فرانسوا شينيه* ـ قليلاً بعد إفلاس بنك الاستثمار "ليمان براذرز Lehman Brothers" في أيلول/سبتمبر 2008، أضحت الفكرة القائلة بأنّنا نعيش "أخطر أزمةٍ منذ ثلاثينات القرن الماضي" أمراً شائعاً. فقد اكتسحت مرجعيّة العام 1929 الخطاب السياسي؛ ولهدفٍ محدّد. فالرجوع بعد سنواتٍ طويلة إلى الحديث عن أزمةٍ لم يتسنّى للكثيرين التمحّص في أسبابها، ولو أنّ ذكراها ما تزال ماثلة في الذاكرة الشعبية، من شأنه أن يساعد في إقفال باب البحث في الأسباب. فقد منحت على الأخصّ ميّزة تقديم وتبرير، على أنّها عِلاجات "لا مفرّ منها"، لسياساتٍ قامت على إنقاذ المصارف المتعثّرة بواسطة المال العام وعلى إقراض الشركات الكبرى بشكلٍ واسع، لكن أيضاً على تسريح موظّفين بشكلٍ كبير ومُعلَن مُسبقاً. ومرّة أخرى كان المطلوب هو "التكيّف".
ومع ذلك، فإنّ ما حدث من شهر آب/أغسطس العام 2007 إلى شهر أيلول/سبتمبر العام 2008، هو أنّ معظم علماء الاقتصاد الذين تمّت دعوتهم للإدلاء بآرائهم في وسائل الإعلام، قد قلّلوا من خطورة الانهيار المالي ونفوا إمكانيّة أن تُفضي إلى حال انكماشٍ اقتصاديّ بهذا الحجم الكبير. وفيما بعد، راحوا يكيّفون خطابهم قليلاً، حريصون في معظم الأحيان على تحاشي ذكر أزمة العام 1929. وما يتبيّن من سيل الكتب التي ظهرت في النصف الأوّل من العام 2009 [1]، هو أنّ أكثر المخاوف جدّيةً كانت من النوع الجيوسياسيّ: مثل الموقع الذي ستحتلّه الصين والدور المتوقّع لها، وتقهقر الولايات المتحدة النسبي، وتقهقر أوروبا الحتمي والبديهيّ. أمّا فيما تبقّى فإنّ الاقتصاد العالمي، وبواسطة بعض التدابير الإصلاحية للنظام المالي، يمكنه أن ينطلِق بالإجمال مجدّداً، وعلى الأسس نفسها التي كانت قائمة من قبل. لكن موقف ميشال أغلييتا وساندرا ريغو كان مختلفاً، إنّما لكي يدعوان إلى تحمّل المستثمرين الماليين المؤسّساتيين مسؤولياتهم؛ فهما يطالباهم أن يتخلّوا عن "منطق قيمة الأسهم". في حين يدعو أندريه أورليان، الذي لا يسير وراء هذه الأوهام، إلى إعادة فرض حواجزٍ رادِعة على انتقال الرساميل. وحده فريديريك لوردون يفكّر على الدوام في الأضرار الإنسانيّة التي نتجت عن الأزمة.
وقد جاء ضخّ المبالغ الهائلة من أجل إنقاذ المصارف أو الشركات الكبيرة في الولايات المتحدة، بالتلازم مع قدرة الاقتصادَين الصيني والهندي على احتمال الصدمة، لكي يحدّ للوهلة الأولى من حجم حالة الانكماش العالمية. وبالتالي أصبح بإمكان المؤسّسات الاقتصادية العالمية أن تُعلِن إن لم نقُل انتهاء حالات التقلّب في المناخ الاقتصادي، فأقلّه عودة الانتعاش قبل الموعد المتوقّع. وبدت وكأنّها تُعطي حقّاً لكلّ الذين ادّعوا أنّ الأزمة لا تتطلّب سوى بعض التدابير التي يمكن البحث بهدوء في طبيعتها وحجمها. وهذا ما عكسه بقوّة الكتاب الذي نشره "منتدى الاقتصاديين le Club des Economistes"، وهو منتدى يجمع الكثيرين، عدا علماء الاقتصاد من "مدرسة التنظيم régulation" الذين اختاروا ألاّ يشاركوا فيه.
