_
الإنسانية: الجريدة الأولى التي أغلقها الاستعمار

الإنسانية: الجريدة الأولى التي أغلقها الاستعمار

عشية اندلاع الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي، وفي فترة تصاعد حركة الإضرابات العمالية في سورية ولبنان، صدرت من بيروت بتاريخ 15 أيار 1925 أول جريدة شيوعية في سورية ولبنان.

إلى حيفا والقاهرة

كُتب في أعلى الصفحة الأولى:
«الإنسانية هي جريدتك أيها العامل، فاقرأها وأعطها لغيرك ليقرأها، اتحدوا أيها العمال».
وعرفت الجريدة نفسها بهذه الكلمات:
«الإنسانية صحيفة أسبوعية أنشئت خصّيصاً لخدمة العمال والفلاحين، والمدافعة عن حقوقهم، وتنظيم صفوفهم».
صدر من الإنسانية 5 أعداد فقط، «العدد الأول 15/5/1925، والعدد الثاني 24/5/1925، والعدد الثالث 31/5/1925، والعدد الرابع 7/6/1925، والعدد الخامس 15/6/1925». وطبع من العدد الأول 1000 نسخة، ومن العدد الثاني 1500 نسخة.
كان للجريدة مراسل في مصر «عامل التبغ نجيب الشمالي في الاسكندرية». وتبادلت الجريدة الرسائل مع جريدة «حيفا» العربية في فلسطين، ومع الشاعر بدوي الجبل في اللاذقية. وكانت توزّع في العديد من مناطق سورية ولبنان وفلسطين ومصر، مثل: بيروت وبكفيا ودمشق والشوير وطرابلس والقاهرة والاسكندرية واللاذقية وحلب واسكندرون وحيفا وغيرها.

الإضراب والتنظيم النقابي

ناضلت الجريدة من أجل تأسيس النقابات العمالية وتنظيم العمال في صفوفها. ونشر العدد الأول صورة لتظاهرات بيروت بمناسبة الأول من أيار عيد العمال العالمي 1925. وخبراً عن دعوة العمال للإضراب عن العمل في عيد العمال، وتقديم المطالب السبعة للعمال المضربين إلى الحكومة والاستمرار في النضال من أجل تلك المطالب.
في افتتاحية العدد الأول، كتب المؤرخ يوسف يزبك مُنشئ الجريدة ورئيس تحريرها:
«أنشأت هذه الجريدة وأنا عامل مظلوم في شعب مظلوم، يا أيها الحق المهضوم، يا عرق جبين العمال، وثمرة أتعاب الفلاحين، باسمك نكتب ولأجلك نجاهد، يا أيها العمال والفلاحون، يا عمال الأرض، يا صعاليك العالم كله اتحدوا».
نشرت «الإنسانية» سلسلة من المقالات المقتبسة من الجريدة العمالية التي كانت تصدر في القاهرة باسم «الحساب» ويشرف عليها الحزب الشيوعي المصري، ويرأس تحريرها المناضل الشيوعي رفيق جبور «لبناني من زحلة» حول كيفية تكوين النقابات للتعلم من الحركة النقابية المصرية.
وبدءاً من العدد الثاني للجريدة، طرحت قضايا العمال من تحديد ساعات العمل بـ 8 ساعات ولعمال الأعمال الشاقة 6 ساعات. وطالب العدد الثالث بتحديد الحد الأدنى للأجور، ومنع تأخير صرفها وتحديد حقوق العامل وواجباته. واستشهدت بتجارب نضالية ناجحة للحركة العمالية في العالم، وبمكاسب العمال في الاتحاد السوفييتي، جمهورية العمال والفلاحين الحمراء، فأثارت هذه المقالات حماساً واسعاً في صفوف العمال، حيث بدأ عمال المطابع والمستخدمون والساعاتيون وعمال التبغ وغيرهم يراسلون الجريدة حول ظروف العمل والحقوق الضائعة.
وفي العدد الخامس، أُعيدت إلى الأذهان جمعية عمال المطابع التي تشكلت قبل الحرب العالمية الأولى، وانفرطت خلال الحرب. ونشط الشيوعيون لتأليف نقابة عمال المطابع في بيروت على أسس جديدة، تلك النقابة التي خاضت إضرابات واسعة منذ 1926. إضافة إلى نقابة عمال التبغ في بكفيا، ونقابة عمال زحلة، ونقابة عمال النسيج في دمشق، ونقابة سكة حديد دمشق- حماة وغيرها.

