_
ترجمة : ديمة النجار ترجمة : ديمة النجار

رأسمالية المحسوبيات تحت ستار عملية «السلام»

تم الإعلان عن المنتدى الاقتصادي الدولي الأخير الذي انعقد في عمان-الأردن بوصفه لحظة بارزة  لإدارة أوباما التي تهدف إلى إنعاش عملية السلام التي تقودها الولايات المتحدة والتي دخلت في حالة غيبوبة

، فقد أعلنت وسائل التلفزة العالمية في عناوينها نقلاً عن الرئيس أوباما قبل المؤتمر بأيام بأن جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية سيتولى مهمة رفع المعنويات التي كانت قد منيت بالخيبة حول إمكانية حل الدولتين.
كيري و«تحطيم الطريق المسدود»؟!
التقى جون كيري، وبعيد وصوله،  باثنين من«المليارديرية» والذين طالبوا بأن يكون لهم دور قيادي في قضية السلام، هما البارون «الإسرائيلي» المشتغل في مجال التكنولوجيا العليا، يوسي فاردي، والفلسطيني منيب المصري الذي يعرف بـ«دوق نابلس» اللقب الذي نسب إليه لامتلاكه قصر إيطالي الطراز يتربع على قمة هضبة مطلاً على الفقر المدقع الذي يضرب بكل قسوته مخيم بلاطة للّاجئين!
وفي ختام المؤتمر وقف وزير خارجية الولايات المتحدة ليعد من على المنصة الجمهور المنتشي بـ«خطة للاقتصاد الفلسطيني أكبر وأكثر جرأة و قدرة على بعث الأمل من كل ما سبق» في العقدين الأخيرين.
وفي خطاب مترع بالتفاؤل، قدم كيري مبادرة طموحة تعد بتغيير كل الظروف المحيطة، سماها «تحطيم الطريق المسدود»، وادّعى كيري بأن خطته ستسمح بزيادة السياحة في المناطق الفلسطينية المحتلة ثلاثة أضعاف، ومضاعفة الإنتاج الزراعي ضعفين أو ثلاثة أضعاف، مما سيزيد الدخل القومي الفلسطيني GDP  بمقدار 50% ، وتُشجع بناء 100 ألف بيت فلسطيني جديد في الضفة الغربية!!
وتكلم كيري بحماس عن فريق الأحلام من «الخبراء» الذي يفترض جمعهم لإنجاز هذا المشروع. داحراً مزاعم الرافضين بقوله :«هل يظنون أنها خطة وهمية؟! لا اعتقد ذلك، إذ يوجد مسبقاً العديد من الأمثلة حول الاستثمارات والمقاولين الذين عملوا في الضفة الغربية. نعلم بأن هذا ممكن التحقيق، لكننا لم نحاول من قبل تركيز الجهود بهذا الشكل الذي اقترحته هذه المجموعة ليناقش على طاولة المباحثات».
وما أن ترك المنصة، سارع كيري إلى اجتماع جمعه بـ«تيم كولينز» وهو أحد المحسنين و أعلى الجهات المانحة لدعم الديمقراطيات وهو يدير شركة للاستحواذ بالاستدانة تدعى Ripplewood  القابضة.
المبادرة الوهمية
وبعد أيام من هذه اللقاءات لم يعرف سوى القليل عن مشروع «تحطيم الطريق المسدود»، فبماذا تختلف هذه الخطة عن الخطة الاقتصادية الإنقاذية للسلطة الفلسطينية التي طرحها جورج بوش الابن في المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2008، هذا ما لن يحزره أحد؟! ولم يكشف عن أسماء فريق الأحلام الاقتصادية الذي روج له كيري، كما لم يستطع أي مراسل أن يحصل على تفصيل واحد محدد بخصوص هذه الخطة.
تقريباً كل ما هو معروف هو أن طوني بلير، المبعوث الخاص للجنة الرباعية المعنية بالتسوية في الشرق الأوسط وحل النزاع الفلسطيني –«الإسرائيلي»، هو المكلف بالإشراف على هذه المبادرة. وحتى القلة من الصحفيين الموجودين في القدس أو رام الله لم يتمكنوا من الحصول على أي تفاصيل أيضاً. لم يكن هنالك إلا جواب واحد أخبروني إياه بأن هذه المعلومات تحجب من أشخاص تابعين لبلير وكيري. وفي الـ26 من أيار نشر تصريح صحفي على موقع ممثل اللجنة الرباعية يشير إلى أن التفاصيل عادة لا تتوافر على الفور، منوهاً أن اللجنة الرباعية «ستوفر المزيد من التفاصيل عن الخيارات المحتملة للاستثمار وخلق فرص العمل والنمو الاقتصادي في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية في الوقت المناسب».
وبالعودة إلى تصريحات بلير في العام 2011 كان قد أكد وقتئذ بأن «الوقت بات قصيراً» ولابد من التوصل إلى السلام في الشرق الأوسط. وفي نيسان من هذا العام، أعلن كيري بأن «نافذة الأمل المفتوحة على التوصل إلى حل الدولتين تغلق الآن، أعتقد أن لدينا بعض الوقت هذه السنة» وحذر بالقول «من سنة ونصف إلى عامين وإلا ستكون النهاية».
فإذا كان الوضع ملحاً إلى هذه الدرجة، لماذا كان مكتب بلير غير قادر على تقديم أي شيء سوى الوعود المبهمة، التي لولاها كان سيكون لدينا الوقت لننكب على العمل على الخطة «في الوقت المناسب؟» ولماذا كان كيري غير مستعد لمناقشة تفاصيل الخطة التي وصفت بأنها من المحتمل أن تغير قواعد اللعبة؟