وهذا الكتاب، الذي قام بتنسيق موادّه بيار دوكاس وجان-إيرفيه لورانزي، قائمٌ على التضاد بين تفسيرين. في الأوّل، الأزمة هي مرحلة كلاسيكيّة في الدورة الاقتصادية ووظيفتها على الأخص تطهيريّة. أمّا التفسير الثاني، فيقضي بأنّها تحدّد قطيعةً في حلقة النموّ الاقتصاديّ، وتؤشّر إلى ضرورة "توليد عالمٍ جديد". ولكنّ التضاد بين التفسيرَين يشكّل على الأخص إخراجاً مسرحيّاً، مع استثناءٍ واحدٍ هو تأييد بيار دوكاس للموقف الثاني.
وقد انتهى الاجتماع التاسع للمنتدى، في شهر تموز/يوليو المنصرِم، إلى إعلانٍ عبّر عن الرغبة في التمايز عن "الرؤية المُطمئِنة وغير العمليّة والخطيرة في "عالم الأعمال المعتاد business as usual". كما دعا إلى وضع "إصلاحاتٍ مؤسّساتية وإلى القيام بأعمال تنسيقٍ ضروريّة لبروز نموذجٍ جديدٍ للنموّ الاقتصادي". إلاّ أنّ الاقتراحات العشرة الملازمة للإعلان لا تُساهم أبداً في ذلك. فإذا بنا أمام خليطٍ متنافرٍ من السخافات التي تفوح منها بقوّة رائحة ضغوط عالم المال. وعليه من المُفترَض "بتعزيز القيود المصرفيّة والمالية" أن يؤدّي إلى إلغاء الاتفاقات التي تمّ التفاوض عليها مع بنك التسويات الدوليّة (BRI)، وخصوصاً اتفاق "بازل الثانيBâle II " الذي تسبّب بدفع المصارف إلى القيام بعملياتٍ خارج موازناتها، قبل أن يفاقم من العاصفة الماليّة.
ومع أنّ الأزمة ما تزال تخبّئ لنا بعض المفاجآت، فإنّ إحدى نتائجها على الأقلّ قد باتت موثوقة: وهي انتقال محور الرأسماليّة العالميّة إلى آسيا. علماً أن هذه الحركة كانت قد بدأت على نطاقٍ واسعٍ قبل العام 2007، لكن ولأنّ الولايات المتّحدة قد شكّلت نقطة المركز في الإعصار المالي، ولأنّ نظامها الانتاجي قد تلقّى صفعةً قويّة بسبب معطوبيّته السابقة، فقد تسرّع إيقاعها. وقد باتت أيّ روزنامة إنتعاشٍ عالميّ جديد، رهناً إلى حدٍّ كبير بالصين. ومن هنا حالة الانزعاج التي تعبّر عنها، كلٌّ على طريقته، الكتب التي عالجت على الأخصّ التوازنات الاقتصاديّة العالمية.
