نزار عادلة ـ التغيير والإصلاح ...إصلاح ما أفسد خلال الحقب الماضية وخصوصاً الحقبة الأخيرة التي وصل فيها الاقتصاد السوفييتي إلى درجة كبيرة من التدني والانهيار الأمر الذي كان يتردد بشكل يومي في أوساط الحزب والنقابات بأن معدل النمو الاقتصادي قد وصل في السنوات الأخيرة ما قبل غورباتشوف إلى درجة الصفر وهو الأمر اللذي كان ينشر في وسائل الإعلام بأن الاتحاد السوفييتي كان يستهلك ثروته المالية والطبيعية بدلاً من تنمية هذه المصادر وزيادتها .
وقد بدأ غورباتشوف بكشف الأخطاء والقصور في البناء الاقتصادي وكشف الفساد والمناداة باقتصاد السوق وتشجيع القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات الأجنبية على الدخول إلى روسيا وبدأت سلسلة من الإجراءات أبرزها تحرير الأسعار وإصلاح نقدي مالي وتصفية القطاع العام وصدرت في هذا السياق آلاف القوانين والتشريعات.
كان غورباتشوف أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي ورئيساً للدولة كان صاحب قرار سياسي وكان يعرف ما يريد كيف يبدأ وأين ينتهي هو والاتحاد السوفييتي يعرف ما هي النتائج السياسية والاقتصادية وما هو هدف سياسة البيروستريكا التي وضع برنامجها ودعائمها بعكس ما قاله بوريس يلتسين في مذكراته عن الانقلاب الذي حدث ضد غورباتشوف شيء مذهل حدث شيء ما كنت أصدق أنا نفسي أنه يمكن أن يحدث فبين عشية وضحاها ظهرت روسيا جديدة مكان الاتحاد السوفييتي على الساحة السياسية الدولية
يلتسين كان يخادع نفسه في هذا الرأي بأن انقلاباً حدث ليعطي لنفسه صورة البطل بقيام روسيا يلتسين وما زالت تأثيرات هذا الانقلاب على كافة الأصعدة الدولية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ترخي بظلالها وتفاعلاتها وتقترب المسافة هنا بين ما حدث في الاتحاد السوفييتي غورباتشوف وما يحدث في سورية برئاسة رئيس الفريق الاقتصادي عبدالله الدردري رغم الفروقات الجغرافية والإيديولوجية والاجتماعية التطورات والتغيرات التي حدثت في الاتحاد السوفييتي جاءت من صلب الحزب منسجمة ومنسقة ومؤيدة من القواعد وهدفها في الظاهر والتغيير والإصلاح والديمقراطية واستطاع غورباتشوف تجاوز الصعوبات التي اعترضت طريقه وأبرزها اصطدامه مع أصحاب النفوذ من الحزب ومع الفئات البيروقراطية المستفيدة من الاشتراكية ومن القطاع العام وخشيت ضرب مكاسبها وتقليص نفوذها وقد استطاع غورباتشوف أن يطمئن هذه الفئات على مصالحها والتطورات التي تحدث الآن في سورية منذ تبني اقتصاد السوق وسياسة التغيير والإصلاح هي من صلب الحزب أيضا ولكن بإرادة حزبية هدفها في الظاهر الإصلاح والتغيير والديمقراطية ولكن إذا كان الظاهر ظاهراً فإن الباطن ليس باطناً .
تخلي عن قطاعات اقتصادية تدر أرباحاً تقدر بعشرات المليارات من الليرات السورية كمؤسسة الاتصالات ومرافئ طرطوس واللاذقية وشركات الإسمنت والمياه والكهرباء تصفية القطاع العام من خلال عدم التوسع في استثماراته وعدم التطوير والتحديث وتركه عرضة لمشاكله القانونية والإدارية وقد كان إجراءاً ذكياً من قبل عبدالله الدردري وفريقه الاقتصادي وهو الذي عرف بهدوئه وذكائه وقدرته على الإقناع حيث اتخذ قبل عامين قرارات بعرض بعض الشركات للاستثمار كالحديد والإسمنت والأحذية وفوجئ بمعارضة كبيرة من قبل النقابات والعمال وقيادات حزبية وتم التهديد بالنزول إلى الشارع وقد تم التراجع عن هذا الرأي ولكن تركت شركات القطاع العام تنهار واحدة بعد أخرى دون حلول وفي هذا السياق رصد 9 مليارات للاستبدال والتجديد ولم تتم الموافقة سوى على اقل من مليار وهذا الواقع أدى ويؤدي إلى نهاية الشركات والآن هناك دفاتر شروط الشركات الكبرى والتي ستطرح للاستثمار بعد انهيارها ولن تجد معارضة كالمعارضة التي حدثت مع طرح الحديد والاسمنت
تحرير قطاع الطاقة الذي يتحدث عنه الدردري في كافة لقاءاته ووصل إلى نهايته.
