_

ريم حنا: أحن إلى اليسار... 

 ■ «ذكريات الزمن القادم».. حنين لأيام ذهبت.

■ الخلاص الفردي شعار أيامنا هذه

■ «مطر» محاولة لصياغة «ميستوفيليس» هذا الزمن

من «مذكرات عائلة» مروراً بـ«الفصول الأربعة»، وصولاً إلى ذكريات الزمن القادم الذي أثار الكثير من الأسئلة وغيرها الكثير من الأعمال، يبرز اسم الكاتبة والسيناريست ريم حنا من بين أسماء الكثير من كتاب الدراما هذه الأيام، يظهر بوضوح ككاتبة استطاعت أن تثبت حضورها بقوة على الساحة الفنية، وأن تفرد مفردات مشروعها بوضوح، بعد شهر رمضاني حافل بالأعمال، أثبت ذكريات الزمن القادم ودراما ريم حنا أن تثبت قوتها أمام فيض من المسلسلات المتنوعة، وأثار أسئلة واختلفت التقييمات، وهذا إن دل فإنما يدل على الأثر الكبير والجماهيرية التي نالها العمل، عن هذا العمل، وعن الدراما السورية التقت «قاسيون» ريم حنا:

■ تشبه بعض الشخصيات في المسلسل الكثير من الشخصيات الروائية المعروفة، خاصة وديع فهي تشبه إلى حد كبير شخصية المجرم المثقف في روايات دستيوفسكي على سبيل المثال، فهل هناك قصدية من وراء ذلك؟

●● هناك بعض التفاصيل التي تتسلل إلى اللاوعي، وربما كانت بعض الشخصيات التي رسمتها داخل العمل تشبه بعض الشخصيات الروائية المشهورة، إلاّ أن الشخصية التي كنت أحاول االاشتغال عليها منذ البداية هي شخصية فاوست، فكانت أمام عيني معظم الوقت، فشخصية مطر هي محاولة لإعادة صياغة لمستوفيليس معاصر، أما وديع فهو حتى أنني ذكرت في أحد المشاهد على لسان وديع (عبد المنعم عمايري) جملة حرفية من حوار لمستوفيليس مع فاوست، إلاّ أنها حذفت لاحقاً، وأعتقد أن للمخرج رؤية من وراء ذلك، ما أردت قوله من خلال محاولة إعادة صياغة شخصية فاوست، ان مطر يدرك أفعاله، وأنه يستند في أفعاله على المعرفة في خدمة الشر، فهو استخدام الذهني على مستوى واقعي، ولم يكن اختيار مطر لوديع تحديداً عبثاً، بل كان لإدراكه أنه الأداة الأذكى والأمثل ليقوم بتنفيذ أفعال، خاصة بعد معرفته أنه يقرأ ماكيافيلي وابن خلدون فكان الخيار الأمثل كونه يمتلك المقومات التي تصنع عادة الجريمة، سواءً كانت الجريمة الذكية أو العفوية، وهي جملة أخرى وردت على لسان وديع، وهو تصنيف أورده ألبير كامو، فالجريمة العفوية هي تلك التي يقوم بها هيثكلف في «مرتفعات ويذرنغ»، أما الجريمة الذكية فهي تلك التي يقوم بإداراتها وتصنيعها (صناع الحروب) في الخفاء دون أن يتركوا ممسكاً عليهم، فنحن لا نستطيع أن نمسك على مطر أي شيء في الجريمة الكاملة، رغم أن كل الأصابع تشير إليه، إلأّ أنه استطاع من الناحية القانونية أن يجد المنافذ المناسبة.

■ اتهمك كثيرون أنك قضيت على الأوهام الجميلة التي كانوا يعيشونها في خلال فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كما أنك أجهزت على الأوهام القادمة؟

●● إذا كان من يتهمني يريد أن يبقى في هذه الأوهام فأنا أعتذر منهم بشدة، لأنني دمرت هذا الوهم، لكنني أضيف أيضاً أنني كنت من هذا الجيل جيل وهم السعادة، جيل صدق كذبات كبيرة، إلاّ أنني أعرف أيضاً أن  الجيل القادم لا يستطيع حتى أن يطال وهم السعادة.