فالكتاب الأوّل، من تأليف أنطون برندر وفلورنس بيزاني، يقدّم بلباقة فائقة فرضية تحمّل الصين نصيباً من المسؤوليّة في انطلاق الإعصار، ويصِف امبراطوريّة الوسط بأنّها المدين الأوّل معنويّاً للولايات المتحدة، في حين أنّها هي دائنها أيضاً. فقد كتب للسيناريو الذي صيغ في تسعينات القرن الماضي، أنّ هذا الاقتصاد الصاعد سيلعب دور حقل تثمين رؤوس أموال صناديق التقاعد الخاصّة في الدول المتقدّمة [2]. وسيقدّر لتدفّق رساميل الاستثمار أن يتمّ من الشمال باتجاه الجنوب؛ لكنّه اتّخذ وجهةً معاكسة. وقد احتفظ براندر وبيزاني للولايات المتحدة بالدور الجيّد. فالعولمة المالية التي كانت هي مهندستها قد "ساعدت المناطق الصاعدة (آسيا، دول الخليج) في أن تراكم ادّخارات مالياً وفيراً من دون أن تتحمّل مخاطره (...). فكيف كان يُمكن لمناطقٍ ذات فائضٍ تجاريّ كبير أن تنفق أقلّ مما تكسب، لو لم تنفق دولٌ أخرى أكثر (الولايات المتّحدة، بريطانيا.. إلخ)؟
كذلك كيف كان لها أن توظّف ما عندها من سيولة لو لم تعمد الأنظمة المصرفية الغربية "إلى أخذ المجازفات المالية التي لم تأخذها المناطق الصاعدة؟". ومن هذا العرض النظريّ المتصنّع جدّاً "للشبكات العالمية لأخذ المخاطر الماليّة" تنتُج حكاية تقول بأنّ المقترضين أصحاب الرهون العقاريّة والمستهلكين الأميركيين بواسطة القروض هم تقريباً أبطالٌ، لولاهم لما تحقّقت حركة النمو الآسيوية، وعلى الأخصّ في الصين؛ وحيث كان ما يسمّى "نظام الظلّ المصرفي shadow banking system" (أي كلّ "ما هو خارج الموازنة" في حسابات الشركات المالية) هو العامل الضروري لأخذ المجازفة، والذي بالإجمال، عاد بالفائدة على العالم أجمع.
تجمع الوصفة العادية لهذه الكتب بين مضبطة اتّهام متشدّدة واقتراحات قاصرة
وبقوّة أيضاً يتمّ طرح مسألة انتقال محور الرأسماليّة العالمية إلى آسيا في كتاب باتريك آرتوس وماري-بول فيرار، وهو آخر الإصدارات في سلسلة الدراسات المثيرة التي يقدمّانها كلّ سنة إلى قرّائهما [3]. الطريقة هي دائماً نفسها؛ إذ يبدأ العمل باتّهامٍ، القصد منه سحب البساط من تحت أقدام مؤيّدي العولمة البديلة، وينتهي باقتراحات ساذجة إلى درجة الإحباط. وفيما يتعلّق بوضع الولايات المتّحدة حين بدأ باراك أوباما ولايته الرئاسيّة، جاءت الجردة على الشكل التالي: تراجعٌ كبير في التصنيع désindustrialisation نتيجة قلّة الاستثمار المزمِنة في مجال الانتاج وبسبب تغيير مراكز الانتاج بشكلٍ من الصعب العودة عنه؛ تدهورٌ كبيرٌ في البنى التحتيّة نتيجة قلّة الاستثمارات العامّة والخاصّة؛ دينٌ عام وخاصّ يلامس حدّ الإفلاس؛ عجزٌ بنيويّ في الموازنة العامّة والتجارة الخارجيّة؛ مجتمعٌ مفخّخ نتيجة عدم مساواة لا تحتمل؛ نظام حمايةٍ صحّية بدائيّ؛ ونظام تقاعدٍ مهدّدٌ بشدّة.
