_
التهام الحقوق.. يمنع الاستقرار (2)
هاشم اليعقوبي هاشم اليعقوبي

التهام الحقوق.. يمنع الاستقرار (2)

لا يمكن تحميل العمال مسؤولية عدم استقرار العمالة في مختلف القطاعات بأي شكل من الأشكال، كونهم لا يملكون عوامل التحكم بهذه العملية، سواء كانت عواملها موضوعية أو ذاتية، وبالتالي فإن مواجهة هذه الظاهرة وإيجاد الحلول لها تتركز بأيدي الحكومة وأرباب العمل، وهذا بالطبع إن تمت معالجته سيصب في مصلحة الإنتاج والعمل والعمال، وإن كنا أضأنا على مشكلة التنقل المستمر للعمالة ضمن القطاع الواحد، يبدو من المفيد إتمام ما بدأناه، والإضاءة على ظاهرة التحرك المستمر لعشرات آلاف الأيدي العاملة بين القطاعات كافة.

شهد سوق العمل خلال سني الأزمة تغيراتٍ متلاحقةً، ومن كل شكل ونوع، وبفعل عوامل كثيرة ومختلفة، لا يمكن حصرها في سطور قليلة، ويبقى أبرزها: الإصرار الحكومي على المضي بالسياسات الاقتصادية الليبرالية حتى في إدارتها للأزمة، رغم أنها كانت سبباً أساساً بحد ذاتها في الوصول للأزمة وتطورها اللاحق، هذه السياسات الاقتصادية والمالية التي جعلت من معادلة الأجور والأرباح مختلة بشكل كبير وفاضح لصالح أصحاب الأجور، ليقبع كل العاملين بأجر تحت أثقال هذا الخلل ويتحملوا نتائجه الكارثية، وأصبح تأمين قوت اليوم وأجرة البيت أو الغرفة الهدف الأسمى والأصعب، فكان من الطبيعي أن تتغير آلية التعاطي مع العمل كمفهوم عامّ ومع الحاجة الملحة بشكل خاص، من هنا بدأت القطاعات تشهد تحركاً مستمراً في أوساط الأيدي العاملة بين وافد جديد وآخر مغادر، فأخذنا نشاهد نقصاً حاداً بالأيدي العاملة المهنية في قطاع ما يؤدي إلى ارتفاع أجور العمال فيه، وفائضاً كبيراً في قطاع آخر يؤدي إلى انخفاض حادٍ بالأجور للعاملين به، ضمن معادلة العرض والطلب، لينتج ذلك تحركاً جديداً للعمالة الباحثة عن الأجر الأعلى الذي من شأنه أن يقلل الفارق الكبير بين الدخل من جهة والمصروف من جهة أخرى، مما أثر بشدة على استقرار العمالة في كل القطاعات، ويمكن رصد مثل هذه الظاهرة حين ارتفع الطلب على عمال الخياطة، وزادت أجور العاملين فيها، فأصبحت مقصداً إلزامياً للباحثين عن الأجر الأعلى والقادمين من مختلف القطاعات وجموع البطالة، ومع اكتفاء المعامل والورش من الأيدي العاملة، وتَشكُّلِ فائض منهم، تراجعت الأجور والحوافز وساعات العمل الإضافي، وفقد القطاع ميزته الجاذب لتبدأ موجات من العمالة المغادرة تبحث عن رزق أجدى.

الهروب من البطالة

تعتبر الأزمات التي هزت قطاعات بأكملها وتسببت بتراجع الإنتاج أو التوقف سبباً آخر لعدم استقرار الأيدي العاملة في قطاع واحد، هروباً من البطالة أو من العمل الموسمي أيضاً، فمن البدهي أن ترى العامل المهني المتخصص بالنجارة مثلاً يتحول إلى عامل إنتاج في معمل تعبئة المتة، وعمال سكب المعادن (كراسين) على طاولات المطاعم والمقاهي، أو عمال إنتاج في معمل مواد التنظيف وخلافه، فالكثير من المنشآت التي توقفت يتجاوز عدد عمالها الألف والألفين، سيبحثون عن عمل في قطاع أقل تضرراً وأكثر شواغراً، خاصةً في ظل تهرب أرباب العمل من دفع المستحقات وعدم فاعلية المحاكم العمالية التي تشرف عليها الحكومة عبر وزارة العمل، ومع تراجع ظاهرة تنقل الأيدي العاملة بين القطاعات خلال الآونة الأخيرة إلّا أنها ما زالت موجودة بفعل استمرار عوامل وجودها كعدم استقرار الإنتاج وضعف الدعم الحكومي للزراعة والصناعة وتوسع القطاع الخدمي على حساب الإنتاجي، ولا يمكن إغفال سلبيات ونتائج ذلك على الإنتاج والعمال، بل وعلى الاقتصاد الوطني ككل، فاستقرار العمالة في القطاعات الإنتاجية والصناعية خصوصاً يراكم الخبرة الضرورية لليد العاملة، وتصنّف بأنها أهم عناصر الاقتصاد السليم، ويكفي البلاد ما خسرته من الأيدي العاملة المهنية والخبيرة والكفؤة ومن الصف الأول خلال السنوات الماضية.

العمال رأس مال الوطن!

تحتاج دراسة سوق العمل إلى مراكز أبحاث ودراسات متخصصة تستطيع الرصد الدوري والإحصاء النوعي للخروج بمعطيات ونتائج تكون منطلق فهم واعٍ لسوق العمل، ولجهود نقابية وإعلامية متكاملة فيما بينها، وهي غير متوفرة بالشكل الكافي والمناسب، إلّا أن ذلك لا يعني إهمال الظواهر البارزة وترك الخوض فيها، خاصة تلك القوى المعنية بمصالح الطبقة العاملة وحقوقها. وبالتالي، الحريصة على الاقتصاد الوطني، فمثلاً: إن ظاهرة عدم العمالة في موقع عمل واحد لمدة طويلة جعلنا نبحث عن الأسباب من واقع العمال ذاته، ويفتح بدوره على قضايا كبيرة أخرى، كموضوعة توطين العمالة، وأهمية المدن الصناعية الكبرى والتعليم المهني والمواصلات العامة ودعم الإنتاج الوطني وضمان حق العامل في تسجيله بالتأمينات.. وإلخ، من القضايا والنقاط، وعزز المبدأ المتمثل بأن رأس مال هذا الوطن واقتصاده سيبقى دائماً كما كان، اليد العاملة والكادحة الحائزة على كامل حقوقها، والضامنة لمصالحها الطبقية المتطابقة بالكامل مع مصلحة الوط

معلومات إضافية

العدد رقم:
920
آخر تعديل على الإثنين, 08 تموز/يوليو 2019 14:54