_
«لفياتان»: عن تنين يلتهم السعادة والسكينة
إبراهيم العريس إبراهيم العريس

«لفياتان»: عن تنين يلتهم السعادة والسكينة

خذ امرأة ورجلاً. اجعله أكبر سناً منها بشكل واضح. اجعل له ابناً مراهقاً من زواج سابق. اختر لعيش هؤلاء الثلاثة بيتاً عائلياً قديماً يقع في منطقة نائية جداً. مثلاً إلى الشمال الغربي من العاصمة قرب بحر يهجع في وحدة مدهشة.

ولما كان لا بد من إعالة العائلة فليكن الرجل ميكانيكي سيارات يعيش في ذلك المكان البعيد مع اسرته الصغيرة بما يخيّل اليه وإلينا انه اقصى درجات الدعة والهدوء... فما الذي يمكنك فعله بهذه العناصر؟ أي موضوع يمكنك ان تركّب؟ وأية علاقات يمكنك ان تبني وسط هذا العالم المنعزل؟ في الحقيقة يمكن ان تكون هناك مئات الاحتمالات وأنماط لا تعدّ من العلاقات وكمّ من المواضيع جرّبه كثر من السينمائيين في بلدان عديدة وسينمات شديدة التنوع من بوليسية الى اجتماعية الى رومانسية الى كوميدية.

لكن الروســــي اندريه زفياغنتسيف خاض تجربة مختلفة. مزج كل هذه العناصر ليقـــدم في نهاية الأمر فيلماً سنـــقول فـــوراً إنه فيلم سياسي. لكنه ليس سياسياً بالمعنى التبسيطي المتعارف عليه، ولا سياسياً بالمعنى المباشر الذي اعتدنا عليه. هو بالأحرى فيلم عن «الدولـــة» حين تكون وفق تحليل الفيلسوف الإنكلـــيزي تـــوماس هوبس تنيناً حاضراً لا مهرب منه حتى وإن كان سيبدو للحظة أن له شكل هيكل عظمي ماثلاً منذ زمن بعيد قد لا يتحرك لكنه هناك في انتظار ان يتحـــول الى ذلك الجسد الضخم المفترس الذي بعدما تكون وظيفته خدمة المواطن - هوبس - يصبح السؤال: ولكن اي مواطن وما هو تعريف المواطن؟ - توكفيل -.

مهما يكن من أمر لا يعتقدنّ أحد هنا ان فيلم «ليفياتان» الروسي الذي فاز في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان» السينمائي بجائزة أفضل سيناريو، فيلم نظري عن أفكار هوبس وتوكفيل حول الدولة والمواطن. على الإطلاق. بل نحن هنا أمام فيلم روائي يدنو - كما في أفلام زفياغنتسيف القليلة الأخرى - من مشكلة العائلة والعلاقة بين الأجيال. ولكن ما العمــل وعمدة القرية التي يعيش فيها بطل الفيلم، كوليا، وزوجته الشابة الجميلة، ليليا وابنه المراهق روما، يريد الآن ان يستملك بأبخس سعر، بيت كوليا العائلي القديم الذي كان جد هذا الأخير قد بناه على ساحل بحر بيرينتس في أقصى الشمال الغربي الروسي غير بعيد من حدود فنلندا؟ 

إن رغبة العمدة في استملاك البيت وتحويل المنطقة الى مشروع سياحي يتماشى مع العولمة الجديدة.... هي هنا ما يحوّل عمل المخرج إلى عمل سياسي وإلى تأمل في التنين، في تلك السلطة الدولتية التي نخطئ أول الأمر فنخالها ذلك الهيكل العظمي البحري الساكن الساكت طوال الفيلم في رقدته على حافة البحر، لنجده يطل علينا في المشهد الأخير على شكل بلدوزر ينصرف بكل قوة وجبروت الى تدمير البيت موضع الخلاف. في مشهد رائع فصيح لا يقول لنا إلا ان كوليا خسر معركته. وإلا ان كوليا ما كان يمكنه إلا ان يخسر معركته.

لكنه سيخسر في طريقه معارك عديدة أخرى: سينفجر الصراع مع ابنه. وستقتل زوجــــته. وصديقه المحامي الذي استدعاه من العاصمة محملاً بكل أنواع الملفات والتهديدات للعمدة، سينكش مجيئه رغبـــة فـــي الاستحواذ على الزوجة الشابة التي يبدو انها كانت على علاقة معه في الماضـــي... وكل هذا سيكون جبل الجليد الحقيقي الذي ندرك ان رغبة العمدة في الاستحواذ على البيت لن تكن سوى قمته.

هذا هو بشكل تبسيطي بعض الشيء محور هذا الفيلم او محاوره المتشابكة بالأحرى. غير اننا ايضاً هنا امام فيلم فيه قدر كبير من الكوميديا السوداء. وهذه تتجلى في مقطع من الفيلم يروح فيه كوليا وأسرته والمحامي وبعض الأصدقاء والجيران في رحلة صيد وشرب دافقة - وبخاصة شرب على الطريقة الروسية -. وهنا يصطحب واحد من الجيران وهو عسكري سابق رشاشه الكلاشنيكوف من أجل مباراة تخاض للتصويب على أهداف. أما الأهداف فهي صور زعماء البلاد السابقين...

غير اننـــا سنعرف منذ البداية ان العمدة لا محالة سوف يحصل على البيت. وليس فقط لأن الدولة/التنين في صفه وحتى في زمـــن بوتين - صور بوتين معلقة في الدوائر الرسمية تأكيداً لتاريخية الفيلم -، بل كذلك لأن «التقدم» في صفه، فالزمن لم يعد زمن رومانسية البيوت العتيقة. وكذلك لأن رأس الكنيسة في صفه - وهو أمر يتجلى في اثنين من أجمـــل مشاهد الفيلم-. من جديد نحن أمام ثالوث السلطة والمال والكنيسة، فكيف سيمكن لكوليا المسكين ان يقاوم؟ كوليا الذي منذ اول الفيلم الى آخره نعرف تماماً انه في سبيله الى ان يكون خاسراً... فأمام الواقع لا يكون ثمة اي مجال للأحلام.

وهذه حقيقة لا يبدل منها شيئاً ان يكون زفياغنتسيف اختار تصوير فيلمه، بالشاشة العريضة جداً، على غرار ما يفعل مايك لي في بعض اجمل مشاهد «مستر ترنر» أو نوري بلجي جيلان في معظم مشاهد «سبات شتوي»، تماماً كما ان خسارة كوليا لزوجته مرتين على الأقل: مرة أولى حين استعادت علاقتها مع ديمتري المحامي، على حساب علاقتها الزوجية، ومرة ثانية حين قُتلت، لم يمنعها جمال المرأة والحياة الهنيئة التي كان كوليا يوفرها لها. فهناك دائماً تنين (لفياتان) ينتظر الدعة والسعادة ليلتهمهما، في لحظة ما. وما فيلم «لفياتان» سوى حديث عن ذلك التنين في تلك اللحظة. عن استحالة السعادة...وهو يكون في هذا المعنى واحداً من أكثر الأفلام سوداوية وجمالاً وواقعية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة. وهو، كذلك في هذا المعنى، فيلم يمكن اعتباره وريثاً شرعياً لسينما اندريه تاركوفسكي.