بحسب المؤلّفين، ليس على الولايات المتّحدة أن تلوم إلاّ نفسها. فقد حوّلت قسماً من معاملها التصنيعية إلى الخارج. ومن دون إثارة جدلٍ مباشر مع براندر وبيزاني، يسجّل الكتاب أن "60 في المئة من الواردات الآتية من دولٍ صاعدة هي من إنتاج شركاتٍ أميركية مستقرّة في هذه الدول (وهذا ما ينطبق خصوصاً على الصين حيث يعود ارتفاع الصادرات إلى الشركات الأجنبية المتمركزة فيها)". ويلاحظ آرتوس وفيرار وعن حقّ أنّ "هناك فرصةٌ ضئيلة لرؤية الشركات الأميركية الكبرى، مثل "نايك Nike" أو "هيولت-باكرد Hewlett-Packard" أو "موتورولا Motorola" التي حوّلت قدراتها الإنتاجية إلى هذه البلاد، أن تعيدها إلى الوطن". فقد اعتمدت الولايات المتّحدة نموذجاً "ثنائي الأقطاب" يشمل تخصصاً أقصى على طرفَي شبكة الانتاج: فهناك من ناحية النشاطات ذات الكفاءات العالية (الصناعة المالية، والإدارة، والبحوث والتطوير) وعلى الناحية الأخرى "الوطائف السيّئة bad jobs"، غير المدفوعة جيّداً، والمؤقّتة دون تغطية اجتماعية، والكثير منها خدمات تجاه الأفراد. وهكذا أفرغت اقتصادها من قسمٍ كبيرٍ من عناصر قوّته.
يأتي بعد ذلك، كما في كلّ مرّة، البهلوانيّة الفكريّة التي تهيّئ لها الحقيقة الباردة. وعنوان الفصل السادس من الكتاب يلخّص مجمل الهدف منه: "يجب إنقاذ الجندي أوباما". وعليه يضع على عاتق الدول ذات الاحتياطي الكبير من العملات أن "تُقرِّر، وبالرغم من "مرحلة" الرهون العقارية المخاطرة subprime وسائر الـABS (المنتجات المالية المسنّدة)، أن تجازف بالتعرّض مجدّداً للنهب من أجل المساعدة على إنعاش الاقتصاد الأميركي". فالمطلوب على الأخص من الصين أن تعتمد "سياسة متعاونة" من دون أن تطلب الكثير في المقابل.
قبل الكثيرين غيره ومنذ زمنٍ طويل، أولى أغلييتا انتباهاً خاصاً إلى الصين [4]. لكنّه في الكتاب الذي وضعه بالاشتراك مع ساندرا ريغو يبدو واثقاً: من أن القادة الصينيين سوف يفون بالتزاماتهم في مجال الإنعاش الاقتصادي، وسوف يساهمون بذلك في وضع حدٍّ لمسار الانكماش العالمي؛ إنّما عليهم أن يعتمدوا أيضاً الاجراءات الضروريّة من أجل إرساء نظام نموٍّ عالميّ يبقى محوره هو المستثمرون المؤسّساتيون في الدول ذات أنظمة التقاعد الخاصّة. فالمطلوب هو الشروع في "مرحلةٍ من بناء نوعٍ من اقتصاد سوقٍ اجتماعيّ تنظّمه الدولة"، يحوي "استثمارات ضخمة على الصعيد الاجتماعي والتربية والبنى التحتيّة وخفض التكاليف البيئيّة واقتصاد الموارد غير المتجدّدة، تتمّ متابعته على مدى عشر سنواتٍ على الأقلّ". استثمارات مرتفعة إلى درجة أنّها ستمتصّ كلّ المدخّرات المحليّة، بشكلٍ يدفع إمبراطورية الوسط إلى الاستعانة في النهاية برساميل صناديق التقاعد للدول التي تعتمد أنظمة التقاعد عبر اعتماد الرسملة. ولكنّ التغييرات السياسة التي يدعو إليها الكاتبان تبدو ضخمة، بقدر ما هي غير أكيدة. وهذا من الأسباب التي دفعت أغلييتا إلى توقّع حالة انكماشٍ طويلة الأمد وعملية انتعاشٍ تعقبها معدّلات نموّ عالميّة ضعيفة؛ إذ أنّ السبب الرئيسي الآخر هو حجم الدين الخاص وديون الدول.
