_

الأزمة تؤكّد أن ماركس مايزال حيّاً د. قدري جميل: الأزمة العالمية العظمى للرأسمالية.. لا مخرج منها!

أجرت هيئة تحرير صحيفة «قاسيون» حواراً مطولاً مع الرفيق د.قدري جميل حول الأزمة المالية العالمية الكبرى التي تمر بها الرأسمالية، بصفته باحثاً وخبيراً اقتصادياً، وسألته عن جذورها وأسبابها وتداعياتها وانعكساتها ومآلها، كونه من أوائل الذين استشرفوها وتوقعوا حدوثها..

ونظراً لأهمية الموضوع، ونزوع الإجابات إلى الشمولية والشرح العميق الواضح والمبسط، مع محافظته على الرصانة والعلمية، فقد ارتأينا في أسرة التحرير إعطاءه حيزاً واسعاً..

يقول د. جميل في مستهل الحوار:

لابد بدايةً، من وضع اليد على الجذور الحقيقية للأزمة المالية العظمى التي وقع النظام الرأسمالي العالمي في قبضتها، إذ لا يمكن فهم جذور هذه الأزمة إلا بالعودة إلى التاريخ، لأن جذور هذه الأزمة تكمن في طبيعة النظام الرأسمالي وتطوره التاريخي بنسخته الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية التي جرى بعدها تطور هام، تمثل في اتفاقية بريتون وودز 1944، فقبل ذلك الحين كانت جميع العملات التي تمثل الاقتصادات الرأسمالية القوية في البلدان المركزية عملات محلية، ومعادلها الذهب وفقاً لاتفاق دولي، أي أن كل عملة ورقية لها مضمون ذهبي، أما في اتفاقية بريتون وودز ،1944 فحدث أمر خطير لم تظهر تداعياته فوراً، بل تم ذلك بعد عدة عقود، وتجلى في عدم اعتماد الذهب كمعادل وحيد للعملات المحلية، بل تم الاتفاق على أن يكون المعادل هو الذهب والدولار الأمريكي معاً، أي تم إعطاء الدولار الحق في لعب دور المعادل بين العملات، وقد كان هذا الأمر في حينه طبيعياً، لأن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من الحرب العالمية الثانية دون خسائر تذكر، فالقوى العاملة الأمريكية لم تتأثر بالحرب العالمية الثانية كما تأثرت القوى العاملة في الدول الأخرى التي خاضت الحرب على أرضها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نشطت الصناعة الأمريكية جداً خلال الحرب العالمية الثانية خاصةً في صناعة التسليح، فأصبحت الولايات المتحدة من خلالها صاحبة الرقم واحد في الوزن الاقتصادي الفعلي الحقيقي في مسرح الإنتاج العالمي، حيث مثلت أمريكا منذ ذلك الحين 30 % من هذا الإنتاج، وكان وضع الدولار مقياساً لتبادل العملات إلى جانب الذهب في ذلك الوقت منطقياً وطبيعياً. 

ماذا تغير وأين المفارقة؟!

وهكذا، وضمن هذه الخارطة، تحول الدولار من عملة محلية إلى عملة عالمية، ولكن لم يعف الدولار من تغطية نفسه بالذهب حينها، ولم يسمح له بالتملص من هذه التغطية، وكان ذلك أمراً بديهياً، ولكن حينها لم يكن هناك وسيلة لقياس حجم الإصدار النقدي الدولاري للعالم الخارجي. صحيح أنه كان بالإمكان ضبط الإصدار الدولاري الداخلي، إلا أن تغطية الدولار الورقي عالمياً لم تكن ممكنة، وذلك عائد لنشوء عدة عوامل موضوعية منها:

ـ تطور السوق العالمية.

ـ تطور خطوط الاتصال.

ـ تطور التبادلات.

