_

توجيه التكنولوجيا وتحالف النفط- السيارات- المصارف

تكشف دراسة عن السيارات والآليات العاملة بالوقود الأحفوري (البنزين والديزل بشكل أساس) عن إحدى كبريات الخدع التي قامت بها الشركات، والتي نتجت عنها كوارث بيئية ألحقت أكبر الأضرار الممكنة بالمجتمع البشري. هناك ثلاثة عوامل متداخلة بعضها ببعض في هذه القصة:

بقلم: لاري رومانوف
تعريب وإعداد: عروة درويش

قتل النقل الجماعي العام.
ارتكاب مجزرة بحقّ السيارات الإلكترونية.
تصميم مدنٍ وضواحٍ تجعل من امتلاك سيارة ضرورة حياتية.

قصّة حبّ سيارات التلويث

هذه القصّة جاءت نتيجة للعوامل الثلاثة المذكورة، بدءاً من المؤامرة الكبرى للقضاء على آلات النقل الكهربائية، الأمر الذي ساعد في القضاء على النقل الجماعي العام، وأجبر الناس حول العالم على امتلاك سيارات خاصة.
تبدأ القصة مع بدايات القرن العشرين. وكما الكثير من هذه القصص، تبدأ هذه القصة في الولايات المتحدة الأمريكية. كانت الولايات المتحدة المنشغلة بالتحوّل للتصنيع، تملك وسائل نقل جماعية عامة مكونة من القطارات الكهربائية التي تلبي معظم احتياجات البلاد. وكانت السيارات تتطور بسرعة في ذات الفترة، لكنّ السيارات العاملة على الوقود الأحفوري كانت في طريقها إلى الزوال.
كانت جميع قطارات النقل العاملة داخل المدن وبين المدن تقريباً تعمل على الكهرباء، وكانت السيارات العاملة على الكهرباء تحتل الساحة بسرعة على حساب منافستها التي تعمل على الوقود الأحفوري. بحلول عام 1900، كانت قرابة 40% من السيارات الأمريكية كهربائية، وكانت شعبيتها كبيرة إلى حدّ أنّ نيويورك كان لديها أسطول من سيارات الأجرة الكهربائية.
تفوقت السيارات الكهربائية على نظيرتها العاملة على الوقود، وكان الناس يحبُّونها أكثر لكونها لا تحوي على الرائحة أو الضـجيج أو الاهتزاز الموجودة في سيارات الوقود، ولكونها لم تحتج إلى كرنك للتشغيل أو لعلبة تروس.

التحوّل غير البريء

بدا السياق وكأنّ موجة السيارات الكهربائية ستغمر المستقبل، لكن وخلال مدّة لا تتجاوز ثلاثة أعوام تغيّر هذا السياق وأصاب سيارات الكهرباء ما أصاب الديناصورات فانقرضت من على الساحة. لو لم تعانِ سيارات الكهرباء من قتلها في المهد كما حصل، يمكننا أن نتيقن بأنّه وعلى مدى 100 عام من التطوير والأبحاث المكثفة للبطاريات، كانت النتائج لتترك آثاراً إيجابية على المناخ العالمي وعلى أسلوب تطوّر وتنظيم المدن. مثال: جرّاء التمويل والتوجيه المكثف، تمكن طالب ثانوية صيني منذ عدّة أعوام من ابتكار عربة مروحية كهربائية يمكنها التنقل دون الحاجة إلى مدّ طرقات باهظة الثمن لها، وقد حصل اختراعه على جائزة عالمية.
في فترة قتل السيارات الكهربائية، كانت شركة جنرال موتورز وشركات النفط الكبرى تواجه أزمات متعددة. كانت سوق السيارات قد أشبعت بالفعل، ونمو المبيعات مُعتلّ لدرجة أنّه في عام 1921 وحده خسرت شركة جنرال موتورز أكثر من 65 مليون دولار وكانت متجهة بشكل شبه مؤكد إلى الإفلاس. وكانت عائدات شركات النفط وحصصها من الأرباح تنذر بذات المصير المأساوي. كان أمل جنرال موتورز الوحيد مع أصدقائها بأن يقضوا على منافسهم الأبرز: وسائل النقل العامة، وهي المؤامرة التي غيّرت حتّى الآن ثقافة النقل وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية. منذ مئة عام تقريباً، قامت جنرال موتوزر وجون روكفيلر وبضعة أصدقاء لهم، مستخدمين مبالغ مالية كبيرة، وكلّ ما أمكنهم من الرشاوى والإكراه والتهديد، بقتل صناعة السيارات الكهربائية الناشئة، فاتحين بذلك عهداً عالمياً مدمراً لم ينتهِ بعد من مدّ الطرقات الباهظة الكلفة إلى التصنيع المهلك للسيارات الخاصة.