ضبط عالم المال، تجديده... الوعاء لا يهمّ، طالما أن المطلوب هو استقرار النظام
لكنّ الموضوع الرئيسي الذي يعرضه الكتاب هو في مكانٍ آخر. فهو يتناول الارتداد المتوقّع للقائمين على الإدارة المالية. فأغلييتا هو واحدٌ من أولئك الذين تكهّنوا مبكّراً قبل غيرهم بإمكانية حدوث الأزمة الماليّة [5]. وتفسيراته حول عمليات التسنيد و"نظام الظلّ المصرفي" تعتبر من الأكثر وضوحاً والأكثر نقديّةً. وهو لا يبدي استعداداً لنسيان عنف الصدمة التي أعقبت إفلاس مصرف "ليمان براذرز" في أيلول/سبتمبر العام 2008، ويرى أنّه من الممكن حدوث هزّات جديدة فجائيّة. لكن عندما يقدّر الأوضاع المستقبليّة، يركّز عالِم الاقتصاد هذا على ضرورة توفير الأُسس المستقرّة في النهاية لما أسماه قبل عشر سنوات "نظام النمو المؤسّس على الأملاك régime de croissance patrimonial [6]". فبعد أن أبدى أسفه "لانحرافات الرأسمال المالي [7]"، يريد المساهمة في "تجديد عالم المال". وعليه يبدو أغلييتا بعيداً عن معارضة الليبرالية، وأكثر عن معارضة الرأسماليّة. وقد جاء كتابه ليبدّد الأوهام التي راودت بعض قرّائه في هذا المجال.
ولماذا التجديد فقط، وليس أكثر؟ ذلك لأنّ "السلطة الراجحة لأصحاب الأسهم سوف تستمرّ، ولأنّ لا أحد يريد أو يمكنه أن يعيد النظر في نظام العولمة، ولأنّ عملية التحوّل الديموغرافي لا يمكنها إلاّ أن تمنح حجماً متنامياً للمستثمرين المؤسّساتيين الذين لديهم التزامات ضمان أموال التقاعد على المدى الطويل". فمن أجل تصحيح انحرافات توزيع أموال القيمة المضافة، وهي من العوامل التي هيّأت للأزمة، لا يمكن "العودة إلى تنظيم المداخيل في إطار حوكمة شركات إدارات الأعمال في سنوات حركة النمو الفورديّة (نسبة إلى نموذج "فورد" لإنتاج السيارات)..". ففي رأي أغلييتا وريغو، إن "عقداً اجتماعيّاً جديداً يتماشى مع مواصلة نظام العولمة المالية" لا يمكنه أن يُبصر النور إلاّ إذا تولّد من أزمة صناديق التقاعد المستعدّة للاضطلاع "بمسؤولياتها الاستثمارية على المدى الطويل".
" إدخال الضرورة الديمقراطية الجذريّة بشكلٍ واسع في فضاء العلاقات الاقتصادية"
لا يتناول هذا الكتاب كثيراً مسألة التنظيم الحكومي. ويمكن تفسير هذا التحفّظ على أنّه ناتجٌ عن تقدير عدم فعاليتها الكلّيّ وعن درجة القوّة التي بلغتها صناديق التقاعد وصناديق الاستثمار. ومن هنا هذا الأمل، المتكرِّر طول الصفحات، أن يتولّد "مستثمرون صبورون"، مستعدّون لممارسة سلطتهم كمساهمين لكي يفرِضوا معايير مختلفة عن معايير القيمة السهميّة، التي تُضفي على العمل دور العنصر المتغيِّر في فيما يخصّ الأجور وهشاشة العمل. هكذا تصبح مهمّتهم هي السعي زراء أرباحٍ على المدى الطويل تتلاءم مع عمليّة تطوّرٍ موازية في الأجور الفعلية وفي الإنتاجية. وهكذا لا يطلب أغلييتا وريغو من "المستثمرين المؤسّساتيين الجدُد" شيئاً سوى أن "يضبطوا عالم المال في نظام السوق".