وكل هذا يحتاج إلى وحدة قياس لم تكن متوفرة، ولم يكن هناك أية عملة إقليمية من هذا النوع، بل كانت جميعها محلية بما في ذلك الدولار الذي أخذ موقع عملة عالمية بشكل فجائي، وأمام انعدام القدرة على قياس وضبط حجم الدولار المطلوب للتداول العالمي، سمح ذلك لآلة طباعة الدولار الأمريكية أن تبدأ بالعمل دون تغطية ذهبية أحياناً، الأمر الذي انتبه إليه منافسو الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الستينيات. 

ما معنى أن يصدر الدولار دون تغطية ذهبية؟

إن إصدار الدولار دون تغطية ذهبية، يعني أنه أصبح فعلياً دولاراً (إسمياً)، أي لا يملك من القيمة حقيقةً سوى قيمة الورق المطبوع عليه، لكن يمكن الحصول مقابل قيمته الاسمية على منتج، فأدى ذلك إلى وضع الأمريكيين في موقع متميز ومتقدم بالنسبة لمنافسيهم في النظام الرأسمالي العالمي نفسه، لذلك احتج الفرنسيون ممثلين بالجنرال ديغول في أواخر الستينيات على ذلك، وطلبوا استبدال كل الدولارات الموجودة في البنوك الفرنسية بالذهب، فاضطر الأمريكيون في ذلك الحين أن يلبوا هذا الطلب لأنهم ملزمون بما وقعوه من اتفاقات دولية، ولكنهم قاموا بحل إبداعي وعلى الطريقة الهوليودية تجاه الخطوة الفرنسية، فانتقموا من ديغول وألغوا اتفاق برتن وودز عام 1972، أي فكوا ارتباط الدولار وكل العملات الأخرى عن الذهب. وحين جرى هذا الفك عن الذهب مع بقاء الدولار عملة عالمية، وخاصةً أنهم ضمنوا تسعير النفط بالدولار (النفط تحول إلى معادل عالمي للدولار أكثر من الذهب)، بدأت آلة طباعة الدولار الأمريكي بالعمل بشكل أسرع ما أدى إلى زيادة الكتلة الدولارية الورقية الموجودة في العالم، ولكن الأسواق كانت حينها قادرة على امتصاص هذه الكتلة الورقية المالي الكبيرة التي كانت تدور في الفضاء العالمي، وكانت القدرة الأمريكية العسكرية والسياسية قادرة على حماية الدولار الورقي الذي يعكس عملياً القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ولكن شيئاً فشيئاً تغير الوزن النوعي العالمي للاقتصاد الأمريكي في نهاية القرن العشرين حيث هبط حجم الناتج الأمريكي من الناتج العالمي من 30 % إلى 18 % واحتلت أوربا المكان رقم واحد في الاقتصاد العالمي بشكل فعلي، وأصبحت اقتصادات أوربا مجتمعة تشكل 27 % من الناتج العالمي. 

هل تنبه الأمريكيون إلى المشكلة قبل وقوعها؟

الاعتقاد راسخ بأن الأمريكيين تنبهوا للمشكلة باكراً، لأنهم أصدروا من الدولارات كمية تفوق حاجة السوق من الكتلة النقدية.

ما حاجة السوق من الكتلة النقدية؟

إن المعادلة بسيطة، وهي تقول إن أية كتلة نقدية في التداول يجب أن تساوي كتلة البضائع المنتجة خلال فترة محددة تقسيماً على سرعة دوران النقد خلال الفترة نفسها، وعادة ما تكون الفترة الزمنية سنة واحدة، ولنأخذ الإنتاج العالمي الذي يقدر حسب الأرقام المنشورة اليوم بـ 60 ترليون دولار، لكن طريقة الحساب تدفعنا إلى القول إن هناك حساباً مكرراً وهناك تضخيم للإنتاج العالمي وبناءً عليه فإن هذا الإنتاج قد يكون بحدود 40 ترليون، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس كل الإنتاج العالمي يتم تبادله بالدولار، وهنا لابد من القول إن نصف هذا الإنتاج يجري تبادله بالدولار، وإذا اعتبرنا أن الإنتاج العالمي الذي يخدمه الدولار هو 20 ترليون فمن الأكيد أن سرعة دوران النقد هي أعلى من واحد، وإذا كانت كذلك فإن المعادلة تحتم أن تكون كتلة النقد في التداول أقل من كتلة البضائع المنتجة خلال الفترة الزمنية المحددة، وإذا كان لدينا 20 ترليون دولار من الإنتاج الحقيقي فيجب أن يكون لدينا أقل من 20 ترليون دولار للتخديم، لكن الأرقام تقول بأنه منذ 1995 فاقت الكتلة الدولارية المطروحة للتداول 300 ترليون، والأرقام الجديدة اليوم فجرت مفاجأة هائلة حين أكدت أن الكتلة الدولارية بلغت حدود 700 ترليون، في حين يجب أن تكون الكتلة النقدية أقل من واحد أي أقل من 20 ترليون، أي لدينا 35 ضعفاً مما هو مطلوب من حجم الكتلة النقدية الدولارية الدائرة في العالم اليوم. 

