_
بطل (ناسا) الجديد

بطل (ناسا) الجديد

هل أنت جاهر للمشاركة في جهد علمي غير مسبوق؟ هل تود أن يخلد اسمك في كتب التاريخ؟ هل تريد ربح 29 ألف دولار أمريكي؟ الأمر بسيط للغاية.. عليك فقط أن تكتشف طريقة لوقاية رواد الفضاء من الأشعة الكونية، التي قد تصيبهم أثناء رحلتهم القادمة إلى المريخ، بعد ذلك عليك أن تتصل بوكالة ناسا الفضائية وتخبرهم عن خطتك هذه، وإن أعجبهم الأمر ستحصل على المال، أنا لا أمزح على الإطلاق، اسألهم بنفسك إن أحببت.

يبدو أن ميزانية ناسا السنوية البالغة عشرة مليارات من الدولارات لم تعد كافية، لا يعلم أحد سبب هذا الإعلان الغريب الذي أطلقته وكالة علوم الفضاء الأشهر في العالم، وقبيل البدء بتنفيذ خطة إرسال رواد فضاء للكوكب الأحمر الشهير، يبدو رقم 29 ألف دولار مضحكاً للغاية، بالمقارنة مع ما تنفقه الوكالة على «أبحاثها»، كما يستعيد الكثيرون ما قاله مدير الوكالة حول هذه الرحلة بالذات منذ بضعة شهور: «الخطة واضحة.. الخطة قابلة للتنفيذ.. هناك ما يكفي لتمويلها»، لذا تبدو هذه المسابقة مريبة للغاية، هل يعني ذلك بأن الوكالة تنتظر أن يقوم أحد الهواة بحل مشكلة بهذا الحجم؟ هل من المعقول أن يهمل العاملون على مشروع «مارس 1» أمراً بهذه الجدية بعد أربع سنين من العمل المتواصل والإنفاق الدائم؟


مليارات لاجتياح الدول

يقول الكاتب ورسام الكاريكاتور الأمريكي «تيد رال» ساخراً : «يبدو أن الحكومة الأمريكية لا تفهم قيمة دولاراتها، انظروا معي جيداً، لقد أعلنت الحكومة الأمريكية أنها تبرعت بإرسال مليون دولار لمساعدة أهالي «نيبال» بعد الزلزال المدمر الذي أصاب البلاد منذ أيام، مليون دولار! مليون دولار تبجح به المسؤولون هنا في مواجهة إحدى أكبر الكوارث الطبيعية التي تعيشها تلك المنطقة، هي الحكومة ذاتها التي تنفق المليارات كل أسبوع تجتاح بها دولاً جديدةً وتخسر المزيد من الحروب، وها هي اليوم تعجز عن تمويل مهمة استكشافية غير مسبوقة، وبهذه الحساسية بالشكل الكافي، وتتهرب من الإنفاق على تشكيل فريق من الخبراء والعلماء وفضلت الإعلان عن مسابقة تصرف في نهايتها مثل هذا المبلغ الزهيد لأحدهم، من خارج ناسا».


سيطرة المؤسسات العملاقة

نالت المسابقة نصيبها من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الكثيرون تحدثوا بجدية عن هذه القضية، وانهال الجميع باللوم على الوكالة التي كانت في مرحلة ما، السباقة إلى اكتشاف مجاهل الفضاء، لكن القليل منهم يعلم أين تنفق «ناسا» أموالها هذه الأيام، فقد تم تخفيض ميزانية أبحاث الفضاء إلى حد غير مسبوق في العقد الأخير لمصلحة صناعة الأقمار الصناعية الخاصة بشركات الاتصالات والمجمعات العسكرية الكبرى حول العالم، لم تعد أحلام «اجتياح الفضاء» واكتشاف الكواكب الجديدة تقود إدارة ناسا نحو الأمام، ولم تعد أفلام الخيال العلمي تنطبق على توجهات الوكالة المستجدة، لقد أصبحت نموذجاً جديداً لسيطرة المؤسسات العملاقة على إحدى أهم القطاعات القومية الأمريكية تفعل ما تريد من دون تلكؤ.


سخرية ممزوجة بالحسرة

سينتظر المشروع بعد الوقت لكي يطل البطل العبقري بخطته الخارقة، ولن تستطيع «ناسا» الاستغناء عن بعض المليارات لتسريع تلك العملية، يمكن للمريخ أن ينتظر أربعة سنين أخرى، هناك أمور أخرى أكثر أهمية تحقق المزيد من الأرباح، لكن الإعلانات والمسابقات ستستمر تباعاً، لتثير الخيالات وترفع من مستوى الأحلام، وربما ستحقق ثلاثون ألف دولار حلم أحد الشباب الطامحين بوظيفة مرموقة في الوكالة، لكن السخرية الممزوجة بالحسرة لن تتوقف.