_
يوسف الخطيب.. كم في الكلام من أسى!

يوسف الخطيب.. كم في الكلام من أسى!

قرأتُ الخبر على النِت: رحل يوسف الخطيب.. لم يبدُ لي الخبر واضحاً، فثمة عديدون يحملون هذا الإسم. لعله ليس هو المقصود- قلت لنفسي- فتحرَّيتُ، لأجد تأكيداً له على عشرات المواقع الإخبارية: رحل الشاعر يوسف الخطيب..

وبصورة تلقائية، أمسكت بهاتفي وتحدثت مع ابنه، الصديق المخرج باسل، لأعزيه بالأب الراحل الذي رأيته للمرة الاخيرة في حفل زفافه- باسل- ذات ليلة دمشقية غمرها الثلج الصاخب الحميم.
                         *     *     *
أتذكر الآن أول مرة قرأت فيها شعراً له.. كان ذلك في “مكتبة أمانة العاصمة” في عمَّان التي إعتدت التردد عليها مع زملاء لي منذ أيام الدراسة الإبتدائية. وفي ذاكرتي الفتية، رست عميقاً مقاطعُ وأبيات من قصيدته المُستفزة، الساخطة، المُحرِّضة “هذي الملايين“:
أكاد أؤمن من شكٍ ومن عجبِ = هذي الملايين ليست أُمة العربِ
هذي الملايين لم يَدرِ الزمانُ بها = ولا بذي قار شدَّتْ راية الغلبِ
ولا على طنفِ اليرموك من دمها = توهج الصبحُ تيَّاهاً من الحقبِ
أأُمتي: يا شموخ الرأس، متلعة = من غلَّ رأسك في الأقدام والرُكبِ
أأنت أنت؟ أم الأرحام قاحلة = وبدِّلت من أبي ذرٍ أبا لهب؟
وحينما قرأت دواوينه المنشورة آنذاك: “العيون الظماء إلى النور” و”عائدون” و”واحة الجحيم“، لم تفتني ملاحظة ما في شعره من تدفق وحرارة صادرين عن روح عروبية تتقد بالإيمان والصدق، وعن طاقة مشحونة بالأمل والإباء والغضب الشامخ المحرض على المقاومة والثورة. وفي هذا كان يوسف الخطيب، المولود في العام 1931 في بلدة “دورا“ في جبل الخليل، ابن جيله من الشعراء الذين عاينوا- وعانوا- هول ومرارة النكبة والتشرد واللجوء. ومثلهم، وَسَمت الفاجعة والحنينُ المُمِض الكثيرَ من قصائده برومانسية شفيفة، حزينة، غاضبة، وعزيمة مصممة على إبقاء الوطن حيَّاً في الوعي والوجدان، كالذي نقرأه في قصيدته المتضرعة، المفعمة باللوعة الحارقة “ العندليب المهاجر“:
“لو قشة ممَّا يرفُّ ببيدر البلدِ
خبأتها، بين الجناح وخفقة الكبدِ
لو رملتان من المثلث أو رُبَا صَفدِ
لو عشبة بيدٍ ومزقة سوسنٍ بيد
أين الهدايا مذ برحت مرابع الرغدِ؟
أم جئت مثلي بالحنين وسورة الكمدِ!”
وهي قصيدة تتواشج مع العديد من قصائد تلك السنوات العصيبة التي تلت النكبة، التي قالها شعراء كعبد الكريم الكرمي ”أبي سلمى” وكمال ناصر ومعين بسيسو وفدوى طوقان وسواهم. وتذكرنا بالمزاج الهامس، المتلألىء، للقصيدة الشهيرة التي غنتها العذبة فيروز لمُجايله الشاعر هارون هاشم رشيد:
 ”سنرجعُ يوماً إلى حيِّنا
ونغرق في دافئات المُنى
سنرجع، خبَّرني العندليب
غداة إلتقينا على مُنحنى”
                         *     *     *