كيف تفجرت الأزمة؟

لقد تبين أن حجم القيمة العقارية في أمريكا تبلغ 50 ترليون دولار وأن القروض العقارية بلغت 150 ترليون، أي أن الجهة المقرضة أعطت المقترضين أموالاً أكثر من القيمة الحقيقية التي تمثلها عقاراتهم بغية امتصاص الفائض الدولاري الموجود في السوق العالمية لمصلحة المستهلك الأمريكي مؤقتاً، لكن هذا المقترض نتيجة هبوط قيمة النقد لم يعد يستطيع تسديد القرض الذي ارتفعت فوائده مع انخفاض القدرة الشرائية الحقيقية لصاحب القرض، خاصةً وأن أجره ثابت نسبياً، فما كان من الجهات المقرضة إلا أن استولت على العقار، أي أنها بقيت بدون سيولة لأن أموالها تحولت إلى عقارات ما اضطر الكثير منها إلى إعلان الإفلاس، فقامت الحكومة الفدرالية بإعطاء هذه الجهات أموالاً لتبعد عنها شبح إعلان الإفلاس، والأموال التي ضختها الحكومة في البنوك لا تحل الأزمة بل تعقدها ما وجه أنظار الحكومة ومن ورائها المصارف إلى الأموال الحقيقية المتعلقة بسوق الإنتاج والاستهلاك، وقد وصلت الأزمة الآن إلى جيوب دافعي الضرائب، لذلك لا يوجد مخرج من الانهيار، لأن حجم الكتلة الدولارية المطروحة شهد مبالغة كبيرة. وسيتم دفع الفارق من المستوى المعاشي والاجتماعي للشعب الأمريكي. 

متى أصبح الأمر يشكل خطراً على النظام المالي العالمي؟

هذا الأمر لم يكن مكشوفاً، ولم يكن مصدراً للخطر عندما كانت عملات العالم محلية، ولكن مع ظهور العملات الإقليمية الذي بدأ عملياً في القرن 21 حين ظهر اليورو في 1/1/2002 بكامل حجمه، ومن المعروف أن أكبر مساحة كان يدور بها الدولار هي أوربا والثانية روسيا والفضاء السوفييتي السابق، حينها انكفأ الدولار عن المساحات المذكورة عند انتعاش اقتصاداتها فانكشفت كميات هائلة من الدولار تدور حول العالم وهو عامل اقتصادي نوعي عالمي، ومن جهة أخرى يبرز شيء ثان، حيث يقول اقتصاديون عالميون إن الأمريكيين استطاعوا بأدواتهم ولاسيما البورصة خرق القانون الموضوعي القائل بالتناسب بين الكتلة النقدية والكتلة السلعية بحيث استطاعوا الوصول إلى نسبة 1/25 كتلة سلعية مقابل كتلة نقدية، ونظام البورصة العالمي الذي نراه اليوم لم يكن تاريخياً بهذا الشكل، حيث تكون الشكل الحالي للبورصة عام 1995 حين حوت البورصة مبادلات تعكس حجم مضاربة واسع جداً، وكان 90 % من مبادلاتها عبارة عن مضاربات مالية، وكانت البورصة قبل ذلك 90 % مبادلات حقيقية و10 % مضاربات مالية، وهذا التحول الذي شهدته البورصة مكنها من امتصاص جزء كبير من الكتلة النقدية الدائرة حول العالم، وإذا كان الناتج العالمي 40 ترليوناً، فإن الذي يدور في البورصات هو كتلة نقدية تعادل 1.5 ترليون دولار يومياً أي حوالي 500 ترليون سنوياً، وبما أن ضخ النقد لا يوقف هذا العملية وهذا الضخ هو عملياً طريقة لإعادة توزيع الثروة لمصلحة الأغنياء والشركات الكبرى، فهذه الكتلة/الفقاعة ستنفجر عند لحظة معينة، وإذا كان الحديث منذ ستة شهور يدور حول زوال إمكانية إيقاف انفجار الفقاعة المالية بمجرد تجاوزها نسبة 1/25، فالحقيقة أنه قد تم تجاوز هذه النسبة منذ فترة، وكل ما يظهر على السطح الآن ما هو إلاّ تداعيات الانفجار، وقد كانت المؤسسات الأمريكية الرأسمالية الكبرى واعية لحجم هذا الخطر واستطاعت أن تحتوي الأزمة عبر البورصة بين 1995 و2000، وكان الخروج إلى الحرب ضد الإرهاب عام 2001 مجرد ضربة استباقية للأزمة الاقتصادية التي نرى تداعياتها اليوم. 