البطالة التي وصلت إلى درجة غير معقولة والسيطرة عليها شبه مستحيلة نتيجة التزايد السكاني والتراجع في النمو الاقتصادي ووقف التعيين التراجع في الخدمات الصحية والتعليمية وسحب المكاسب العمالية خطوة خطوة.
الأسعار التي تشهدها السوق السورية والتي طالت كافة المواد وتلجأ الحكومة إلى رفع الأسعار من أجل تمويل الزيادات التي حدثت على الرواتب في السنوات الماضية مع تحرير الأسعار تدريجياً والانضمام إلى منطقة التجارة الحرة العربية والرغبة الجامحة في الشراكة مع أوربا ومع منظمة التجارة العالمية .
وشكلت ظاهرة التفاوت الطبقي في سورية إحدى المظاهر الصارخة لليبرالية السورية من خلال الرأسمالية الطفيلية التي نهبت القطاع العام خلال سنوات طويلة واستفادت الآن وتستفيد من تحول سورية إلى اقتصاد السوق بطريقة مختلفة وكونت ثروات طائلة على حساب الفقراء وهي الآن تراكم هذه الثروات وهي مؤيد بيروستريكا الدردري.
كل هذه الإجراءات والتغييرات التي جرت في سورية تمت دون إعادة النظر بفكر الحزب القائد ومنطلقاته ومبادئه أو إعادة النظر بفكر الحزب القائد ومنطلقاته ومبادئه أو إعادة النظر بالدستور والذي يقول بالاشتراكية ولكن يجري الحديث الدائم عن الإصلاح السياسي والمقصود بالإصلاح السياسي إصلاح بنية الحزب وأحزاب الجبهة الأخرى المتحالفة مع حزب البعث تماشياً مع المتغيرات الاقتصادية والدولية .
حمل غورباتشوف ويلتسين من بعده مرحلة الشيوعية بقياداتها وإيديولوجياتها مسؤولية الفساد وضعف النمو وعدم تحقيق الازدهار والخراب وانعدام الديمقراطية وبرر البروستريكا والتغيرات والإصلاحات ويبرر الآن عبد الله الدردري كافة المتغيرات الاقتصادية التي تجري في سورية قائلاً في لقاءه مع الصحفيين:
"لقد ذقنا الأمرين وعانينا في المرحلة السابقة مهمتنا كانت كتسلق الجبال وقال في لقاءه مع مجلس اتحاد العمال في تشرين الأول الماضي "الاقتصاد السوري كان متجهاً نحو كارثة حقيقية" أين كنا وأين اصبحنا "هل يمكن أن يأتي مستثمر ويستثمر والحكومة هي التي تحدد وتراقب وقوانين العمل والتأمينات بحاجة إلى إصلاح كيف يستثمر أي إنسان وهو مجرد من الحماية ولا يستطيع إخراج أمواله ورد عليه نائب رئيس اتحاد العمال قائلاً "إن الديموغاجية التي يمارسها الفريق الاقتصادي واضحة حيث أصبحت الخطة الخمسية العاشرة خطة للتحول نحو الخصخصة واقتصاد السوق الحر وإقصاء الدولة عن دورها في الحياة الاقتصادية والقضاء على كل أدوات تدخل الدولة وأضاف نائب رئيس الاتحاد "إن بعض إجراءات الحكومة ما يدل على التخلي عن التحالفات الاجتماعية مع العمال والفلاحين وبدء تحالفات جديدة مع طبقات اجتماعية أخرى
لم يستطع الرد النائب الاقتصادي السوري ولكنه تحدث عن الرفاه الاجتماعي الذي سيتم في سورية بعد 15 عاماً وعن هجوم الاستثمارات العربية والأجنبية على سورية وعن تكاليف المعيشة مشيراً إلى أن البطالة سوف تتناقص والرفاه قادم مبشراً بحزمة من القرارات الهامة وهنا أسئلة عديدة تطرح نفسها :
ما هو الرفاه ؟
هل إطعام الفقراء رفاه ومليونين جائع في سورية !!
