_
د. غزوان زركلي د. غزوان زركلي

الموسيقى والنص.. خواطر عن الأغنية الوطنية

موضوع الموسيقى هو موضوع شائك، أما الأشواك التي فيه فهي ليست فقط متعلقة بطبيعة الموسيقى المجردة/ غير المرئية وعموميتها، إنما أيضاً بالتحضير والتهيئة التي لقيناهما (أو بالأحرى لم نلقهما) أطفالاً من خلال المدرسة والمنزل والبيئة الاجتماعية، تحضير وتهيئة يجعلاننا أقرب إلى تذوق الموسيقى، ليست الكلاسيكية الأوروبية منها، وإنما بالتحديد الموسيقى الكلاسيكية العربية. لذلك، وبسبب النقص الموجود في تربيتنا الموسيقية الذي يتفاقم عبر تعاقب الأجيال، نرى كثيراً من مثقفينا ومبدعينا الذين هم أعلام في مجالاتهم، نراهم بعيدين عن فن الموسيقى تذوقاً وممارسةً.

إن لكل فن (والمقصود هنا العمل الفني) درجات من حيث التبسيط والتعقيد، ومن حيث المباشرة والتجريد، والتخصيص والتعميم. ولكل فن أنواع: شعبي، استعراضي، راقص، كلاسيكي... يدخل الاحتراف في كل نوع منه ليجعله فناً جدياً، نافعاً للناس، كذلك الموسيقى، وهنا الغنائية منها تأخذ الكلام المحكي أو الزجل أو النثر الموزون، أو تميل إلى الكلاسيكية فتعتمد على القصيدة الشعرية ذات القيمة الأدبية العالية، ولا شك بأن الموسيقي المبدع، كما الأديب الشمبدع قد يزاوج بين أنواع مختلفة وصولاً إلى عمل فني أصيل يضع نصب أعينه خصوصية البيئة التي ينشأ فيها ويكتب لها بالدرجة الأولى، وذلك ضمن أنواع مختلفة من الأغاني تحيط بمجمل حياتنا وتحتفظ كل منها بخصوصيتها.

ولكل شعب روحية معينة، فنحن ميالون للتأمل وللاسترسال، حتى للتصوف، نبحث عن التفاصيل، ولا نحب الضوضاء بقدر ما نحب السكون المشحون بالعواطف والأحاسيس. ولذلك يجب أن تكون موسيقانا - وهذا ينطبق على أغانينا حتى الوطنية منها - مخلصة لهذه الحقائق ومنسجمة معها، وهي ستفعل ذلك حتماً إذا ما تحررت من قيود التخلف والابتذال. وإن ميلنا للحن المؤثر الذي ينفذ إلى الأعماق لا يعني بأننا لا نستطيع الغناء بحماس ولا الإنشاد بعزم وبقوة، إلا أن هذا الغناء وذلك الإنشاد لا يمكن مثلاً أن يتحولا إلى مجرد تقليد للغناء الأوبرالي، وإلا أصبح ذلك ابتذالاً. وإن كان واقعنا الموسيقي الراهن يخالف هذه المقولة، فإن ذلك لا يعني بأن وجداننا لا يتوق إلى تلك الحالة الفنية التي يمكن أن تصل إلى أغواره وتذكي جذوة عنفوانه التي تمر بمرحلة تبدو فيها وكأنها تخبو وتخبو إلى حد الانطفاء. إن ضميرنا الموسيقي وإن بدا في ظروفنا الراهنة غير متيقظ، يصبو إلى وقفة جديدة تعيد إليه حماس الحس الوطني الذي اقترن بالأغنية الوطنية في سورية على امتداد القرن العشرين، فموسيقى الأغنية الوطنية واكبت النص الأدبي، بل بزته أحياناً (ونقولها مجازاً، فالنغمة والكلمة لغتان مختلفتان) باستقلاليتها الجمالية التي اعتمدت على قوة التعبير وعلى القدرة على استنهاض المشاعر والأحاسيس الكامنة في قلوب مواطنينا.

العناصر المكونة للأغنية (أية أغنية) هي ذات شقين: الأول يتعلق بالنص، والثاني بالموسيقى. أما النص فيجب أن يكون من حيث الشكل الفني على مستوى الموضوع الإنساني الذي يتحدث عنه أو ينادي به، أي ضمن مستوى أدبي لائق (شعبي أو دارج أو كلاسيكي)، يتحدد بعمق وقوة المعالجة، ببلاغة وجمال اللغة ورشاقتها وروحها وفرحها، بالكيفية التي يعالج بها الكاتب الموضوع: هل يستعمل لهجة خطابية؟ هل ينطلق من معاناة شخصية؟ هل يتبع في طرحه للموضوع المعني طريقة مباشرة أو غير مباشرة؟

وإذا ما انتقلنا إلى الأغنية الوطنية، فهناك للأسف من يعتبر مجرد المعنى الوطني للنص هو الشيء الوحيد الذي يدل على «وطنية» الأغنية، وبالتالي على جودتها، وهناك من حسن الحظ من يأخذ بعين الاعتبار أيضاً المعالجة الفنية للنص الأدبي. ولكن القلة تلتفت إلى الموسيقى لتعطيها حقها من التحليل الذي يتعدى كونها صاخبة مثلاً، أو هادئة. القلة تدرك بأن الموسيقى الجيدة يمكن أن تُغني المعنى الوطني وتعمق المعالجة الأدبية، وبأن الموسيقى الرديئة تفرط بأعظم قضية وتسيء إلى أفضل نص.

