جمعت مخلفات الأممية الثانية في أحزاب الديمقراطية ـ الاجتماعية، التي وصلت إلى الحكم في بلدان عديدة وبقيت إصلاحاتها في الإطار الرأسمالي، وبقيت متحالفة مع الإدارة الأمريكية، زعيمة الرأسمالية الدولية.

ـ مساعدة التروتسكية و«الأممية الرابعة» لتجعل منها ومن «الأممية الاشتراكية» بديلاً عن الشيوعية.

ـ المساعدة في انشقاق بلدان الاشتراكية العلمية، التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية عن الاتحاد السوفييت، فكان انشقاق يوغوسلافيا السابقة، وانشقاق الصين الخطير، الذي انعكس على كل مجرى الأحداث العالمية فيما بعد، والانشقاق الهنغاري، والتشيكي، والبولوني.

ـ المساعدة في تحريك الطائفية والعنصرية في روسيا الفيديرالية وفي الجمهوريات السوفييتية.

ـ طبعاً وتجنيد العملاء، الأمر الذي ساعدت عليه الصهيونية الدولية.

وانتصرت الرأسمالية الدولية أخيراً في «الحرب الباردة» على الاشتراكية العلمية، وخسرت الإنسانية فرصة تاريخية في التحرر وإلى الأبد من الاستعمار والاستغلال، وسقطت في هوة عميقة من الرجعية وضعف التطور والفقر والجوع، والمجازر، التي لا نهاية، ولا أفق لها.

●●●

طرحت الرأسمالية الدولية، بعدما أصبحت وحيدة على الساحة الدولية، كما كانت في القرن التاسع عشر، وبعدما أصبحت الطاووس العالمي، أن انتصارها هو برهان على فشل الاشتراكية العلمية.

غير أن نظام الاشتراكية العلمية لم يفشل. صحيح أنه لم ينتصر بعد على النظام الرأسمالي الدولي ولكنه لم يفشل بدليل التطور التكنولوجي في بلدان الاشتراكية العلمية، والتطور الهائل بوجه خاص في الاتحاد السوفييتي السابق والصين، التطور الذي ما كان يمكن أن يحصل في ظل أنظمة رجعية ورأسمالية أو طائفية. أيضاً خسرت الشعوب في بلدان الاشتراكية العلمية بتحولها إلى الأنظمة الرجعية الرعاية الاجتماعية المعممة، وأصبحت تعاني الفقر والجوع والتشرد.

بصرف النظر عن ذلك، عادت الجدلية بشكل واسع إلى الأحزاب الشيوعية، أو التي كانت شيوعية.

أولاً: هل الثورة البروليتارية ممكنة قبل النضوج التاريخي للبروليتاريا، ومن دون ذلك النضوج؟

الجواب التاريخي، الذي تجسد في الاتحاد السوفييتي وبلدان الاشتراكية العلمية، هو أنه إذا كانت الثورة البروليتارية بمفهومها النظري غير ممكنة، فإن الثورة من أجل البروليتاريا ممكنة. إن الاضطرابات ضد كل مكونات الاستعباد والاستغلال: ضد الاحتلال، ضد الاستعمار، ضد استغلال طائفة لطائفة، وضد استغلال عنصر لعنصر، وضد نهب الثروات وضد الاستغلال الذي يؤدي إلى الجوع والفقر، كلها أو بعضها (أي الاضطرابات تجري باستمرار، وفي مناطق واسعة من العالم، وإذا استطاعت الأحزاب الشيوعية، كما حاول ماركس، أن توظفها من أجل البروليتاريا، بدلاً من أن تبقى عينية، وتؤدي إلى لا شيء، فإنها تكون قد قامت بعمل كبير من أجل مستقبل الإنسان. إن قيام بلدان الاشتراكية العلمية أحدث تحولات تاريخية كبيرة ومايزال، وهو من أجل البروليتاريا ومستقبلها.

ثانياً: هل الثورة البروليتارية ممكنة في بلد واحد؟

الجواب التاريخي أيضاً هو أن الثورة من أجل البروليتاريا ممكنة وضرورية في مختلف البلدان، وهي التي تؤدي في نهاية المطاف إلى انتصار البروليتاريا. الثورة البروليتارية لا تحدث فجأة ودفعة واحدة، وإنما تنضج في أحشاء الرأسمالية، والثورات من أجل البروليتاريا هي النسغ التاريخي للثورة البروليتارية المستقبلية.

غير أن الثورة في بلد واحد من أجل البروليتاريا تختلف عن ثورات «الاشتراكية الوطنية» التي تغلف العنصرية كما في الأنظمة الفاشية الأوربية، أو الطائفية العنصرية، كما في الصهيونية التي طرحت نفسها قبلاً «الاشتراكية وطنية لليهود». فالثورة من أجل البروليتاريا ليست عنصرية، ولا طائفية، ومتى كانت كذلك، فإنها تفقد صفتها «البروليتارية». إن الفاشيات الأوربية كانت، كما نعرف لصالح الرأسماليات في بلدانها، والصهيونية كانت وما تزال لصالح الرأسمالية الدولية.

ثالثاً، هل سبب انهيار الاتحاد السوفييتي وبلدان الاشتراكية العلمية هو انعدام الديمقراطية؟

الديمقراطية، التي أتت بها الثورة الفرنسية هي مكسب تاريخي للإنسان، وتبقى أساسية في بناء المجتمعات. غير أن الديمقراطية تحتاج الأساس الاجتماعي المكثف في الشعار المثلث: «الحرية والإخاء والمساواة». لذا، فإن بناء الديمقراطية في المجتمع العبودي، المحتل، المستعمر، نصف الإقطاعي، يتطلب أولاً نيله الحرية، والنضال في سبيل ذلك، وفي المجتمع المتعدد الطبقات، حيث لا الإخاء موجود، ولا المساواة، يتطلب إزالة الفروق الطبقية، أي النضال من أجل ذلك، فبناء الديمقراطية يتطلب مجتمعاً حراً ومؤلفاً من أحرار متآخين ومتساوين.

الديمقراطية المطبقة في بلدان الرأسمالية الدولية هي على مقاس الأنظمة في تلك البلدان، وينتج عنها بصرف النظر عن التفاصيل إدارة تمثل الطبقات الرأسمالية، وتعمل لصالحها، لا لصالح المجتمع. وهذه ما كانت، ولن تكون، على مقاس بلدان الاشتراكية العلمية، وقد رأينا واقعياً أ التحول في بلدان الاشتراكية العلمية إلى ديمقراطية مزعومة، كانت بمثابة تحول عن نظام الاشتراكية العلمية إلى نظام رأسمالي ضعيف تابع للرأسمالية الدولية، والكلام ينطبق حتى على روسيا الاتحادية. أي التحول زعماً إلى «الديمقراطية» كان تحولاً إلى الرجعية وإلى مكوناتها الطائفية والعنصرية. أيضاً «الديمقراطية» في البلدان الرأسمالية تنطوي دولياً ووطنياً على مختلف مكونات الرجعية، الطائفية والعنصرية، فعلى الصعيد الوطني هناك التمييز العنصري بمختلف أشكاله، وعلى الصعيد الدولي هناك القذارة الاستعمارية بكل أشكالها ودمويتها.

آخر تعديل على السبت, 12 تشرين2/نوفمبر 2016 13:49