_
أين يقع بيت «الزنوج» ؟

أين يقع بيت «الزنوج» ؟

يؤمن موقع الخرائط الأول في العالم من شركة «جوجل» الكثير من المعلومات اليومية لملايين المشتركين حول العالم، واستطاع أن يكون السباق في خدمات تحديد المواقع العالمية بتصميمه البسيط، وتحلق الكثير من المهتمين حوله، ومحاولة تطويره بشكل دائم، كما أصبح جزءاً من الكثير من المراجع الإخبارية على مختلف الشاشات، لكنه يتعرض هذه الأيام لنقد لاذع على مواقع التواصل الاجتماعي الأمريكية، بسبب خطأ فادح كلف الشركة مئات رسائل الاعتذار وأوقعها في حرج كبير، خطأ لا تتحمل الشركة مسؤوليته الكاملة، حتى أنه ببساطة الخطأ الفاضح لعورات مجتمع بأكمله.

 

بدأت القصة حين حاول أحد الأشخاص البحث عن كلمتي «بيت الزنجي» أو «Nigger House» ضمن موقع خرائط «جوجل»، لا يعلم أحد السبب من وراء حاجته لمثل ذك النوع من البحث «العنصري» بامتياز، ولم يهتم أحد كثيراً بذلك خاصة بعد أن انتشرت نتائج عملية البحث تلك مثل النار في الهشيم، ومن صفحة لأخرى عبر الإنترنت، لقد دلت النتيجة ببساطة على موقع «البيت الأبيض»، أي أن «الزنجي» يسكن في «البيت الأبيض»، دلت كلمات «ملك الزنوج» على ذات الموقع، «باراك أوباما» إذ أصبح ملك «الزنوج» كما تراه «جوجل»، وبدأت الاتهامات تتوالى على «جوجل» في وقت تستعر فيه البلاد بالحنق العنصري في عدة ولايات، بدا وكأن الشركة العملاقة قد صدمت أيضاً بالخبر ولم تستطع إيجاد التفسير المناسب لذلك على الفور، وأصدرت بعد ساعات قليلة بياناً مقتضباً تعتذر فيه عن أي أخطاء وتعد بحل المشكلة بأسرع وقت.


إدخال الكلمة المحرمة

توالت النتائج «المسيئة»، فأصبح البحث عن «جامعة الزنوج» يفضي إلى موقع «جامعة هاورد»، المعقل التاريخي للحركة الطلابية الجامعية، أيام النضال ضد قمع الحكومة الأمريكية للأمريكيين السود، وبدأ الجميع يجرب إدخال الكلمة المحرمة «زنجي» إلى محرك البحث ليحصل على نتائج مذهلة، ليتحول متحف «جيم كرو» في ولاية ميتشيغان المخصص لتوثيق عقود الاضطهاد العرقي الأمريكي إلى «متحف الزنوج» و أحد مجمعات «وول مارت» الاستهلاكية إلى «سوق الزنوج»، سارعت «جوجل» إلى إقفال الخدمات التي تسمع بالتعديل والتعليق على موقع الخرائط الخاص بها حتى تتمكن من حل المشكلة، ثم عاودت تفعيل الخدمات بعد إزالة معظم تلك «الإهانات» خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، لكن القصة لم تهدأ بالطبع، وأخذت تتصدر عناوين الصحف الأمريكية الكبرى وأفردت الواشنطن بوست تقريراً مفصلاً عن القضية وأخذت تتحول إلى حديث الساعة بامتياز.


دور المشتركين في التعديل

أصدرت الشركة بعد ذلك بياناً مفصلاً يشرح طبيعة المشكلة وأسبابها، وأعربت عن أسفها العميق واعتذارها الشديد لما جرى، نافية أن يكون ما حدث قد تم عن قصد، أو أنه متعلق بسياسة جديدة تتبعها، لكنها ألقت باللوم –أو العتب بالأحرى - على مستخدمي الخدمة أنفسهم حين أطلقت ذلك البيان وبينت بأنهم يتحملون مسؤولية تلك النتائج، وهذا صحيح جزئياً، حيث يوضح المتابعون لمثل تلك الخدمات دور المشتركين في التعديل على بياناتها اليومية بشكل مباشر أو غير مباشر، فالموقع يسمح بإضافة بعض المعلومات التي تتعلق بتلك المعالم الشعبية بكل حرية، كما ان عملية البحث تلك تأخذ بعين الاعتبار ما تتم كتابته على مختلف مواقع الشبكة حول ذلك المكان بغية وضع كافة المعلومات الموجودة على الانترنت أمام الباحث، أي أن تلك المعالم قد وصفت بالـ «الزنجية» -وربما بأقبح من ذلك- في أمكنة أخرى على الشبكة، فساهمت تلك المنشورات في تصنيفها أوتوماتيكياً وعبر أنظمة إلكترونية «ذكية» ضمن هذه الفئة، وكل ما فعله محرك البحث هو تفحص تلك المنشورات والدلالة على المواقع التي تحدثت عنها، بالطبع، وعدت جوجل بتعديل تلك الآلية لتصبح أكثر وعياً للإهانات العرقية ربما عن طريق إدخال عناصر بشرية كافية تستطيع تفحص مثل تلك التعليقات والاستجابة بالطريقة المناسبة.


ذراع «إلكترونية» لداعش

يبدو كل هذا مألوفاً لبعض السوريين ، فقد حملت الاحداث الأخيرة العديد من الحوادث المشابهة، يذكر البعض جيداً حين قام أحدهم بتغيير اسم مدينة «عين العرب» أو «كوباني» إلى «عين الإسلام» على موقع جوجل للخرائط أثناء هجوم التنظيمات المتشددة على المدينة منذ عدة شهور، وكأن هناك ذراعاً «إلكترونية» أخرى لتلك التنظيمات تعاونها على جبهة أخرى، وما زال المتابع قادراً على تمييز العديد من الأسماء «غير المنطقية» على الموقع وقد تم تغييرها لتوائم أجندة أحد أطراف الصراع، وبدا وكأن هناك حرباً أخرى لإعادة تسمية كل معلم على تلك الخريطة، دون أن تهتم «جوجل» كثيراً لمدى صحة كل تلك التعديلات، واكتفت بمراجعتها بشكل جزئي ليتم إدراجها خلال أيام قليلة لاحقة، أما بالنسبة للنسخة الأمريكية من هذا «اللغط» فهي طبيعية للغاية ولا تعكس سوى التناقض العميق بين الإعلام الذي لا يجرؤ بعد على لفظ كلمة «زنجي» «Nigger» على شاشة التلفاز مستبدلاً إياها بالحرف الأول فقط أو ما يسمى The N word» » وبين الملايين الذي ما زالوا مؤمنين بكل جهل وتخلف بـ«تفوق العرق الأبيض» ويملؤون الفضاء الرقمي بترهاتهم هذه من دون خجل أو حياء، فلا داعي لكل تلك الجلبة.