■ هل هناك حنين متقصد في كتابة هذا المسلسل؟ 

●● الكثير من الحنين لأيام ولت.

■ هل تورطت بنقد تلك المرحلة.

●● ربما ليس نقداً بالمعنى الصرف للكلمة، لنقل أنها مقارنة نقدية لأربعة عقود، فالأمر ليس بهذه البساطة، سأحكي القصة من البداية، عندما بدأت بكتابة أحداث المسلسل كانت الأحداث تبدأ قبل الانتفاضة لكن دخول  حرب العراق جعلتني اقوم بقفزة زمنية استبق فيها بعض الأحداث،  وقمت بجعل أحداث الانتفاضة كخلفية للأحداث حتى نصل إلى الحرب على العراق، فبدأ العمل بحديث عن الانتفاضة، وانتهى بأن تحولت الانتفاضة إلى قضية جانبية وكاد أن ينساها الناس لينشغلوا ببلد آخر يستلب أمام أعيننا وهو العراق. فإذا أجرينا مقارنة بسيطة كيف انشغل العالم بهاتين القضيتين العالميتين  خلال الزمن الممتد الذي يعالجه العمل، سنجد الاختلاف الكبير بين المرحلة السابقة وما يحدث الآن. من خلال مشاهداتي على المستوى الواقعي والإعلامي، نجد أنه منذ انهيار سور برلين وغياب الاتحاد السوفيتي انهارت الكثير من الأحلام، وتراجعت وظهرت الكثير من الخيبات، كما حلت تيارات جديدة  -لا أريد تسميتها- وازدادت قوة على حساب المد اليساري السابق، وأنا واحدة من الناس الذين ينتمون إلى هذا المد القديم وأحن إليه من دون انتماء أو تنظيم. من الأسئلة التي وضعتها خلال هذه المقارنة سؤال هام: ما الذي يدفع برجل يعيش في اليابان خلال السبعينات والثمانينات أن يترك كل ما لديه ليأتي إلى منطقتنا ويدافع عن قضايانا ليعتقل أو يستشهد، سوى الدفاع عن قضية إنسانية عادلة، أما اليوم فالدفاع عن القضايا أخذ منحىً آخر تماماً، فهي إما حالة خلاص فردي أو أنها حالة انتماء ديني أو عرقي أو إثني إلى آخرى من الانتماءات الصغيرة والمجزأة، فلم تعد القضية قضية إنسان بل تحولت إلى قضية أصبح الإنسان فيها بهويات متعددة أو بلا هوية، اختلف مفهوم الدفاع عن القضايا الكبيرة ومفهوم الصراع، اختلف كل ما حولنا. كأن إنسانيتنا سلبت منا.

■ هل تشعرين أنك تورطت بنقد تلك المرحلة وكأنك أردت أن تكتبي بحنين عن مرحلة لا تزال جميلة بذاكرتك لتنجرين بعيداً ووجدت أنك تنقدين كل تلك الأفكار والقيم؟

●● لا أبداً. 

■ عن سبق إصرار وتصميم؟

●● طبعاً في الكتابة يستطيع الكاتب أن يمحو الجُمل ويعيد خلقها من جديد. كنا نعيش أوهاماً وصدقناها. أنا أقدم عملاً يخاطب شرائح مختلفة وفئات عمرية مختلفة سبق أن قلت لك إننا كنا نعيش أوهاماً وصدقناها، وأنا قلت لك إنني آسف على تلك الايام وأتمنى أن تعود، لكن الحقائق كشفت، وربما في عقلي الباطن أتمنى أن تعود بمعنى أن تبقى أوهاماً.

