_
أمبرتو إيكو يكشف آلياته في الكتابة الروائية
علي الراعي علي الراعي

أمبرتو إيكو يكشف آلياته في الكتابة الروائية

لاشك في أن المشهد الروائي العالمي، لا يكتمل إذا لم تكن رواية «اسم الوردة» للروائي الإيطالي أمبرتو إيكو، والتي يعدّها النقاد من أهم أيقونات هذا المشهد، و.. رغم أن إيكو لم يكتب الرواية قبل سن الخمسين، غير أنه قضى ما يُقارب الثلاثين سنة رحالاً في شعاب البحث السيميائي، من هنا ثمة من يعده أنه جاء إلى الرواية مثخناً بجراح السيميائيات، وبجراح عمر يجري من دون توقف، فكانت رواياته مزيجاً من التأمل الصوفي، والرؤية الحكائية الطويلة النفس، والرصد الاستكشافي لحياة العلامات..

و«اسم الوردة» التي كانت النتاج الأول لهذا الروائي، كانت صدرت عام 1980، ونالت شهرة فاقت التصور، وبعدها تتالت إصداراته الروائية، فكتب سنة 1988 روايته الثانية «بندول فوكو» ثم كانت روايته الثالثة عام 1994 «جزيرة اليوم السابق» فيما كانت رابعته الروائية «باودولينو» سنة2002، ليعاود التجربة في رواية خامسة هي «شعلة الملكة لونا الغامضة» غير أن «اسم الوردة» تبقى الرواية التي أخذت الحيّز الأكبر من النقاش، والسجال، و..النقد، لدرجة أغوت صاحبها لأن يخصها هو نفسه بمجموعة من النصوص، أصدرها في كتاب «آليات الكتابة السردية» الذي نقله إلى العربية سعيد بنكراد، وصدر مؤخراً عن دار الحوار في اللاذقية..
التجربة النبع الثر
في «آليات الكتابة السردية» يعد أمبرتو إيكو أن ما هو أساسي بالنسبة لنصوصه، يعود إلى التجربة ذاتها، لا إلى مادة الروايات، ومضامينها، وتأويلاتها المستحيلة والممكنة، فهو يكتفي بسرد السيرورة أي تقديم تأمل خاص في بناء الرواية.
في «آليات الكتابة السردية» سيدرك القارئ أن الإبداع الروائي جهد وعناء وبحث في ذاكرة النصوص السابقة وتجاوز لها، فهو يعد الرواية «واقعة كوسمولوجية» فما يهم هو تشييد العالم، أما الكلمات ستأتي فيما بعد فالأساسي هو ليس الكلمات ولكن كيفية بناء العالم وتأثيثه وهنا تجب الإشارة إلى أن الرواية لا تستند إلى حالات السرد العفوي، وإنما هي صنعة. وإيكو وهو يحكي سيرورته لا يتوقف عند تأويل أو تفسير حدث ما، لكنه يومئ إلى ما يقف خلف هذا الحدث ويحيط به ويبرره ويمنحه معنى، فالكتابة تحول المعرفة إلى احتفال دائم، وتجعل من العرضي والزائل لحظة خالدة في التاريخ الإنساني.
العنوان والمعنى
في القسم الأول من الكتاب «حاشية على اسم الوردة» يتحدث إيكو عن عدة أمور أساسية من أهمها العنوان والمعنى: حيث يأسف أن المعنى أصبح بشكل من الأشكال أحد المفاتيح التأويلية، ومن الصعب في أوقات كثيرة الهرب من إيحاءات العناوين لذا حين اختار عنواناً لروايته «اسم الوردة» عمل جاهداً على الإفلات من أي تأويل ممكن من قبل القارئ، وحتى عندما يكون بمقدوره الإمساك بقراءة ما، فإنه لا شك قد قام بعدد لا يحصى من الاختيارات، وجمع عدداً لا يحصى من وجهات النظر. فالعنوان في رأي إيكو يجب أن يشوش على الأفكار لا أن يحولها إلى قوالب مسكوكة.
يكتشف إيكو أن الرواية لا علاقة لها في البداية بالكلمات، وكتابة رواية أمرما، يعود إلى «الكوسمولوجيا» تماماً كما هو الأمر مع القصة التي يرويها سفر التكوين. في الرواية إذا يجب أولا بناء العالم وستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات وهو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء. أما بناء العالم، ففي رأيه عمل يحتاج إلى جهد لائحة طويلة من الكتب عن الفترة التي يريد الحديث عنها: أسماء وشهادات ميلاد، ثم يحدث انتقاء. ثمة أشخاص على الكاتب أن يعرفهم وليس من الضروري أن يتعرف إليهم القارئ.
ولأن التاريخ شكل جزءاً من عالم إيكو، فهذا ما جعله يعيد قراءة الوقائع القروسطية التي شكلت متن كتاباته. وفي تأثيث عالم في رواية تاريخية ثمة عناصر يتحكم فيها المؤلف أما العناصر الأخرى فتنتمي إلى العالم الواقعي وليس صحيحاً أبداً بتقديره أن سرد أحداث الماضي هو هروب من الحاضر، فقد نتحدث عن زمن ما، لأن أحداثه استرعت انتباهنا أكثر من أحداث زمن ما، والرواية التاريخية لعلها تحدد في الماضي الأسباب التي كانت وراء ما حدث بعد ذلك، وأيضا رسم السيرورة التي تطورت بشكل بطيء من خلالها وأحدثت هذا الواقع.
تقنية القناع
وهنا لابد من استخدام تقنية القناع أي الحديث عن أحداث الزمن المراد الحديث عنه عن طريق سارد ينتمي إلى ذلك الزمن، حيث يتم الفصل بين المؤلف باعتباره شخصاً له سيرة محددة وبينه باعتباره مؤلفاً يروي أحداثاً أي سارداً وبين الشخصيات التي تتم دراستها بما في ذلك الصوت السردي.. وبذلك يجب الانتباه إلى ما يسمى نفس الرواية والمقصود به تناغم الرواية، هذا التناغم لا يكمن في طول النفس، بل في انتظامه «إن الرواية العظيمة هي التي يعرف مؤلفها متى يسرع ومتى يتوقف وكيف يقدر درجات الوقفات أو الإسراع ضمن إيقاع أصلي ثابت».
إن مجرد التفكير بالإيقاع أو بنفس الرواية وهذه المعاناة فذلك يعني التفكير بقارئ ما «سواء كتبنا ونحن نفكر بجمهور يقف على عتبة الباب ومستعد للأداء أو حين نكتب ونحن نفكر بقارئ ينتمي إلى المستقبل، فالكتابة تعني وجود قارئ نموذجي من خلال النص».
أما ما يقوله الكتاب: إنهم يكتبون لأنفسهم فإن إيكو يقول «احذروا الذي يقول هذا النوع من الكلام، إنه نرجسي ومحتال وكذاب» الشيء الوحيد الذي نكتبه لأنفسنا هو لائحة  المشتريات وعندما يتم ذلك يمكن التخلص منها لأنها لا تصلح لشيء إن كل ما نكتبه نقوم به لنقول شيئاً ما لشخص ما».