التحكم بالتمويل

وفقاً لسجلات الشركة الخاصة، أنشأت جنرال موتورز قسماً سرّياً خاصاً مهمته إيجاد الوسائل للقضاء على النقل العام. كانت جنرال موتورز في ذلك الوقت شركة نافذة بشكل هائل، تملك تمويلاً كبيراً مرتبطاً بالأنظمة المصرفية التي تتحكم بدورها بتمويل شركات سكك الحديد ومشاريع البنى التحتية المشابهة.
لقد هددوا بسـحب تمويل أيّة شركة نقل تجاري تستخدم آلات كهربائية بدلاً من العاملة بالوقود. تمكَّنوا عبر التحكم بالتمويل من إجبار شركات النقل المحلية لتهجر القطارات الكهربائية، وتشتري حافلات جنرال موتورز العاملة بالوقود. وفقاً لسـجلات وزارة العدل الأمريكية، قام المدراء التنفيذيون في جنرال موتورز خاصة وبقية شركات النفط بالاتفاق مع المصارف الكبرى التي يضعون أموالهم فيها على منع التمويل عن الشركات التي تستخدم العربات الكهربائية وعرضه بسخاء على من يستبدل عرباته بأخرى تعمل بالوقود.
وفقاً لسجلات وكالة التحقيقات الفدرالية، لم يقف الأمر عند الضغط لاستبدال العربات، بل كانت الشركات المتحكمة بالتمويل ترشو المسؤولين الرسميين بمبالغ مالية كبيرة وبهدايا باهظة من السيارات الجديدة. كما أنشأت شركة جنرال موتورز وستاندرد أويل وإطارات فايرستون شركة فرعية سموها خطوط المدينة الوطنية، كانت مهامها أن تموّل حملات انتخاب مسؤولي الكونغرس ومسؤولي البلديات المحليين المؤيدين لتحويل القطارات إلى حافلات عاملة بالوقود، ثمّ تسهيل التحوّل إلى سيارات خاصة، وهؤلاء المسؤولون أنفسهم قاموا في فترة لاحقة بتمديد الضواحي البعيدة عن مراكز المدن والمفتقدة بشكل غريب لوسائل النقل العامة، والتي تعد الطرقات السريعة هي عصب حياتها التي تربطها بمراكز المدن وأماكن العمل.
ثمّ أتت الخطوة التالية: الحاجة إلى طرقات جديدة لتخديم السيارات الخاصة فيما أبعد من داخل المدن، وذلك لإتمام استبدال القطارات وسككها الأقل تكلفة والأكثر فاعلية. فمضت الشركات المستفيدة سريعاً لتشكيل مجموعات ضغط ثقيلة في كلّ من حكومات الولايات والحكومة الفدرالية، للتعامل مع نقص البنية التحتية اللازمة للسيارات. شرعت بعدها الحكومة بتنفيذ برنامج ضخم لبناء الطرق بين الولايات كفيلة بتغطية البلاد بأكملها. وكانت وزارة الدفاع من الداعمين لهذا المشروع الذي تمّ الإنفاق عليه بشكل هائل، وقد سوّغت هذا الدعم بشعار: «دعم المجهود الحربي لحماية البلاد».

