_
«معطف» غوغول: عن أساسيات العيش التي تحولت أحلاماً
مشهد من عرض «المعطف» تصوير: علاء أبوفراج

«معطف» غوغول: عن أساسيات العيش التي تحولت أحلاماً

قدمت الهيئة العامة لدار الأسد للثقافة والفنون، أيام 2 و3 و4 نيسان الجاري، عرضاً مسرحياً راقصاً بعنوان «المعطف»، وهو اقتباس حر عن قصة تحمل العنوان ذاته للكاتب الروسي، نيقولاي غوغول، من إخراج حسين خضور، وكريوغراف وأداء نورس عثمان، ودراماتورج لجين العرنجي. وتدور أحداث العرض حول موظف يعيش تفاصيل حياته الشخصية، محاطاً بوحدته وغربته في عالمٍ يحكمه الهلع. سيحاول أن يحلم بشراء معطفٍ جديد يحميه ويدفئه، وبعد جهد، وفي اللحظة التي يظن أن حلمه قيد التحقق، سيسلب الحلم، ولن يكون أمامه إلا المواجهة.

للوقوف عند العرض وأصدائه، أجرت «قاسيون» لقاءً موسعاً مع مخرج العمل حسين خضور، الذي تناول التفاصيل التي حكمت عرض «المعطف».

حوار: أحمد الرز

في البداية، كيف ترى واقع المسرح الراقص اليوم، وإلى أين وصل في سورية؟

المسرح الراقص في سورية هو جديد نسبياً، كانت هنالك تجارب مهمة فيه في بداية الأزمة في البلاد، مثل تجربة عرض «سلوفان» للمخرج أسامة حلال مع فرقة «سما» الذي قدّم في مسرح الحمرا. وهنالك تجارب لم تكن مقدّمة من فِرق بل من أفراد متخرجين من المعهد العالي وقد اعتمدوا المسرح الراقص.

هنالك فرق بين المسرح الراقص والرقص المعاصر، فهذا الأخير منتمي فنياً إلى مدرسة «ما بعد الحداثة»، وهو ليس معنياً بالدراما، بينما المسرح الراقص هو مسرح درامي في المقام الأول.

تقصد القول إنه من الضروري أن يحمل المسرح الراقص مقولة ورسالة؟

تماماً، بمجرد أن نقول عنه «مسرح»، فهذا يعني أنه من الضروري أن تكون هنالك مقولة ورسالة ومضمون اجتماعي.

لندخل في تفاصيل عرض «المعطف»، من المعروف أن هذه القصة القصيرة لنيقولاي غوغول كانت قد نشرت في أواسط القرن التاسع عشر، ما الذي دفعكم لاختيار هذه القصة بالذات، وما هو ارتباطها بالواقع السوري اليوم؟

قد تكون الإجابة مضحكة قليلاً: إذا نظرنا إلى ظروفنا المعيشية، فنحن نعيش فعلياً بشيء يشبه إلى حدٍّ ما القرن التاسع عشر. هنالك نصوص كتبت في ذلك القرن وهي قريبة من واقعنا المعيشي اليوم.

في قراءتنا الأولى لهذه القصة، لفت انتباهنا الطريقة التي جرى فيها تحويل أساسيات العيش إلى أحلام بالنسبة لطبقة أو شريحة واسعة من المجتمع. فكرة القصة ببساطة تدور حول موظف يحلم باقتناء معطف جديد، ويجد صعوبة بالغة بالحصول على هذا المعطف. الآن، نحن في القرن الواحد والعشرين في سورية، وفي الظروف الاقتصادية التي نعيش بها، يمكنك أن تجد عدداً كبيراً من الموظفين من الفئات الدنيا، أو حتى من غير الموظفين، ممن يحلمون بشراء قطعة ملابس جديدة وهذا ينسحب على معظم أساسيات الحياة.

المقصود أن المعطف هو ترميز للحاجات الأساسية التي لا يستطيع الإنسان الوصول إليها، وليس المعطف بذاته؟

نعم، هو ليس المعطف فقط، بل هو ترميز بشكل أساسي للأشياء البسيطة والطريقة التي تحولت بها إلى أحلام. خلال إعداد العمل، واجهتنا صعوبة وهي أنه ليس لدينا نفس درجة البرودة الموجودة في روسيا (موضوع رواية غوغول)، ففكرنا: هل سنظل محافظين على المعطف، أم نستبدله بشيء آخر؟ لكن خلال العمل، استنتجنا أن المعطف هو رمز لأحلام طبقة واسعة من المجتمع بتجديد حياتها وتغييرها من خلال «اقتناء معطف جديد».

من شاهد العرض وقرأ القصة الأصلية، لا بد وأنه انتبه إلى أنكم أجريتم تغييراً على النهاية، ففي القصة الأصلية يموت البطل، بينما في العرض يختار المواجهة، لماذا اخترتم هذه النهاية؟

في الاقتباس الحر، يقوم الفنانون بأخذ جوهر النص ويكون لديهم الحق في إضافة مشاهد أو حذف مشاهد، بشرط الحفاظ على جوهر النص. نحن ذهبنا باتجاه خيار الاقتباس الحر.

