_

يوم آخر للموسيقى الرديئة!!

لم نكتف بما يورّد إلينا يومياً من أفكار ومفاهيم وصيغ جاهزة حتى استوردنا مؤخراً يوماً للموسيقى اخترعه الفرنسيون منذ سنوات عدة وجعلناه يومين بدل اليوم الواحد، وإذا كانت الموسيقى تحتاج فعلاً، إلى عيد للاحتفال بها فنحن نحتاج إلى فتح المجال أمام فنّانينا لإبراز إبداعاتهم بما يعبر عن خصوصيتنا وتراثنا الموسيقي. ولسنا بحاجة إلى التقليد الأعمى للصيغ والكليشيهات المصنّعة بالنسبة لنا والتي هي في بلاد منشئها تعبير عن حالة تلك البلاد.

آلة البزق كانت الاستثناء الشرقي الوحيد خلال يومين من الاحتفالات بمجموعة من الآلات المعدنية الصدئة أو التي تصدأ كما تصدأ قلوب شبان وشابات أوروبا. وغنام عازف البزق كان الصوت الوحيد بلغتنا. منطلقاً في أغانيه التي ألّفها ولحنها من واقع شبابنا، بينما اختار البقية الابتعاد عن هذا الواقع إلى حد القضية الكاملة. فهل تستطيع أيامٌ من الغرب أن تمحو نصف سعة من غناء الشرق.

بعيداً عن المستوى السيئ للمعزوفات التي قدّمت.. وبعيداً عن الرداءة الفنية.. نتساءل عن الدافع الكامن وراء حضور الكثيرين وبقائهم على المصاطب الإسمنتية حتى نهاية الحفل؟ ونلحظ أن الحضور الذي تراوح عدده بين 600 ـ 800 نفر في غالبيته العظمى من الشباب، قليلون منهم المعتادون على حضور الحفلات الموسيقية ورغم زيادة عددهم في اليوم الثاني عن عددهم في اليوم الأول فهم لم يشكلوا نسبة كبيرة. مما يعني انخفاض نسبة الحاضرين من أجل الاستماع والاستمتاع.

فكان التفاعل بين الحضور وما هو مقدّم على الخشبة ليس أساسياً بينما كان الضجيج يعلو ويبدو التجمع بحد ذاته هو الهدف الذي قاد زوّار حديقة تشرين إلى الالتصاق بمصاطب المدرّج.

وأصبح الجمهور مشاركاً لا بالتواصل مع الموسيقى بل في الابتعاد تماماً عن الاهتمام بها وهؤلاء شكلوا القسم الأول من الحضور بينما شكل القسم الثاني مجموعات من الشباب دون سن العشرين يدخلون المدرج في حالة استعراضية يميزهم ارتداء معظمهم (تي شيرت) أسود مطلوس بالكتابات الغربية ورسوم الجماجم، رافعين أيديهم التي ترسم بالسبابة والخنصر الشارة المتعارف عليها بينهم كنمط من التعريف عن أنفسهم.. إنهم (الميتالجية) (الميتال هو نوع من الموسيقى الصاخبة).. ولم يقف الأمر عند هذا الحد نما أمتد إلى أشكال من ممارسات طقوسية تتم عادة في أماكن مغلقة أشبه بطقوس عبدة الشيطان.

وإذا كنا نريد الابتعاد عن وضع أنفسنا في موقع إدانة هؤلاء الشباب، نقول أن الحالة التي اختاروها لأنفسهم ما هي، وما هم إلاّ نتيجة لحالة الاغتراب التي يعيشها عموماً أبناء هذا الجيل، إنها التعبير الأكثر تشوّهاً عن فقدان الإيمان بإمكانية الخروج من حالة التهميش فلا يجدون تعبيراً عن إنسانيتهم إلا بهذه الأشكال، فما عادت معتقدات الماضي تمنحهم الثقة بالمستقبل. وما عادوا اليوم يجدون أنفسهم في الشعارات والأفكار التي فرّغت تدريجياً من محتواها الإنساني (الإنساني الذي هو ما بداخلهم) ليسود الخواء الروحي والفكري ويسيطر فيسلخهم نهائياً عن واقعهم، ولا يبقى لهم إلا الضجيج وطقوسه.. عالم خاص لهم وبدلاً عن ضجيج آلات المعامل التي يعمل بها آباؤهم. تُكرس عزلتهم، ويكرس تهميشهم، شخصيتهم، طموحهم، وتأتي ردة الفعل رفضاً لكل شيء.. ولوجاً أكبر في الحيز الفارغ.. ويعيشون.

ولا يختلف القسم الأول من الحضور، والذي يشكل الفئة الأكبر عن هؤلاء الشباب بما يتعلق بحالة الاغتراب فهؤلاء أيضاً يعيشون تهميشهم بأشكال أخرى تناسبهم، فتحولوا في الحفل كما هم في الحياة إلى كتلة بشرية صماء غير مشاركة، لا تعرف ما الذي تستقبله مما يقدم لها على الخشبة وفي نفس الوقت لا ترفضه فتغادر المكان. ويبقى لسان حالها حتى نهاية الاحتفال.. ماذا تقول لنا أغانيهم؟ ماذا يقول لنا هؤلاء الذين لم يتعلموا الغناء؟ إنه الإفلاس.

 

إذا كان لابد من يوم للموسيقى فنرجوكم.. خذوا اليوم ودعوا لنا الموسيقى..

معلومات إضافية

العدد رقم:
153