هل يعني ذلك أن نسبة 1/25 بدأت بالتمزق في 2001؟

نعم بالضرورة، لأنه منذ البداية يجب أن تكون كتلة النقد أقل من حجم السلع، وقد كانت النسبة قريبة أو متجاوزة لهذه النسبة، ولذلك كان الخطر جاثماً وازداد الخطر مع ظهور العملات الإقليمية التي أدت إلى كشف الكميات الفائضة من الدولار، وكان الحل هو السيطرة على كل موارد الكرة الأرضية لإنقاذ الدولار وضمان تسعير النفط بالدولار، فالسيطرة على الموارد تهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان تسعير النفط بالدولار ثم السيطرة على حجم نفط معين لضخه في شريانات الاقتصاد الأمريكي الذي أصيب بمرض عضوي، والسيطرة على النفط تساعد الأمريكيين على رفع سعره في الأسواق العالمية بما يؤدي إلى تباطؤ الأسواق المنافسة خاصةً الأوربية والصينية. 

لماذا لم تحقق الحملة العسكرية أهدافها؟

الذي حصل هو أن الحملة العسكرية كان عليها أن تحقق هدفها بالاستيلاء على مصادر النفط عام 2008 لأن الإدارة الرأسمالية كانت على يقين بأن الانفجار آت في هذا العام، لكن آجال هذه الحملة العسكرية لم تتحقق ولذلك بدأت الأزمة الاقتصادية قبل أن تحقق الحملة العسكرية أهدافها ودخل الأمريكيين في حالة لا يحسدون عليها من التخبط بين احتواء آثار الأزمة الاقتصادية وعدم إمكانيتهم حلها بالشكل العسكري الذي كانوا يريدونه سابقاً. 

في ظل نظام قائم فعلياً على التبادل البضاعي  النقدي، هل الأزمة الحالية في عمقها هي أزمة معادل سلعي، وما المخرج من أزمة المعادل؟