في نهاية النص الأصلي، يُسرق المعطف من البطل من قبل لصوص في الشارع، ويشتكي هذا الموظف المسكين - اسمه في القصة الأصلية (أكاكي)- للشرطة، لكن هذه الأخيرة لا تلبيه، ثم يذهب إلى رتبٍ أعلى وكذلك الأمر لا تلبيه، وصولاً إلى شخصية يسميها الكاتب بـ«الشخصية الهامة» دلالة على نفوذها في الدولة، إلا أن هذه الشخصية المهمة تسخر من الموظف وتطرده من مكتبها، فتنتهي حياته بالهذيان والموت. وأضاف الكاتب نهاية خيالية إلى حد ما، حيث تخرج روح الموظف وتجول في أرجاء بطرسبرغ وتنتقم من خلال انتزاعها لمعاطف الناس وتبحث تحديداً عن هذه «الشخصية الهامة» لتنتزع معطفها منها، ولا تهدأ إلا عندما تأخذ هذا المعطف.

نحن رأينا أن رمزية السرقة عند غوغول هي ليست من مجرد لصوص عاديين، بل من منظومة كاملة. الشيء الذي وجدناه عند غوغول بشكلٍ رمزي رغبنا بأن نتوسع به ونعمل عليها. فاتخذنا القرار بأن تكون المواجهة هي مع سلطة المال، فبما أننا قلنا إن أساسيات العيش قد تحولت إلى أحلام، فما يجعلها أحلام هو سلطة المال تحديداً، وهي المسؤولة عن هذا.

على هذا الأساس، فإن شخصية الموظف التي استطاعت أن تحصل على هذا «الحلم»، واجهت حقيقة أن سلطة المال قد سلبته هذا الحلم. وإذا أردت أن أشبه الموضوع بشيء، يمكنني أن أشبهه بإنسان دفع «شقاء عمره» ليشتري منزل في العشوائيات، فيصدر قرار بهدم البيوت في هذه العشوائيات لبناء منازل لا يستطيع إلا الأغنياء شراؤها. من هذا المنظور، يكون حلم هذا الإنسان قد سُلب منه. وهذا واقع نعيشه.

لماذا تُرك مشهد المواجهة الأخير مفتوحاً ولم تتبين نتيجة هذه المواجهة للجمهور؟

كانت هنالك عدة خيارات أمامنا، كان يمكن أن تكون النهاية سوداوية كأن تستطيع سلطة المال أن تُجهز تماماً على هذا الإنسان وتنهيه، أو أن تكون النهاية وردية بأن يستطيع مثلاً أن يحصل على المعطف ويحافظ عليه. لكننا لم نذهب إلى هذين الخيارين، بل قررنا أن تكون النهاية مفتوحة لسببٍ بسيط وهو أن الجمهور له دور في إكمال القصة، والناس الذين حضروا العرض يجب أن يدركوا أن لديهم مثل هذا الدور. أي أننا تركنا مساحة للجمهور كي يفكر ويتحاور حول النهاية التي يريدها وآليات تحقيقها.

والمواجهة ما زالت مفتوحة بين هذين الطرفين، ليس في سورية فحسب، بل في العالم. المواجهة مع سلطة المال ما زالت مفتوحة وبوعي أكبر.

في العروض التي تجري اليوم، غالباً ما نرى أن درجة الترميز فيها عالية، وأحياناً تصل إلى تلك الدرجة التي يخرج بها الجمهور من العرض محاولاً تفكيك شيفرات الرسالة التي يحاول فريق العمل أن يوصلها هذا إن وجدت أصلاً، في عرض المعطف كانت درجة الترميز في حدودها الدنيا، وهنالك بعض الآراء التي أخذت على العرض بساطته الشديدة...

هذا ليس قرارنا، نحن حافظنا على جوهر النص، نص القصة بحد ذاته بسيط وواضح ومفهوم وواقعي رمزي، والرمزية فيه مفهومة غير معقدة. لذلك حافظنا على جوهره، فغوغول في كتاباته كان أول من فتح الطريق أمام المدرسة الواقعية في روسيا. طبيعة النص ذاته هي من ساعدتنا على أن نكون واضحين في تقديمنا لهذا العرض.

ــــــــــــــــــــــــــ

بطاقة العمل:

إخراج: حسين خضور

كريوغراف ورقص: نورس عثمان

دراماتورج: لجين العرنجي

مخرج مساعد: نوار الدبس

أداء: نوار الدبس وحسين خضور

سينوغرافيا: هاني جبور

تعاون فني: علاء أبو فراج

تصميم الإضاءة: طاهر سلوم

مؤثرات صوتية: داني دويعر

معلومات إضافية

العدد رقم:
000