هل إيجاد عمل رفاه عام ؟؟
هل تأمين مازوت للتدفئة رفاه عام
هل تأمين طبابة وتعليم رفاه عام
إنها من صلب واجبات الدولة ويواجه عبد الله الدردري بسيل من التساؤلات:
كيف لبلد أن يواجه التحديات وأن يعتمد على قوى السوق في بناء اقتصادي وأن يلقي جانباً أحد أهم الأسلحة التي يملكها في مواجهة هذه الضغوط وهو القطاع العام وتساؤلات وتساؤلات ..ولكن البيروستريكا تشق طريقها والدردري صحيح أنه ليس صاحب قرار كما كان غورباتشوف ولكنه يزين القرار للقيادة ويمتلك موهبة قل نظيرها والتساؤلات أصبحت من قبل الأكثرية قواعد وقيادات "علينا أن نسير بخطى مدروسة أكثر وهذا هو ما يعمل عليه عبد الله الدردري .
واجه مصطلح اقتصاد السوق استقطاباً حاداً بين تيارين:
الأول ويضم قوى اليسار من أحزاب ونقابات تريد إصلاح اقتصادي وإداري وتنطلق من ثوابت المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في دعم القطاع العام ومواصلة الدعم الاجتماعي
الثاني :ممثلاص ببعض رموز الحكومة ورموز من احزاب أخرى عملت وتعمل على نسف الأسس التي قام عليها الاقتصاد السوري وبدافع ثأري من كافة التحولات التي جرت في سورية منذ تسلم حزب البعث للسلطة عام 1963 ويشير د منير الحمش وهو بعثي في حوار الطاولة المستديرة الذي نظمته الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية بدمشق في 14-7-2009 بمشاركة 17 باحثاً اقتصادياً بما يلي دعاة الليبرالية الجديدة عدوا قرار مؤتمر الحزب انتصاراً خاصة لكونهم يتسلمون مراكز هامة في إدارة الاقتصاد الوطني فعملوا على تكريس السياسة الانفتاحية ونادوا بالاندماج مع الاقتصاد العالمي والعولمة وتحرير الأسعار والتجارة الخارجية وتخفيض الضرائب على الرساميل والأرباح مدعين أن هذه السياسات هي التي تمثل جوهر اقتصاد السوق الاجتماعي الذي اقرته القيادة السياسية للبلاد.
ويكشف حقيقة السياسات الاقتصادية في سورية أحد الكتاب الاقتصاديين في مجلة نيوزويك الامريكية في طبعتها العربية الصادرة في 15-5-2007 في مقال بعنوان "على صورة أميركا" وفي هذا المقال يركز الكاتب على التحولات الاقتصادية في سورية تاتي في اتجاه صيغة إجماع واشنطن تلك الصيغة التي تسهل بشكل أساسي للتجارة الحرة والضرائب المنخفضة على راس المال والخصخصة كطريق لنجاح اقتصادي ويقول الكاتب :
على الرغم من أن علاقات واشنطن مع دمشق متوترة لكن ليس لديها خلاف مع غجماع واشنطن ومن هذا المنطلق فتحت سورية اقتصادها على مصراعيه ...ليبرالي جديد" كما يقول الكاتب :
"إن هذا التحول يجري بالرغم مما يلقاه البرنامج الليبرالي الاقتصادي الجديد من أوقات عصيبة فلم تتحول روسيا وأميركا الجنوبية وجنوب شرق آسية عنه فحسب بل إن الولايات المتحدة أخذت تزيد من النفقات العامة وتقلص التجارة الحرة في وقت تتوسع فيه سيطرة الحماية دولياً.