تغيير التخطيط المديني

كانت المدن الكبرى في آسيا وأوروبا وأمريكا في تلك الحقبة منظمة لخدمة الناس وليس السيارات، لكنّ هذا الأمر لم يكن يخدم السعي إلى إجبار الناس على شراء سياراتهم الخاصة. فقد كانت المدن ذات كثافة سكانية مرتفعة ولا وجود فيها لفصل مصطنع بين الأماكن الحيوية لحياة البشر أي: أماكن العيش والعمل والتسوق. ويمكن حتّى اليوم رؤية شواهد على هذا النمط التنظيمي في الأحياء القديمة في المدن الكبرى في أوروبا تحديداً. لكن كان على هذا الأمر أن يتغيّر منذ ذلك الحين، وليس هناك مكان أفضل من الولايات المتحدة للبدء بتغييره وتعميم التجربة على البلدان التي باتت تبني مدنها بذات المعايير تحت الضغط والترغيب.

اخترقت صناعة السيارات والنفط والمصارف كليات الهندسة المدنية في الجامعات، وذلك عبر التمويل السخي لفلسفة تصميم المدن التي تعتبر أنّ السيارات حاجة ضرورية. وكانت النتيجة هي تعميم الابتكار الأمريكي- الكندي المدعو «بالضواحي suburbs». تمّ تخطيط الضواحي بشكل رئيس، إن لم يكن ذلك السبب الوحيد، لجعل النقل الخاص ضرورة لازمة. وهو الأمر الذي قاومه الأوروبيون والآسيويون لفترة طويلة قبل الانصياع بشكل أو بآخر لنفوذ لوبيات السيارات- النفط- المصارف، الأمر الذي يدلنا على سبب وجود أجزاء كبرى من هذه المدن بتنظيم مختلف.
كان هدف هذه الضواحي أن تبقي البشر القاطنين فيها مفصولين عن أماكن العمل وعن أماكن التسوق، بل وحتّى متناثرين لدرجة تجعل من أيّة وسيلة نقل عام غير فاعلة. الأمر الذي أجبر مئات ملايين البشر على إنفاق مئات مليارات الدولارات لاقتناء سيارات خاصة، ما زاد من استهلاك السيارات والنفط. لقد كان إنشاء الضواحي والطرقات السريعة التي تخدمها أحد أكثر المشاريع المناهضة للمجتمع والتي ابتكرتها وعممتها الرأسمالية الأمريكية.
وجدت دراسة اقتصادية أعدتها جامعتا هارفارد وبيركلي بأنّ الآثار السلبية لمثل هذا التصميم المديني تمتدّ لتجعل من الفصل بين الفقراء والأثرياء في السكن كبيراً لصالح الأثرياء دوماً. ولم تنتهِ فلسفة هذا التنظيم حتّى يومنا هذا، لنجده في الكثير من الدول النامية وحتّى الصاعدة. فإذا ما نظرنا إلى مدنٍ، مثل شنغهاي وأحياء لوجيازوي أو نيانجنغ وبلدة نيو يونيفرسيتي، لوجدنا أنّهما جذّابتان جداً لكنّ العيش فيهما مستحيل دون امتلاك سيارة خاصة.

قتل السيارات الكهربائية... مرة ثانية

بدأت حركات الدفاع عن البيئة في التسعينات تجد آذاناً مصغية لها، الأمر الذي دفع بعدد من الدول والمدن حول العالم إلى إصدار قوانين لتقليص الانبعاثات عبر تحديد كميات مسموح بها من انبعاثات السيارات أو عرض تسهيلات للسيارات الكهربائية. ومثال ذلك القانون في ولاية كاليفورنيا عام 1990 الذي فرض نسبة مبيعات 10% من السيارات التي لا تصدر انبعاثات ملوثة على مصنعي السيارات الذين يرغبون بإدخال منتجاتهم إلى المدينة. الأمر الذي دعمه 70% من السكان الذين يتنقلون مسافة تقارب 50 كلم يومياً، وقد تمّ تأمين أماكن لإعادة شحن بطاريات السيارات الكهربائية في كلّ مكان من المدينة.
لكنّ مصنعي السيارات الكبار رفضوا هذا القانون، وشكلوا مجموعة ضغط ممولة بسـخاء بدأت الطعن في القانون بدواعي أنّها «لجنة مواطنين». وقامت اللجنة التي رشت وضغطت وابتزت الكثيرين في نهاية المطاف برفع دعوى قضائية على حكومة ولاية كاليفورنيا أجبرتها على سحب القانون. وقد انضمت للشركات في هذه الدعوى الحكومة المركزية للولايات المتحدة في عهد بوش لتثبت من جديد أنّ حكومة الولايات المتحدة ليست إلّا خادماً لمصالح الشركات على حساب الناس.
وفي أماكن أخرى عمد صانعو السيارات إلى الاحتيال في مؤشرات وفاحصات التلوث، مثلما فعلت شركة فولكس فاغن التي تمّ اكتشاف فضيحتها في عام 2015، وحكم عليها بغرامة مالية تدعوها الشركات عادة «ضرراً جانبياً» في إشارة للفرق بين ما تجنيه من أرباح بسبب الغش وما تدفعه من غرامات عند اكتشافها.