سيتجاوز يوسف فيما بعد هذه المرحلة دون أن يقطع معها، ويعزز طابعه الخاص الموسوم بلغة قوية ثرية تستمد نسغها من لغة القرآن الكريم والشعر العربي القديم- وبخاصة منالمتنبي وأبي تمام- فيما تعالج، بحساسية معاصرة وأساليب فنية متنوعة، موضوعات عربية حالية. وسنرى في شعره الملامح “الأصولية” و”المحدثة“- بحسب عبارة له- التي صاغها كتعبير عن الهوية الخاصة، الذاتية والعربية معاً، كما فهمها وطبقها في نصوصه الشعرية، آخذاً على اتجاه في الشعر العربي الجديد انشغالاته “الشكلية” التي بدت له كألاعيب عدمية, فيما لم يرَ في شعرائه سوى “محض أتباع”:
“ما دهى الشعر؟
غدا سحراً وترقيص أفاعي
وسراويلَ مَحِيكاتٍ بأنوال العَدَم
قيل:”إبداع” فلم ألقَ سوى
محضَ “أتباعٍ”..
بين “مهيارٍ” دمشقي..ومهيار عَجَم!”
                          *     *     *
في موقفه هذا، الذي قد يُرى فيه تعدياً وإتهاماً متجنياً، كان يوسف متسقاً متناغماً مع رؤيته للشعر ووظيفته. ومع مبادئه ورسالته التي أراد لها أن تكون بيان الأُمة العربية ونداءها الصائح من أجل ما نذر له نفسه منذ وعى واختار: النهوض والمقاومة والتحرر والوحدة:
“- فما تريدُ؟
أُريدُ يا مولاي:
أن أُشيعَ في علاكَ بددا
أُريد جبريلاً وتنزيلاً
وخيلاً لا تُرى
ومَددا
أريد أن أصوغ  أُقنومين في هواكَ، أحَدَا
أريد يا مولاي، بعدُ
أن أصبَّ دجلةً في بردى!”
ولقد مضى حتى اليوم الأخير في حياته بيقين وهمَّة لا تفتر، وراء هذه المبادىء والرسالة، ذائداً عنها ومترجماً لها، في شعره، كما في حضوره المتعدد: السياسي والإعلامي والتوثيقي والتنظيمي والبحثي. ولم تكن ثمة مسافة فاصلة بين فلسطينيته وعروبته، فمثلما غنَّى لسورية والعراق في مطولته “بالشام أهلي والهوى بغداد” وعينه وقلبه على فلسطين، أنشد لِغزَّة الباسلة وحَيَّاها كرَايةٍ للعرب:
“لأنكِ أنتِ صقرَ قريشنا،
وبقية الرمقِ
لأنكِ أنتِ آخر راية لم تهوِ،
فإصطفقي
لأنكِ أنتِ طير البعثِ،
فإحترقي
وعبر رمادك، إنبثقي”
                         *     *     *
في يوم الخميس، السادس عشر من حزيران- يونيو، ودَّعنا يوسف الخطيب، أو “مجنون فلسطين” كما أحبَّ أن يصف نفسه في ديوان له بهذا الاسم صدر في العام 1983مُسجلاً بصوته.
لم يَمَل، كما هي عادة من يتقدم بهم العمر ولا يجدون ما يشغلهم. ففي مقابلة صحفية أجراها معه الأستاذ طلعت سقيرق، أفضى بما يشبه البوح “ لعل الشاعر الحقيقي، كما أتصوره، هو الذي يفارق الدنيا وما يزال في نفسه شيء من التوق“. ولا نعرف ما “التوق” الذي ظل في نفسه.. ربما، توقه لفلسطين التي طال كثيراً إحتلالها؟ وربما، توقه لقيامة أُمة العرب الحرة الواحدة التي كرَّس لها عمره وأحلامه وقصائده..؟
لا نعرف.. لكننا قد نجد رداً في إجابته على سؤال مُحاوره في المقابلة السابقة: “ماذا يقول… للشعراء الفلسطينيين الشباب؟”
“…الأكثر أهمية هو أن تجد في مثل هذه الأيام من يمكن أن يصغي إليك…“
                         *     *     *
- أن تجد من يصغي إليك…!؟
- يااااه.. كم في هذا الكلام من أسى!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  *كتبت غداة رحيله في السادس عشر من حزيران- يونيو-2011