_
«أريج الياسمين في الأدب الروسي»
نمر الحموي نمر الحموي

«أريج الياسمين في الأدب الروسي»

يعتبر تولستوي من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، والبعض يعتبره من أعظم الروائيين على الإطلاق...

 

كتب فلاديمير إيليتش لينين: إن أدب تولستوي يعبر خطوة إلى الأمام في مضمار التصور الغني للإنسانية جمعاء.. كما رأى أمين الريحاني أن تولستوي أشهر كتاب هذا العصر، ولد أميراً فجعل نفسه فلاحاً، وهو يمثل الإخاء والمحبة.
وقد احتل تولستوي مكانة مرموقة على صعيد الأدب العربي، مقارنة مع الكتاّب الأوربيين والكتاّب العرب. حيث تأثر الأدب العربي بـ تولستوي ليس كفنان فحسب بل كمفكر.
مصالح الشعب أولاً
تميز تولستوي بإخلاصه لمصالح الشعب، وإيمانه بقوى الشعب ومستقبله ونضاله الذي لا يعرف الهوادة ضد الظلم والرجعية.
ولقد تأثر تولستوي بكثير من الأدباء منهم «الكسندر بوشكين_ غوغول_ دوستوفيسكي_ جورج اليت_ شبنهاور_ هوغو»، ومن أشهر رواياته (الحرب والسلام_ آنا كارنينا) وهما تتربعان على قمة الأدب الواقعي، حيث اعتنق تولستوي أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف، وتبلور ذلك في كتاب (مملكة الرب داخلك) وهو العمل الذي أثّر على مشاهير القرن العشرين، مثل: (المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ) في نضالهما الذي اتسم بسياسة المقاومة السلمية.
«ولادته ونشأته»
ولد تولستوي عام 1828 م في مقاطعة تولا، والتي تبعد عن موسكو 130 ميلاً، وكان من أسرة نبيلة والده نيكولاس تولستوي وأمه الأميرة ماريا فولكوفسكي.. والتي توفيت عندما كان عمره سنتين، وتوفي والده في صيف 1837..
عام 1844 م قُبل تولستوي طالباً في جامعة كازان، كلية اللغات الشرقية قسم اللغتين التركية والعربية، ولقد اختار تولستوي هذا الاختصاص لأنه مهتم بآداب شعوب الشرق، ولقد شارك تولستوي في بعض المعارك ضد جيش المريدين، وفي تلك المرحلة الأولى من حياته ألف ثلاثة كتب، وهي: (الطفولة 1852 م_ الشباب 1857_ الصبا 1854)..
واستمر في عمله كجندي، بعد أن تطوع في الجيش مع أخيه نيكولاس، الذي كان يخدم في الجيش الروسي بالقوقاز، حتى عام 1855، حيث اشترك في حرب القرم.
بعد تقاعده من الخدمة العسكرية سافر إلى أوروبا الغربية، وأعجب بطرق التدريس هناك، ولما عاد إلى مسقط رأسه أنشأ مدرسة تربوية تدعى «باسيانا بوليانا» شرح فيها أفكاره التربوية، وفي عام 1857 زار سويسرا وألمانيا، وبريطانيا عام 1860، وبعد عودته تزوج في عام 1862 من الكونتيسة صوفيا أندريفيا.
الواقعية ومقاومة العنف
يعد كتاب الحرب والسلام 1869 من أشهر أعمال تولستوي، ويتناول الكتاب الحوادث السياسية والعسكرية التي حدثت بأوروبا في الفترة ما بين 1805/ 1820م، وتناول فيها غزو نابليون لروسيا 1812.
ومن أشهر كتبه «آنا كارنينا» الذي عالج فيه قضايا اجتماعية وأخلاقية وفلسفية، في شكل مأساة غرامية كانت بطلتها هي آنا كارنينا.
وقد تعمق تولستوي في القراءات الدينية، وقاوم هيمنة الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، وعارض القوة والعنف في شتى صورها، واتصفت كل أعماله بالجدية والتعمق والجمال، ولم تقبل الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا آراء تولستوي التي انتشرت بسرعة كبيرة.
مع العرب وآدابهم