■ من هي الشخصية التي تدفع إلى الفعل أو المحرض على الفعل في «ذكريات الزمن القادم»  هل هي مطر أم عبلة كندة؟ 

●● المحرك للأحداث ليس أياً منهم. فقد كانت في ذهني فكرة منظمة تبعتها طوال العمل، قد تكون فكرة ذهنية وهي مطر. مطر شخص يأتي من الخارج بعد غياب 20 سنة، شخص يكتنفه الغموض فاقد لهويته وجنسيته. فكرة تمثل بشكل أو بآخر النظام العالمي الجديد، وكانت هذه الفكرة هي المحرك الأساسي لأفعال مطر وبالتالي الشخصيات. فشخصية مطر كانت محاولة لنمذجة النظام العالمي الجديد. عادة ما تكون آليات هذه الأنظمة منظمة ومدروسة وباردة، وقد أخذ البعض على مطر أنه لا يمتلك صراعا داخلياً، أنا أرى عكس ذلك تماماً، فالذي رأى مطر بهذا الشكل رآه من خلال جزئياته وليس ككل. فمطر كان شخصاً متلوناً شديد الذكاء وقد استطاع جمال سليمان أن يغنيه بأدائه، إلاّ أن مطر كممثل لهذا الجهاز أو هذا النظام الذي تحدثت عنه يجب أن يتحرك بهذا الشكل، إنه جهاز بارد منظم دارس لكل خطوة يقوم بها، وقد جاء إلى مجتمع يعاني من هزائم ويأس وعلى حافة الإنهيار، جاء بتوقيت مدروس للغاية. شخصيات العمل تمثل صورة مصغرة لمجتمع، كانت مهمة مطر محاولة للإمعان بتدميره وتدمير تاريخه، وأنا لم أتركه ينجح في محاولاته بل باءت كل محاولاته بالفشل. لكنني قمت بنقله إلى فضاء آخر، هو العراق. ربما هي صيغة تمنى أن يفشل ممثل مطرالواقعي.. لكن النظام العالمي الجديد إن فشل فسيحاول في مناطق أخرى وأعتقد ان بنية وتركيبة مجتمعنا لا تنطبق عليها آلية هذا النظام. هدف هذا النظام ليس بلداً بعينه، بل هو العالم ككل. ومن هنا كانت شخصية مطر أكثر شخصية مدروسة وأعتقد أنني استطعت كتابتها من لحم ودم بالرغم من أنها شخصية ذهنية.

■ أخذ البعض على شخصية مطر أنه نموذج قادم من الخارج بالرغم من أن هناك شخصيات واقعية من نسيج المجتمع خضعت لذات التحولات التي خضعت لها شخصية مطر ؟

●● ربما كان نوعاً من الهروب لأنني أريد أن أتحدث عن حالة عامة ولا أريد أن أتحدث عن حالة أو شخص بعينه، وأردت  أن أجسد هذا النموذج في الدراما.

■ ما هي علاقتك بالنقد؟

●● أحترم العملية النقدية وأحترم وجهات النظر التي تخرج عن قراءة العمل نقدياً وأنظر إليها على أنها عملية منفصلة عن العمل الفني، إلاّ أنني كثيراً ما أفاجأ بقراءات غريبة عما أكتب، من حق الجميع أن يخلص بقراءاته الخاصة، إلاّ أن هذه القراءة يجب أن ترتكز على مفردات واضحة من العمل لا أن تقفز  إلى نتائج من دون أسس موضوعية.

■ إللام تَعزين تراجع تسويق الأعمال التلفزيونية السورية؟

●● ربما اسباب سياسية، ثمن يدفع مقابل مواقف سياسية، بشكل غير مباشر.

■ إلى أين ترين أن الدراما السورية تسير؟ 

●● سبق أن سئلت كثيراً هذا السؤال وكنت أجيب بثقة مفرطة أن الدراما ستتابع طريقها، ولكنني لا أعرف إن كنت أستطيع أن أجيب بنفس الثقة، لأن الدراما دخلت في متاهة الكثير من الحسابات غير الفنية، الصورة الآن غائمة. وأنا لا أعرف إن كنت سأتابع الكتابة أم لا.

■ أليس هناك أي مشروع جديد؟

●● كان هناك مشروع لكنني لا أعرف إن كنت سأتابع فيه أم لا .

 

■ أجرى اللقاء: عمرو سواح