 من المحتمل أن يكون إعلان كيري مجرد بالون اختبار أطلقه واضعو المبادرة قبل اتخاذ قرار بطرح المخطط الرسمي، وهناك أيضا احتمال قوي بأن خطة كبيرة وجريئة كهذه كانت مجرد خيال، بعد كل هذه الضجة التي أثيرت حولها. وسواء أكانت الخطة لن تنفذ أو ببساطة غير موجودة أصلاً، فإن الأمر الآن في أيدي بلير، وهو الرجل الذي لديه حجم من الصلات تمكنه من القيام بها.
شركاء بلير التجاريون
في اليوم الذي استقال فيه طوني بلير من منصب رئيس وزراء بريطانيا، تولى مهمة مبعوث اللجنة الرباعية الرسمي، لكن الأمور التي أزعجت بلير كمبعوث رسمي للرباعية سمحت له مع ذلك بالبقاء تحت الأضواء عالمياً، حيث صورته على هيئة من يخوض غمار صفقات دؤوبة في صراع يبدو مستعصياً مع أفضل النوايا التي يحملها للأطراف. بينما يدعي بأن بعض الاختراقات الملحوظة على أرض الواقع في فلسطين تعود إليه، فقد أنشأ بلير امبراطورية تجارية واسعة، وبنوك تقديم المشورة، شركات، ومنذ عام 2007، ربح بلير وشركاته ما يفوق الـ90 مليون دولار، وهو دليل واضح على الكيفية التي يدير طوني بلير مبعوث الرباعية شركاته.
في العام 2008، أخذ طوني بلير على عاتقه مواقف استشارية لمصلحة شركة جي بي مورغان بقيمة حوالي 2 مليون دولار سنوياً، وربما بقيمة تفوق ذلك. مثلاً بالعودة إلى فلسطين المحتلة، لقد نسب طوني بلير إلى نفسه أنه أقنع «الإدارة الإسرائيلية» بفتح ترددات الراديو للسماح لشركة الاتصالات الفلسطينية «الوطنية» بتوفير خدمة الاتصالات في الضفة الغربية. وقد جنت هذه الصفقة أرباحاً غير متوقعة لشركة مورغان التي يعمل بلير لمصلحتها والتي كانت قد قدمت قرضاً لشركة «الوطنية» للاتصالات بمقدار 2 بليون دولار لتأسيس هذه الشركة. في الواقع كانت شركة «الوطنية» ملكاً للشركة الوطنية القطرية للاتصالات المسماة «كيوتل QTEL » العملاقة، والتي تعتبر واحدة من أكبر عملاء جي بي مورغان. وذكر تفاصيل حول الموضوع على القناة الرابعة البريطانية في وثائقي بعنوان «العالم الرائع لطوني بلير» تناول الصفقات المربحة التي تمثل الرأسمالية الحميمة عليه بأوقح أشكالها.
نهب الغاز الفلسطيني
في غزة، وفي الوقت نفسه، دفع بلير إلى السماح بتطوير استثمار حقل ضخم للغاز الطبيعي، يقع داخل المياه الإقليمية لغزة،  كان قد اكتشف من شركة بريتيش غاز البريطانية، وهي عميل آخر من جي بي مورغان، فعمل بلير على تحقيق أرباح ضخمة جديدة لصاحب العمل الذي يشتغل لحسابه يتم تحقيقها في حال تم تطوير واستثمارالحقل بالكامل. وكان بلير قد منع  بريتيش غاز البريطانية من بيع الغاز المستخرج من غزة إلى مصر، طالباً من الشركة بيعها لـ«إسرائيل» عوضاً عن ذلك.
وكثيراً ما وردت تقارير تقول بأن بلير يعتزم توجيه أرباح غاز غزة إلى حساب دولي  يسيطر عليه عباس، متحايلاً على سلطات حماس في غزة وفي محاولة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين «إسرائيل» والسلطة الفلسطينية. ونظراً لسجل «إسرائيل» الطويل في حجب الإيرادات عن السلطة الفلسطينية، و بسوء نية، فيبدو أنه من غير المرجح بأن الكثير من أرباح الغاز سيكون يوماً في أيدي الفلسطينيين. وإذا حدث ذلك، ووصلت أرباح إلى أيدي الفلسطينيين فإنها تنتهي فقط إلى الدائرة الصغيرة من الأوليغارشية التي تسيطر بشكل متزايد على الاقتصاد الفلسطيني.
إن سجل بلير المليء بالشكوك المتتالية حوله وبالصفقات يدفع إلى تساؤلات جدية حول خطة «تحطيم الطريق المسدود» لدرجة الشك بأنها خطة موجودة أصلاً. هل هذه الصفقة مجرد صندوق وهمي لبلير وشركائه التجاريين؟! وهل سيكون للمدراء التنفيذيين في جي بي مورغان كالشركة الوطنية للاتصالات نصيب فيها؟! وماذا عن آل ثاني العائلة الحاكمة القطرية، التي تملك الشركة الوطنية للاتصالات والتي تعتبر أكبر المستثمرين في باديكو، والتي تترأس شركة قابضة للاستثمار الخاص عن طريق صديق بلير الملياردير منيب المصري؟ وأي دور سيلعبه تيم كولينز؟....
على الرغم من صعوبة الإحاطة بالتفاصيل، من الصعب التصور بأن أي خطة يشرف عليها بلير وشركاؤه ستجلب الكثير من الإغاثة للفلسطينيين العاديين الذين يتعرضون لهذا المزيج السام من الاحتلال العسكري والتجارب النيوليبرالية معاً.
Globalresearch.ca

(0 أصوات)