نعم إنها أزمة معادل حقيقية، وإذا عدنا إلى التاريخ فإن المعادل عادةً ما كان حيادياً ولم يكن سلعةً، وقد بدأ تاريخ المعادل باستخدام الملح قبل أن يتم الانتقال إلى الذهب الذي كان يلعب دور معادل أكثر من دور السلعة، إلا أن مشكلة الدولار كمعادل تكمن في أنه تحول إلى سلعة في نفسه، وأنه ليس معادلاً حيادياً لأنه مملوك من إحدى الجهات، ولذلك فقد ساهم الدولار بإعادة توزيع الثروة عالمياً وبشكل فاضح جداً، ولم يعد الدولار يملك الحق بأن يلعب دور المعادل ونحن نشهد الآن إرهاصات انتهاء دوره كمعادل، كما لا يمكن الرجوع إلى الذهب كمعادل لأن احتياطاته المنجمية شهدت تراجعاً كبيراً، ومن شروط المعادل أن يحافظ على استقرار في قيمته وقيمة الذهب تتغير باستمرار بغض النظر عن سعره. وفي غضون ذلك كان الأمريكيون يستخدمون النفط كمعادل للدولار إلا أن النفط يعتبر مادةً استراتيجية تقتضي الاستيلاء عليها بشكل كامل لإتمام العملية، والأمريكيون لم يستطيعوا فرض نفوذهم على مصادر النفط العالمية كلها وهذا سبب لهم مشكلة. ويجري اليوم حديث جدي بضرورة البحث عن معادل موضوعي وحقيقي للتبادل السلعي العالمي، وهناك اقتراحات عديدة ومنها اقتراح (ليندون لاروش) أن على الناس اختيار عملة عالمية ثابتة وإعطاءها محتوى محدداً بحيث يملكها الجميع بحسب وزنه في الاقتصاد العالمي ويجري التداول على أساسها ولا يملك أي بلد حق إصدارها بل يتولى ذلك مؤسسة دولية وفق اتفاق دولي يحافظ على شروط التبادل المتكافئ، إلا أن هذا الاقتراح في ظل التوازنات الحالية صعب التحقيق. وهناك اقتراح قدمه علماء روس بأن أحسن معادل ممكن استخدامه ويعكس قوة أي بلد هو الكيلوواط الساعي، فجميع أشكال الطاقة يمكن إرجاعها إلى الكيلوواط الساعي لاسيما وأن أسعار إنتاج الكيلوواط الساعي بمختلف أشكالها اليوم تتقارب فيما بينها بسبب أزمة النفط وبدء استخدام الطاقة الشمسية، وبذلك فإنه من الممكن حسب الروس استخدام الكيلوواط الساعي كمقياس للإنتاج وبالتالي كمعادل عالمي. 

ما هو مدلول انهيار المعادل حالياً؟

إن مدلول الانهيار عميق وبسيط في آن واحد، وإذا عدنا اليوم إلى وسائل الإعلام الغربية بعد حلول الأزمة فإن جوهر الكثير من المقالات والتحليلات يقول «ماركس يبعث حياً»، إذ أن جميع الحقائق البسيطة القديمة التي قال بها ماركس عادت الحياة لتؤكدها من جديد، حيث أكد ماركس على ضرورة إلغاء النقد كمعادل وضرورة الانتقال إلى التبادل من نقدي/بضاعي إلى بضاعي/بضاعي وبالتالي إيجاد بضاعة تكون هي معيار التبادل وليس النقد، لأن النقد قد يراوغ في عمليات التبادل ليساهم في إعادة توزيع الثروة وتمركزها، وبكلمة أخرى؛ إن أحد مؤشرات النظام الاشتراكي المتطور عند ماركس هي إلغاء دور النقد ونحن موضوعياً نسير في هذا الاتجاه، حيث نشهد أزمة معادل حقيقية لا حل لها، وصحيح أن المعادل شهد أحياناً في التاريخ بعض المراوغات لكن ليس بالصورة التي نشهدها في أيامنا هذه، فورقة المئة دولار التي تحمل قيمة 10000 عشرة آلاف سنت يكلف إنتاجها (طباعتها) 4 سنت، أي أن سنتاً واحداً يربح 2500 سنتاً، وحين قال ماركس إن الرأسمالية ترتكب جميع الجرائم حين تصل نسبة ربحها إلى 300 % لم يكن يتخيل وصول هذه النسبة إلى 250000 % مئتان وخمسين ألفاً بالمئة وهي نسبة ربح الدولار كبضاعة!! وبالتالي لم يعد الدولار يملك الحق بالبقاء معادلاً عالمياً للإنتاج البضاعي. 