وقع تولستوي تحت تأثير آداب وشعوب كثيرة، ويجرنا الحديث حول تولستوي إلى الفلسفة والتاريخ وإلى الدين والإلحاد، فهذه العلوم الاجتماعية مترابطة ولها علاقة وثيقة بالأدب.
لقد أضمر الكاتب الروسي احتراماً خاصاً للأدب العربي والثقافة العربية والأدب الشعبي، حيث عرف حكاية علاء الدين والمصباح السحري، وقرأ حكاية «علي بابا والأربعين حرامي»، وبين تولستوي إن هذه القصص الجميلة أفضل بكثير من مقالة (ماهي الليبرالية).
تعرف الروس أول مرة على اهتمام المواطنين العرب بشخصية وإبداع تولستوي من مذكرات بيلبا تيفسكي بعنوان «مصر» التي نشرها عام 1909, ويعتبر كراتشكوفسكي أول مستعرب روسي اهتم بالدور الذي لعبه ويلعبه إبداع تولستوي في المشرق العربي، كما نشر الناقد بيير بوكوف دراسة بعنوان تولستوي والشرق عام 1924.
الفيلسوف الحكيم
فهم الكتاب والأدباء العرب تولستوي في كثير من الأحيان على أنه فيلسوف وحكيم، أكثر مما فهموه على أنه كاتب وفنان وأديب مسرحي وروائي، وقد رأى البعض أنه مناضلٌ ضد هيمنة الكنيسة أو مناضلٌ في سبيل حقوق الفلاحين، وهذا يدل على أن تولستوي لم يكن فناناً وحسب بل كان إنساناً يعيش اهتمامات عصره، ولم تكن الكنيسة غير مبالية بنقد تولستوي لها، فعاقبته بالحرمان الذي شكل أحد أسباب شعبيته وجماهريته.
حازت أفكار تولستوي على شهرة عالمية، وانتشرت في البلاد العربية، وخاصة في المشرق العربي، موجة قوية في مطلع القرن العشرين للإصلاح عبّر عنها (أمين الريحاني_ فرح انطوان_ ميخائيل نعيمة_ جبران خليل جبران_ لطفي المنفلوطي_ ندرة حداد..)
تأثير تولستوي
تابع الكتاب العرب تطورات حياة تولستوي وتراثه، ونعرف مقالات مصطفى لطفي المنفلوطي وأمين الريحاني وقصائد أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وجميل صدقي الزهاوي حول تولستوي.
فقد تحدث المنفلوطي في رسالته عن صراع تولستوي ضد القيصر_ قلت القيصر_ أيها الملك إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه ومعبوده وإنك فوق عرشك لا فرق بينك وبين الفلاح في المزرعة وذلك العامل في المصنع_ هذا جزء من الرسالة ...
وقد نشر أمين الريحاني، 1876_ 1940، في عام 1910 في المجلد الأول من الريحانيات مقالة بعنوان «تولستوي»، أن تولستوي أدرك التناقض القائم بين الحياة المترفة التي يعيشها في بيته، وبين المبادئ التي ينادي بها، كأنه يقارن بين إيديولوجية الرأسمالية اللاإنسانية وبين إيديولوجية تولستوي الإنسانية، ويقول: إن الحكومة الروسية تخاف تولستوي والحكومة الأمريكية تخاف مورغن.
هز العروش
كتب الناقد الروسي الكبير سوفودين في يومياته بتاريخ 29 أيار عام 1901 يوجد عندنا في روسيا قيصران، نيكولاي الثاني وليف تولستوي، من منهما الأقوى؟ حيث إن نيكولاي الثاني لا يستطيع أن يفعل شيئاً مع تولستوي ولا يستطيع هز عرشه، في حين أن تولستوي وبلا شك يهز عرش نيكولاي وعائلته.
وكان رأي فلاديمير في قوة الفنان الروسي كونه يعبر عن مصالح ملايين الفلاحين الروس، ويكتب في مقالته عام 1910 أن تولستوي لم يبدع مؤلفات فنية وحسب، بل إن كتاباته تطيح بنير الملاكين والرأسماليين، بل عرف كيف يعكس بقوة الحالة الفكرية للجماهير الواسعة المظلومة من قبل النظام القائم، ويصف وضعها ويعبر عن مشاعرها العفوية بمشاعر الاحتجاج والغضب.

آخر تعديل على الخميس, 26 نيسان/أبريل 2018 15:10