ولهذا فإن الكاتب يضع عنوان فرعي "حتى واشنطن لم تعد تحض على تبني إجماع واشنطن لكن الشرق الأوسط لحق بالركب أخيراً ويركز الكاتب على دور سورية في هذا التحول ويعتبر النجاح السوري يتردد صداه في تغيير شامل يمتد من الغرب إلى إيران .
سورية اليوم تقف عند مفترق طرق وهذا المفترق وقفت عنده مصر قبل سنوات اشارت إليه مجلة أوراق اشتراكية في العدد السابع 2004 بثلاثة مشاريع .
مشروع الليبرالية الجديدة تحديث النهب وتعميقه ويدعو إلى جراحة اقتصادية تقطع لحم الفقراء ولكنه في الوقت ذاته يعطي ألف عذر للتلكؤ في إجراء أي جراحة سياسية حاملو المشروع رجال أعمال احتكاريون ركبو عربة لجنة السياسات ليدخلو مباشرة دون الحاجة إلى الديمقراطية إلى السلطة ويديروا شؤون الدولة والاقتصاد بما يحمي مصالحهم ومصالح امبراطورياتهم المالية ووجهة نظر الليبرالية الجديدة فيما حدث ويحدث هو أن مازق الرأسمالية والسلطة في مصر يكمن ببساطة في التردد والمراوغة التي وسمت السلطة طوال سنوات الثمانينات والتسعينات بين الليبرالية الجديدة وبين مخلفات الماضي الاشتراكي
قيادة الحزب في سورية تطمئن قواعد الحزب والنقابات وجموع الفقراء بأن القطاع العام باقي وهو ضمانة الدولة والشعب وأن اقتصاد السوق الاجتماعي هو صلب الاشتراكية في حين يتحدث الفريق الاقتصادي عن الليبرالية الجديدة وعن رأسمالية السوق الحرة ويشير عبدالله الدردري إلى ذلك بأن مهمتنا صعبة كتسلق الجبال.
المشروع الثاني الذي واجه ...هو مشروع التغيير الجذري بما يتضمنه من آفاق للثورة السياسية والاجتماعية وهذا المشروع تقريباً بلا صاحب ومعنى بلا صاحب عدم وجود قوة سياسية ذات شأن تسهر عليه وتناضل من أجل تحقيقه فباستثناء مجموعات سياسية صغيرة الحجم والتأثير وهذا ينطبق على سورية أيضاً أمام انكفاء المعارضة وعدم وجود أي مشروع بين ايديها
اما المشروع الثالث للتغيير فهو البين بين أو مشروع الترقيع السياسي والإصلاحي والاجتماعي وهو في سورية مشروع اقتصاد السوق الاجتماعي أي إمساك العصا من منتصفها.
الفريق الحكومي الاقتصادي في سورية يسابق الزمن وهو يعلم أن ادواته قديمة لذلك فهو يقدم الليبرالية جرعة بعد جرعة ويزين هذه الجرعات لقيادة الحزب وقيادة الحزب تطمئن قواعدها بالأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وخطوط الاصطفاف في سورية الآن أعقد من ثنائية سلطة ومعارضة خارج السلطة المعارضة تتجلى الأن في أوساط حزب البعث وأحزاب الجبهة وهي تنقسم إلى عدة تيارات تيار يدافع عن مرحلة التوجه إلى الطريق الاشتراكي وعن القطاع العام، لأن هذه القوى لها مصالح في الإبقاء عليه كبقرة حلوب من اجل استمرار استنزافه وقوى هذا التيار في السلطة نقابات وإدارارت.
التيار الآخر لديه أوهام حول إمكانية الليبرالية الجديدة بتقديم حلول تقدمية اجتماعية اشتراكية.
تيار آخر يؤمن ويعمل على تحطيم كل ما تحقق في سورية ويعمل هذا التيار على الإمساك بكل المفاتيح الاقتصادية ومن ثم السياسية بصبر وهدوء وفي كل الأحوال سورية مستهدفة الآن ولكن تحت ستار تحرير الاقتصاد.
كلنا شركاء