وهذا يفوق ما يمكن أن يقدّمه الكاتبان لهؤلاء المستثمرين من نصحٍ من أجل النجاح. فالوصايا العشرة التي صيغت يمكنها على الأرجح أن تساعد مدير أعمالٍ ما على التفكير في خيباته الأخيرة؛ إذ تبدو من باب الإدارة الرشيدة؛ لكن من الصعب أن نرى فيها أساساً لـ"عقدٍ اجتماعيٍّ جديد". وإنّه لمن المثير للاهتمام أن نعلم أن صندوق التقاعد لموظّفي ولاية كاليفورنيا (CalPERS) قد شكّل محفظةً "أكثر تماسكاً أمام الأزمة" بالمقارنة مع كثيرين غيره، لكنّنا لن نجِد في هذا الكتاب أي تحقيقٍ عن تواجد ممثّلين نقابيين في مجالس إدارة صناديق التقاعد [8]. ففي حالة الولايات المتحدة، قد يفترِض قيام "عقدٍ اجتماعيٍ جديد" مثلاً إمكانية منع الشركات من أن تفرِض على موظّفيها إلزاميّأً توظيف جزءٍ من أجورهم في برامج ادّخار للتقاعد بدل الحقّ في تقاعدٍ حقيقيّ يقوم على التوزيع بين الأجيال. ولا يمكن إدراك كيفيّة حدوث ذلك في ظلّ علاقات سياسيّة بين الرأسمال والعمل لا تصِل إلى ما كان قائماً في حقبة "العقد الجديد New Deal" (الذي اعتمد بعد أزمة الثلاثينات في الولايات المتحدة). والتنازلات التي اضطرّت نقابة العمّال في قطاع صناعة السيارات (United Auto Workers, UAW) إلى القبول بها، متخليّةً عن حقوقٍ في التقاعد والأجور التشغيل في إطار خطط انقاذ هذا القطاع، يمكن أن تساعد في تقدير كم نحن بعيدون عن ذلك. فما وراء الشطارة التقنيّة الرفيعة في تعقيدات عالم المال، تبدو توصيات أغلييتا وريغو أقرب للأمنيات الروحانيّة.
وهذا ما يجعلك تتعزّى عندما تفتح الكتاب الأخير الذي ألّفه فريديريك لوردون. فالكاتب يشاطر عمال "كونتي Conti" وسائر عمال شركة "كاتربيلر Caterpillar" أو "سيلانيز Celanese" أو "مولكس Molex" غضبهم. وحتّى وإن كان يعتقِد أنّ الخروج من الرأسماليّة "ليس بدرجةٍ أولى هو المخرج المحتمل من الأزمة"، إلاّ أنّها " تشكّل بكل بساطة إحدى الإمكانيات التي تتولّد من الانهيار الكبير". وعلى كلٍّ، ينتهي كتابه بعملية "إسقاط"، في محاولةٍ لرسم عالم ما بعد الرأسماليّة الذي يسمّيه "أفق المشتركات horizon des recommunes"؛ إذ تحيل هذه العبارة على عبارة "res communa" التي تعني الشيء المشترك؛ وقصده هو "العمل على إدخال الضرورة الديموقراطية الجذريّة من الباب العريض في دائرة العلاقات الاقتصاديّة".
ويخلِص لوردون إلى القول أنّ الديموقراطية "هي على الدوام جيّدة من أجل المهزلة البرلمانية، وليس أبداً من أجل العمال المتشاركين"؛ وهذه الجملة المأخوذة من كارل ماركس كانت قد تخلّت عنه الماركسية الرسمية بشكلٍ ملحوظ. يرسم المؤلّف أيضاً أهدافاً سياسية مستعجلة، ملموسة بالشكل الكافي لكي يفهمها العمّال ويتمسّكوا بها. وهذا ما ينطبق بالأخصّ على اقتراح إنشاء نظامٍ اجتماعيّ للقروض. حيث يبدو كلّ هذا خارجاً عن إطار "السياسات التنظيمية" الكلاسيكية للدولة...