إغضاب الاستعمار البريطاني

أعلنت الجريدة حرباً ضد الاستعمار، ففي العدد الأول موادّ عن منع الاستعمار البريطاني للعمال العرب في فلسطين من الاحتفال بالأول من أيار. وفي العدد الثاني حملة ضد الاستعمار البريطاني، وأخبار عن الإضرابات العمالية في فلسطين.
أما العدد الثالث، فكتب احتجاجاً على الحرب الاستعمارية الفرنسية في المغرب، وتأييداً للتعاون الكفاحي بين النقابات السوفييتية والنقابات البريطانية، وحديثاً بين النائب الشيوعي الفرنسي آندريه برتون مع قائد ثورة الريف المغربية المعادية للاستعمارين الفرنسي والإسباني. وفي العدد الرابع خبر عن اعتقال 17 شيوعياً في مصر بينهم رفيق جبور.
خلال شهر واحد فقط، أغضبت الجريدة الاستعمار البريطاني، فصدر قرار من الاستعمار يمنع دخول الجريدة إلى مصر، بسبب كتاباتها البلشفية الشيوعية حسب تعليق جريدة الأهرام المصرية.
كتبت «الإنسانية» في عددها الخامس
«صعاليك الشرق يزأرون محتجين على الظلم الواقع على جريدتهم، والصحافة الحرة تعطف علينا، اتحدوا أيها العمال».
وقفت الإنسانية ضد الاستعمار الفرنسي في سورية ولبنان، حيث طالب العددان الثالث والرابع من العمال مقاطعة الانتخابات النيابية الطائفية التي ينظمها الاستعمار الفرنسي في لبنان، وكتبت الجريدة أن وجود فرنسا في الشرق هو وجود استعماري.
كما وقفت الجريدة ضد الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا، ودافعت عن الشيوعيين المعتقلين في سجون برلين وروما عام 1925.

فرنسا العلمانية تغلق الجريدة!

سرعان ما أثارت «الإنسانية» غضب الاستعمار الفرنسي في سورية ولبنان، بعدما حصدت غضب الاستعمار البريطاني في مصر، وصادرت الشرطة الاستعمارية الفرنسية العدد السادس، وهو قيد الطبع في بيروت. ومنعت الجريدة بالقرار رقم 205/س بتاريخ 17 حزيران 1925 بأمر المفوض السامي الفرنسي الجنرال ساراي.
شهر واحد فقط، لعبت خلاله هذه الجريدة المدهشة الرائدة دوراً هاماً جداً، على الصعيد السياسي والدعائي والتنظيمي، مما جعل المفوض السامي العلماني لا يتحملها أكثر من شهر واحد.

كلمة التاريخ

تاريخ الصحافة الشيوعية في سورية هو تاريخ نضال الشعب السوري قبل أي اعتبار. قاست ما قاساه، وسجلت محطات نضاله من أجل مستقبل أفضل.
تعرضت الصحف الشيوعية والعمالية في سورية إلى الإغلاق والمنع والمطاردة والتضييق، واعتقل محرروها مرات لا تحصى، منذ اعتقال خالد بكداش ورفاقه بدمشق أثناء تحرير جريدة «المطرقة والمنجل» بداية الثلاثينات.
ولكن كلمة الفصل في هذه القضايا كانت للتاريخ وحده، إذ تواصل صدور الصحف الشيوعية واحدة تلو الأخرى رغم كل الظروف، ورحل أصحاب تلك الظروف وضاعوا مثل الغبار. ففي النهاية تنتصر قطرة الماء على الصخور وتفتتها إلى ذرات دقيقة بلا تأثير.

معلومات إضافية

العدد رقم:
915
آخر تعديل على الإثنين, 27 أيار 2019 13:34