ما عمق المشكلة وما الحل؟

عملية إعادة الإنتاج بالمعنى الواسع هي ثلاث حلقات؛ إنتاج ــ تبادل وتوزيع ــ واستهلاك، وبما أن الحلقة الأساسية التي يعتمد عليها النظام الرأسمالي هي حلقة التبادل فقد جرى ضخ كميات هائلة من الدولارات في المؤسسات المالية والرهن العقاري والمؤسسات غير المنتجة، فانفجرت الفقاعة في الحلقة الوسطى من عملية إعادة الإنتاج أي في التبادل، ونحن نرى الآن بداية الأزمة بشكلها المالي وهي بطريقها إلى العصب الحقيقي للاقتصاد الذي هو الإنتاج، بدأت بالرهن العقاري، وانتقلت للمصارف، وتنتقل الآن إلى شركات التأمين التي تمثل خط الوصل مع الإنتاج وتخديمه، وهي على بعد خطوة واحدة لوصولها إلى الإنتاج، وإذا انهار النظام المصرفي، مع علمنا أن الاقتصاد كلٌّ متشابك ومترابط، فكيف ستقوم المؤسسات الإنتاجية والصناعية بتخديم نفسها مالياً؟!

بالتأكيد لن تستطيع، لأن الأزمة المالية حينها ستصبح أزمة في الإنتاج وقد تصل إلى حالة كارثية. وحل الأزمة الحالية يكمن في إيقاف المصاريف العسكرية وضخ المال في القطاع الإنتاجي السلعي وتخفيض الكتلة النقدية، لكن القائمين على النظام المتهاوي يقومون بغير ذلك! فما زالت المصاريف العسكرية ضخمة ومشاريع الحرب ما تزال قائمة إلى جانب استمرار طباعة العملة والضخ المالي يتم فقط باتجاه قطاع التبادل المالي وحده! وأصبح لدينا مثال واضح على سوء إدارة الأزمة، فحين أعلنت الحكومة الأمريكية حلولها الإنقاذية واتخذت البنوك الأوربية إجراءات إنقاذية واستخدمت مليارات اليوروات لشراء كميات هائلة من الدولارات من الأسواق فتحسن وضع الدولار تجاه اليورو بحيث هبط إلى 1.41 خلال أسبوع واحد، وفي يومين فقط عاد الدولار ليصبح 1.46 تجاه اليورو. 

هل الأزمة مضادة للاستطباب؟

إنهم يعالجون العوارض متجاهلين الجذر، وبمجرد انتهاء مفعول العلاج المؤقت تعود المشكلة للتفاقم أكثر فأكثر، ومثالاً على ذلك مداواة شخص مجروح وجرحه ينزف ومن الطبيعي أن يكون الحل بقطب جرحه لكن المعالجة التي يقوم بها أطباء الرأسمالية حالياً هي ضخ المزيد من الدماء! وقد وصلت الأزمة إلى نقطة خطيرة خاصةً أنهم بدؤوا يتكلمون عن نضوب الموارد باستثناء أموال دافعي الضرائب، وهذا يعني الأموال الحقيقية التي لها علاقة مباشرة بالإنتاج والاستهلاك أي أن ما سيجري هو قص مباشر للمستوى المعاشي والعمليات الإنتاجية. 

بماذا تختلف هذه الأزمة عن سابقاتها؟

صحيح أن الأزمات السابقة لم يكن حجمها إقليمياً بمعنى الكلمة لأنها كانت تنتشر إلى حد ما، إلا أن مركزها كان دائماً إقليمياً، أما الأزمة الحالية فلا يمكن القول أبداً إن مركز الأزمة إقليمي بل هي اليوم عملياً أزمة عالمية، إذ سرعان ما امتدت الأزمة لتطال الاقتصاد الأوربي والآسيوي ثم الخليجي..الخ، ومن هنا فتفاعل الأزمة يمكن تسميته بالتفاعل الشلالي (الدومينو). 