حبس العلم

تعمد شركات صناعة السيارات بشكل اعتيادي إلى شراء ابتكارات بطاريات السيارات الكهربائية وتسجيلها كبراءات اختراع وحبسها في الأدراج المغلقة للشركات. ومن أبرز الأمثلة تكنولوجيا «NiMH» التي تسمح للبطارية الكهربائية بالعمل لمسافة 400 إلى 500 كلم، ما ينقل الآليات الكهربائية إلى مستوى لا منافس لها فيها. قامت شركة جنرال موتورز على الفور بشراء براءة اختراع هذه التكنولوجيا وخبأتها في أدراجها، ورفضت منح أيّة رخصة لأيّة شركة لإنتاج هذه البطاريات. قامت جنرال موتورز في وقت لاحق ببيع براءات الاختراع هذه لشركة تكساكو- شيفرون للنفط التي ترفض حتى يومنا هذا منح أحدٍ الحق بالحصول على هذه التكنولوجيا.
إنّ بطارية تكنولوجيا «NiMH» هي أفضل تكنولوجيا متاحة لبطاريات السيارات، لكنّ منعها واحتكارها يجبران صانعي السيارات الكهربائية على استخدام تكنولوجيا الليثيوم التي تكلّف أكثر بستة أضعاف، ولا قيمة لبطارياتها عند إعادة تدويرها. ولم تتوقف شركات السيارات حتى اليوم عن هذه الأفعال، فشركة جنرال موتورز قامت في أواخر 2018 بتقليص ميزانية أبحاث سيارات فولت الهجينة على حساب إنتاج المزيد من سيارات الدفع الرباعي المستهلكة للوقود بشكل كبير.

الكذب بطريقة أخرى

دعمت صناعة السيارات منذ التسعينات كذبة إعلامية ذات ضجة مفادها أنّ الهيدروجين هو البديل عن الوقود. لكن حتّى إذا افترضنا بأنّ تطوير الأمان والتحول السلس إلى خلايا الهيدروجين أمرٌ قابل للحياة، فالمصدر الحقيقي للهيدروجين بكميات مفيدة ليشكَّل وقوداً هو في البترول، أو لنكون دقيقين: في غاز الميثان الطبيعي. ولأنّ شركات النفط تريد الاستمرار في السيطرة على مصادر الطاقة اللازمة لسير المركبات والسيارات إلى ما لا نهاية، فهي تدعم أجندة التحول للهيدروجين، وهو ما يدفعهم لمحاولة قتل مشاريع السيارات الكهربائية بأقصى ما يملكون.
مع العلم بأنّ انبعاثات الهيدروجين الصادر عن الميثان هي أكثر ضرراً بالبيئة من الوقود التقليدي، فعملية استخلاص الهيدروجين تطلق ثاني أكسيد كربون بحوالي ضعف الوقود التقليدي، كما أنّه أقلّ فاعلية من البطاريات الكهربائية، حيث ستحتاج سيارة الهيدروجين لإعادة ملء خزانها ضعف إعادة شحن بطارية الكهرباء.
إنّ ثقافة السيارات اليوم ما هي إلّا ثقافة دفع الأثرياء ثمن تعميمها علينا نحن المستهلكين.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
945
آخر تعديل على الإثنين, 23 كانون1/ديسمبر 2019 13:38
(0 أصوات)