_
ما بعد الشعيرات؟

ما بعد الشعيرات؟

كانت الضربة الصاروخية الأمريكية على مطار الشعيرات، والحملة الإعلامية الدعائية المرافقة لها، مناسبة جديدة لإشاعة أجواء الإحباط والتيئيس، والتشكيك بإمكانية الحل السياسي، وسارع البعض على هذا الأساس، إلى نعي جنيف، والقرار2254 كأداة للحل، خصوصاً مع استمرار بروباغندا السلاح الكيميائي.

 

 

إن رؤية عميقة لتطور الوضع الدولي، والأحداث المتلاحقة، تفند مثل هذه التنبؤات السوداء، وتؤكد بؤس هذه القراءات القاصرة، لا بل إن المتابع الدقيق يرى أن مجمل الحملة الأمريكية انطلقت من موقع دفاعي، هدفها استعادة  بعض المواقع التي فقدتها في سياق عملية التراجع المستمرة منذ سنوات، أليس شعار الحملة، أصلاً، استعادة هيبة أمريكا؟

ولا يغير من هذه الحقيقة، الوقاحة، والجانب الاستعراضي الذي تخلل كلمات مندوبي الدول الثلاث «الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا» في جلسة مجلس الأمن الخاصة ببحث جريمة استخدام السلاح الكيميائي في خان شيخون، فعلى الرغم من تمظهر المواقف بالصلف، والقوة، أكد الجميع على أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد، وكان ثمة إجماع على الالتزام بالقرار 2254 كمرجع للحل السياسي، ناهيك عن إعلان المبعوث الدولي وفي ذروة التصعيد، عن انعقاد جولة جديدة من مفاوضات جنيف في الشهر المقبل.   

وجاءت تقييمات الإدارة الامريكية اللاحقة لزيارة تيلرسون إلى موسكو، تأكيداً جديداً على ذلك، حيث كانت نتائج الزيارة أكثر من متوقعة، حسب تصريحات الرئيس الأمريكي نفسه، وتعهد الطرف الأمريكي للجانب الروسي، بعدم تكرار ما حدث، وتأكيد إدارة ترامب مجدداً على أولوية محاربة الإرهاب في سورية، مضافاً إلى ذلك تأكيد تركيا نفسها مجدداً على استمرار التعاون مع روسيا في مسار آستانا.

إن جملة هذه الوقائع، لا تؤكد أن خيار الحل السياسي، بات خياراً ثابتاً فقط، بل تؤكد ما هو أبعد من ذلك، وتثبت بأن عوده يشتد، ويصبح أصلب، فالوقائع تبقى عنيدة، والضرورات التي يفرضها الواقع الموضوعي، والتي يعتبر الحل السياسي أهمها على الإطلاق، هي التي تتقدم إلى الأمام، وأن من يسعى إلى العرقلة أياً كان، فإنه مضطر لاحقاً أن يدفع  المزيد من الأثمان. 

ما ينبغي التذكير به مجدداً، أن ثبات الحل السياسي يعكس ثبات حوامله، وتحديداً القوى الدولية الصاعدة، وتقدم قدراتها، السياسية والعسكرية، والإعلامية، ووزنها في الملفات الدولية جميعها، حيث أكد الهجوم المضاد «الروسي- الصيني» على الحملة المنسقة، والمنظمة لقوى الحرب في الدول الغربية وأتباعها في الإقليم، والداخل السوري، على قدرة هذا الثنائي في تفريغ أية حملة شعواء من محتواها، ولجمها، وكان تعزيز القدرات القتالية للدفاع الجوي السوري، لردع حماقات أمريكية جديدة، والمعركة الدبلوماسية في مجلس الأمن حول مشروع الترويكا الغربية، عنوانان بارزان في هذا السياق.

نؤكد مجدداً، بأن التراجع إلى الوراء في مسار الحل السياسي، هو مجرد أوهام معشعشة لا تبارح مخيلة بعض القوى، سواء كان بسبب مصالحها المباشرة والعمياء التي تتطلب استمرار نزيف الدم السوري، أو بسبب السذاجة السياسية التي ابتليت بها، وكما يبدو، ستبقى تراودهم حتى يلفظهم الحل السياسي إلى خارج الحلبة. 

 

افتتاحية جريدة قاسيون.. العدد 806..15/4/2017

آخر تعديل على السبت, 15 نيسان/أبريل 2017 11:08