هل من حل للأزمة الحالية؟

لا يوجد اعتقاد بأن هناك قدرة على حلها بالمنطق الرأسمالي، لأن الحلول المطروحة هي حلول مالية، وهي غير مجدية لحل الأزمة والمشكلة إذاً بنيوية ذات علاقة بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه، فحجم تناقضاته وصل إلى الحد الأقصى وهذه التناقضات تمنع حل المشكلة إلاّ بتغيير الطبيعة الطفيلية الريعية النقدية لهذا النظام، وتغييرها يتطلب عملياً تغيير البنية، أي تغيير النظام نفسه. وحتى بعد ستة ِأشهر وربما سنة سيظهر أن كل الحلول التي يقومون بها لن تغير شيء من الأزمة وقد تخفضها مؤقتاً لتعود بعد ذلك أقوى مما سبق وهكذا.. وسنعيش حالة من المد والجذر في درجة ارتفاع حرارة الاقتصاد العالمي وبلحظة معينة ستصل الحرارة إلى نقطة لا يمكن العودة عنها وستشهد المنظومة الرأسمالية انهياراً شاملاً من أولها إلى آخرها.. 

هل سيأخذ هذا الانهيار شكلاً اجتماعياً/ اقتصادياً؟

بالتأكيد.. لأن هذا الانهيار ليس اقتصادياً بحتاً، لأنه عملياً حين تتخذ خطوات مالية كبيرة لتصحيح مسار قضية اقتصادية كبيرة، فإن ذلك سيؤثر اجتماعياً بشكل حتمي، خاصةً أن أموال دافعي الضرائب ستذهب لإنقاذ الشركات التي تخص عدداً معيناً من الأفراد، وهذا الموضوع بنهاية المطاف سيؤدي إلى تخفيض شديد في مستوى المعيشة في مناطق اعتاد مواطنوها على نمط استهلاكي مفرط في الرفاهية ما سيؤدي إلى هزات اجتماعية وبالتالي سياسية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً!! 

لطالما هناك خسائر أليس من الطبيعي أن يكون هناك رابحون؟

قولاً واحداً، عندما تنهار مؤسسات بعد خسائر تقدر بالتريليونات فإن هناك أحداً يربح، أي يجري تمركز أعلى لرأس المال، وإذا كنا نسمع اليوم بالمليارديرية فإننا سنسمع عما قريب بـ «الترليونيرية». 

هل فقدت القوى الرأسمالية العالمية السيطرة أم أن ما يجري حتى الآن تحت سيطرتها؟

فيما يخص موضوع الدولار وحجم الأزمة وامتدادها، لاشك أنهم فقدوا السيطرة، والكلام عن أن ما يشهده الدولار اليوم هو أحد أشكال التحكم بالأزمة ليس له تفسير واضح، فانهيار الدولار يعني خطراً كبيراً سينعكس انهياراً في مستوى المعيشة داخل الولايات المتحدة، ويمكن القول إن السلام الاجتماعي في الولايات المتحدة تحقق بسبب الدولار القوي، وإذا انهار الدولار فيبقى الحل الوحيد أمام حكام البيت الأبيض هو استخدام القبضة الأمنية لفرض الاستقرار الاجتماعي، ما يتطلب تغيير طبيعة النظام السياسي في أمريكا بالانتقال إلى نظام سياسي جديد فاشي بكل معنى الكلمة لتأمين الاستقرار الاجتماعي للطبقة الحاكمة. والدولار موضوعياً فقد قيمته ودوره العالمي ونحن نشهد اليوم ترجل الدولار عن عرشه العالمي الذي جلس عليه ستين عاماً، وترجل الدولار عن العرش له ثمن كبير في الداخل الأمريكي وفي السيطرة الكونية الأمريكية. 