وقد أوصل لوردون حماسه إلى بعض زملائه وأصدقائه. هكذا استفاد اندريه أورليان من عمله الأخير لكي يخلِص إلى أنّه يجب الإحاطة مجدّداً بمختلف المهن الماليّة وحصرها، وإعادة اعتماد ضوابط على حركات الرأسمال الاستثماري. فمن وجهة نظره، يتطلّب الوضع "عملية تنظيمية هدفها تثبيت الحدود الدقيقة لتوسّع الأسواق المالية، وحصر تطبيقها بمجالاتٍ اقتصادية محدّدة بشكلٍ واضح. إذ يجب التراجع عن حريّة الحركة الكلّية المتروكة لرأس المال". ثمّ يطلق أورليان عبارته: "إنّ كلمتي السر لدينا هما الإحاطة والحصر".
الكثير من مقترحات كتاب لوردون معروفة أساساً، وحتّى أنّ بعضها قدّم في مجلّتنا [9]. يبقى السؤال عن تنفيذها. إذ أنّ تحقيق الأهداف التي يحدّدها بالإضافة إلى إجراءات أورليان يتطلّب عملاً سياسياً على مستوى كبير يتناول النواحي المركزيّة لما يسمّيه لوردون "رأسماليّة ضغط الأجور المنخفض"، ما يعني الأجور والعمل الهش ودوام العمل. ولكن ألا يطرح حجم المواجهة هذا، إذا نجحت القوى الضروريّة له من جهة العاملين في التجمّع، مسألة "من يجب أن يُقرّر كيفيّة توزيع الموارد الانتاجية ومن أجل أيّة أهداف؟".
* صحفي عضو في المجلس العلمي لـATTAC
لوموند ديبلوماتيك
-----------
المراجع:
[1] إضافة إلى الكتب التي اختيرت للمقال، يمكن أيضاً الرجوع إلى: Jacques Attali, La crise et après ?, Fayard, Paris, 2008 ; Eric Bengel, Chronologie d’une crise, Editions de Verneuil, Paris, 2009 ; Philippe Dessertine, Ceci n’est pas une crise (juste la fin d’un monde), Anne Carrière, Paris, 2009 ; Gaël Giraud et Cécile Renouard (sous la direction de), 20 propositions pour réformer le capitalisme, Flammarion, Paris, 2009 ; Repenser la planète finance, Regards croisés sur la crise financière, Les Echos Editions-Eyrolles, Paris, 2009.
[2] أتت صياغة هذا الموقف في تقريرٍ مؤثّرٍ جدّاً صدر عن شركة الاستشارات "ماكينزي". راجع: McKinsey Financial Institutions Group, The global capital market : Supply, demand, pricing and allocation, Washington, DC, 1994.
[3] راجع على الأخص: Patrick Artus et Marie-Paule Virard, Le capitalisme est en train de s’auto-détruire, La Découverte, Paris, 2005 et Globalisation le pire est à venir, La Découverte, Paris, 2008.
[4] Michel Aglietta et Yves Landry, La Chine vers la superpuissance, Economica, Paris, 2007.
[5] Michel Aglietta et Laurent Berrebi, Désordres dans le capitalisme mondial, Odile Jacob, Paris, 2007.
[6] Michel Aglietta, Le capitalisme de demain, Notes de la Fondation Saint-Simon, n° 101, Paris, novembre 1998.
[7] Michel Aglietta et Antoine Rebérioux, Dérives du capitalisme financier, Albin Michel, Paris, 2004.
[8] حول جردة "فورة التعامل بالأسهم" في أوساط النقابات الأميركية راجع: Catherine Sauviat, « Les fonds de pension et les fonds mutuels : acteurs majeurs du nouveau pouvoir actionnarial » dans François Chesnais (sous la direction de), La finance mondialisée : racines sociales et politiques, configuration, conséquences, La Découverte, Paris, 2004.
[9] اقرأ: فريدريك لوردون " أخيراً إجراء ضدّ الإفراط الماليّ: الـSLAM"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، شباط/فبراير 2007، الوصلة: http://www.mondiploar.com/article84.... اقرأ له أيضاً في مدوّنته: la pompe à phynance" "، على الوصلة: http://blog.mondediplo.net