الأغنية الوطنية هي حالة خاصة من حالات الأغنية المتعددة والمختلفة. هي أغنية «تقدمية» بكل معنى الكلمة لأنها لا تشير إلى المستقبل، إلى ما نحن نفعله وما نحن عازمون على فعله، والأغنية الوطنية هي أغنية «إنسانية» يمكن أن تتحدث عن شخص واحد قد يعبر عن قضية شعب كامل وأمم برمتها، هي أغنية كل الأغاني بكل أطيافها وتدرجاتها سابقة الذكر، نرشف من لدنها مشاعر بالغة الخصوصية وأحاسيس جماهيرية، ونأخذ منها ألواناً شعبية وأشكالاً كلاسيكية على حد سواء.

على الموسيقيين العاملين في مجال الأغنية الوطنية أن يحدثوا تطوراً في مجال الموسيقى العربية أولاً، والتي تعيش في حالة متردية، ومن ثم يستعملوا منجزات هذا التطور بما يتناسب مع الشكل الفني الذي هم في صدده، وإذا كان الأدباء قد أحدثوا سابقاً ثورة في النص، فإن الموسيقيين لم يواكبوا تماماً هذه الثورة. وإن كان هذا السبق (الأدبي) مفهوماً وقد يكون طبيعياً، إلا أن عدم وجود المؤشرات الكافية، الدالة على مواكبة الموسيقى في يومنا هذا لذاك التطور، هو الأمر غير الطبيعي. فعلى الموسيقيين أن يأخذوا عبرة من الأدب الراقي الذي يعبر عن نفسه بتمثل التراث الأدبي وفي الوقت نفسه بخلق مفاهيم جديدة، ولكن غير دخيلة، جريئة ولكن غير مبتذلة، تملك صلة الوصل بين الماضي والمستقبل، بكلمة واحدة: مفاهيم أصيلة، ولن يوجد الشاعر الوطني الأصيل الذي يصبو إلى إيجاد تركيبات لغوية جديدة ويتطرق إلى مواضيع لم يتطرق إليها الأقدمون، ومن ثم يعبر عن ذلك كله بلغة عربية ركيكة، بغض النظر عن الشكل الأدبي الذي يكتب فيه.

يتناسى ملحنو الأغنيات الوطنية بأن النص الشعري الجيد يبقى جيداً ويستطيع أن يلهب قلوب الملايين دون أن يُلحّن ويُغنّى. وينسون بأن الموسيقى لا يمكن أن تقوم بدورها في توضيح الفكرة وإيصالها إلى وجدان الناس دون أن يكون لها استقلالية - نسبية بطبيعة الحال – جمالية، أصيلة، معتمدة على قاعدة محلية وذات صبغة عربية من جهة، وأن الموسيقي لن يستطيع مهما بلغ من درجة الاحتراف الموسيقي الآلي أن يلحن الكلمة العربية دون أن يكون متعمقاً في جمالياتها ومدركاً لخصائص نطقها من جهة أخرى. فلا مجرد تقليد الموسيقى الاستهلاكية الأوروبية سينتج فناً متميزاً، ولا «تركيب» النص على الموسيقى سيعطي للكلمة حقها ويُبقي عليها قوة تعبيرها.

هناك حاجة كبيرة إلى أغنية وطنية جديدة تعبر عن واقع وطموح وأحلام الناس. ولا نريد لهذه الأغنية أن تعتمد استعمال الموسيقى التقليدية الدينية أو العاطفية في تلحين نص وطني، أو -على الأغلب -على تركيب هذا النص على ألحانها، كما لا نريد استعمال أغان وطنية أجنبية مع إيجاد نص عربي لها مترجم أو مخترع اختراعاً، وهما أمران قد يكونان مشروعين، وقد يكونا في حدود معنية مفيدين، بل نحن نريد إبداعاً ذاتياً موالياً لهذا الوقت ولهذه المرحلة بالذات.. نريد إبداعاً موسيقياً وإبداعاً أدبياً ينطق يما يعتلج في صدور شيبنا وشباننا، ونريد إبداعاً يكسر احتكار «أغاني الحب» الرائجة التي إن عبرت عن عاطفة ما، تبقى هذه العاطفة أحادية الجانب ميالةً إلى السطحية.

إن الحاجة إلى الأغنية الوطنية في بلادنا لا يجب أن تُستغَل بمحاولة إرضائها كيفما اتفق. وهنا تقع على كاهل الموسيقي وعلى كاهل كاتب النص مسؤولية كبيرة يكمن سببها بالدرجة الأولى في أن الأغنية الوطنية مهيأة لتشكل توازناً مع الأغنية المبتذلة أدبياً وموسيقياً، الأغنية المقتصرة على الغرائز من حركة وهياج وهوى وإسفاف، والتي رجحت كفتها إلى درجة أنها تلغي كل ما عداها، خاصة وأنها تستعمل سلاح الصورة السريعة البراقة. إن الحاجة لهذا التوازن يخلق حالة تساعد في صعود الأغنية الوطنية، ولتكن فترة شبيهة بفترة صعود الأغنية السياسية، حيث تأخذ هنا الأغنية الوطنية خطاً يملك وضوح الفكرة التقدمية، ولكن يمضي قدماً ليعارك على الصعيد الاجتماعي وعلى الصعيد الإنساني إجمالاً، مخلصاً بذلك لفكرة التعميم الذي تميز أي عمل فني عن غيره.

لا شك أن الظروف الاجتماعية المؤاتية هي العامل الأساسي الذي يؤدي لظهور الأغنية الوطنية ويدعم وجودها، ولكن بالمقابل، فإن الأفكار الطليعية تستطيع أن توظف فناً غنائياً ناجحاً وفعالاً لنشره بين الناس، وذلك لفك المكنونات، ولإحياء الآمال التي هي محرك الحياة، وإطلاق الأحلام التي هي ملحها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
385