ماذا عن احتمال تفتت الولايات المتحدة الأمريكية؟

عندما كانت الأزمة اقتصادية بحتة كان من الممكن حدوث انهيار اقتصادي يمكن احتواؤه إلى هذا الحد أو ذلك مع فقدان الهيمنة الأمريكية أي الحفاظ على النظام لكن بتغيير دوره العالمي، ولكن مع الخروج إلى الحرب أصبحت المعادلة تقول إنه في حال خسارتهم وعدم تحقيقهم النتائج الإستراتيجية المطلوبة من الحرب فإن الانهيار لن يعود اقتصادياً صرفاً، بل ستتعدد إحداثياته وسيصبح انهياراً اقتصادياً سياسياً اجتماعياً جغرافياً/سياسياً، وقد فقد الأمريكيون الفرصة التاريخية الوحيدة لاتقاء الانهيار الكامل بالمعنى الجغرافي ـ السياسي عندما رفضوا الخضوع لقوانين التاريخ بالبقاء بحجمهم المسموح به لهم من القوانين الموضوعية، فهل يعقل أن يكون وزنهم 18 % من الاقتصاد العالمي ويستمرون في الحصول على 40 % من الناتج لصالحهم بما يجعل وضعهم أفضل من الآخرين بأضعاف؟! 

لماذا لا يستطيع حلفاء أمريكا مساعدتها في أزمتها؟

لا يمكنهم مساعدتها، فمثل أمريكا وحلفاؤها/ منافسوها هو مثل متسلقي الجبال الذين يتسلقون جبلاً وعراً فيكون أولهم هو أقواهم ويربط فيما بينهم جميعاً حبل واحد لكي يتساعدوا عند سقوط أحدهم، والمشكلة هنا أن الأول والأقوى هو أمريكا وهي من يسقط ولابد سيتبعها من ارتبطوا معها بالحبل نفسه! فالسوق العالمية واحدة في نهاية المطاف، ويقال بأن أقل الاقتصادات تأثراً بالأزمة هي أقلها اندماجاً بالسوق الرأسمالية العالمية، فلو كان يوجد في سورية سوق للبورصة تعمل كما أسواق الخليج، لكانت سورية تدفع يومياً مليارات الليرات السورية تعويضاً للرأسمال الأمريكي الذي يخسر جراء أزمته الحالية، وعليه فتأخر البورصة السورية كان نعمة للاقتصاد السوري وهي نعمة غير مقصودة من الفريق الاقتصادي، وإذا كان الفريق الاقتصادي يسعى لتفعيل سوق البورصة السورية حالياً فقصدهم إلحاقنا بقطار الانهيار، وهذا ما لا نريده! 

ما حجم تداعيات هذه الأزمة على بلدان مثل بلداننا؟

قال أحد الاقتصاديين الهامين: إن جزر الاستقرار الوحيدة التي لن تطالها الأزمة المالية الأمريكية هي الجزر التي تحاصرها أمريكا اقتصادياً، ومثال ذلك كوبا وكوريا الشمالية وخلفهم تأتي سورية لأنها لم تندمج بعد بشكل كامل بقطار العولمة كما أراد البعض. 

ما حظوظ الحلول العسكرية للخروج من الأزمة؟

في الأزمات ذات الحجم الكبير كان الحل دائماً عبر التاريخ عسكرياً، وليس هناك سابقة شهدت فيها أزمة ما حلاً سلمياً، وإذا كان احتمال الحل السلمي موجوداً فإنه يقدر بـ 10 % وهو احتمال بعيد، لكن إذا تم اللجوء إلى حل سلمي فإن ذلك سيدل على سوء الإدارة الأمريكية لأن تأجيل الحل العسكري كون توازن القوى لا يسمح بتنفيذه فوراً سمح للأزمة بالوصول إلى الاقتصاد الصناعي ففقدت الآلة الحربية قدرتها على إنتاج الأسلحة من الأصناف والكميات الكافية والضرورية للحرب واستمراريتها الزمنية، ولا يمكن نفي هذا الاحتمال (الحل السلمي) نظرياً بشكل مطلق لكن مع ذلك فهو احتمال ضعيف ولم يكن له سابق في التاريخ.

ونهايةً، من الأكيد أننا نشهد انهياراً كبيراً شاملاً لمنظومة اقتصادية بكاملها وسنشهد في المرحلة اللاحقة إعادة تكوين للنظام الاقتصادي العالمي الجديد ضمن توازنات القوى التي يسمح بها عصر اليوم.

آخر تعديل على الثلاثاء, 29 تشرين2/نوفمبر 2016 19:05