وسيم الدهان - يمكن اعتبار مفهوم «ربط الأجور بالتضخم» من حيث المنطق الاقتصادي الوجه الآخر لمفهوم ربط الأجور بالأسعار، وهو الأمر الذي يطالب فيه الاقتصاديون السوريون منذ سنين بهدف حل المشكلات الاقتصادية عامةً، والمشكلات المعيشية التي يعانيها المواطنون جراء تحرير الأسعار والانفتاح الاقتصادي واقتصار دور الحكومة التدخلي في الأسواق على الرقابة وإعلان النوايا عند كل مناسبة «استهلاكية» طارئة، وقد كشفت الحكومة مؤخراً أنها تتدارس موضوع ربط الأجور بالتضخم، وأوضح وزير الاقتصاد والتجارة عامر لطفي في حديث صحفي أن ربط الأجور بالتضخم يهدف بشكل أساسي إلى الحفاظ على القدرة الشرائية للوحدة النقدية انتقالاً من عام إلى آخر، وأشار الوزير إلى أن الحكومات في العالم تعمل عادةً على استدراك هذه الأعباء إما برفع الكفاءة الإنتاجية لزيادة الدخل وتغطية النسب المئوية للزيادة؛ أو عن طريق التمويل بالعجز، مؤكداً ضرورة توخي الدقة في اتخاذ قرار ربط الأجور بالتضخم لما له من أثر على الإنفاق الحكومي الذي يجب أن يكون مدروساً بدرجة أعلى وموجهاً إلى استثمارات ذات عائدية ومردودية كبيرتين بحيث تتمكن الحكومة من تغطية جيدة لارتفاع الأجور.
ولتوضيح علاقة الأجور بالأسعار التي تختلف إلى حد ما عن علاقتها بالتضخم، ولتسليط الضوء على بعض الآليات التي قد تساعد في تحسين الواقع المعيشي للمواطنين دون زيادة أعباء خزينة الدولة، لابد من الرجوع إلى جذر المشكلة، وهذا ما ستحاول «الاقتصادية» تحقيقه مستعينةً ببعض الآراء.
الأجور والأسعار
رأى الباحث الاقتصادي د. قدري جميل في هذا الصدد أن طرفي العلاقة اللذين من الواجب إعادة النظر فيهما ليسا الأجور والتضخم، وإنما هما الأجور والأسعار، وأوضح أن المؤشرات تدل على وجود اختلال في هذه العلاقة، ولكن- حسب د. جميل- إذا كان المقصود من ربط الأجور بالتضخم الفعلي الذي ينعكس على سلة المواطن العادي صاحب الأجر فهذا الربط يعني في نهاية المطاف ربط الأجور بالأسعار، أما إذا كان المقصود ربط الأجور بالتضخم بأرقامه المختلفة غير الموثوقة التي تضعها أطراف عديدة والتي لم تكن حتى اليوم تعكس المستوى الحقيقي لارتفاع الأسعار فهذا يعني شيئاً واحداً وهو أن بعض القائمين على الشأن الاقتصادي اكتشفوا أنهم لو كانوا زادوا الأجور بغير الطريقة التي تمت بها الزيادة خلال السنوات السابقة- والتي كانت ناقصةً بالمقارنة مع ارتفاع الأسعار- فكانوا سيدفعون أجوراً أقل، لأنه إذا كان مستوى التضخم المعلن خلال السنوات السابقة لا يتعدى 14% في حين تمت زيادة الأجور خلال عام واحد 30% فإن هذا يعني لهم الخسارة، وهذا يدل بشكل أو بآخر على أن رقم التضخم المنعكس على المواطنين غير حقيقي، وبهذا فإن ربط الأجور بالتضخم يعني هنا تخفيض حتى تلك الارتفاعات بالأجور التي تمت سابقاً عبر الالتفاف عليها بطريقة فنية وهذا من شأنه أن يصيب المواطنين بضربة قاسية ولن يوقف ارتفاع الأسعار، ولاسيما أن في كلام الحكومة عن ربط الأجور بالتضخم اعترافاً بأن الأسعار تشهد ارتفاعاً مستمراً (انتقالاً من عام إلى آخر).
وهنا أوضح د. جميل أن الخلاف الذي يجب حلّه بشكل جازم هو الخلاف على طريقة قياس التضخم، فإذا كانت طريقة القياس التي ستعتمد هي الطريقة الجاري اعتمادها حالياً فإن هذا يعني التفافاً لتخفيض الزيادات التي جرت سابقاً، أما إذا تم اعتماد طريقة صحيحة لقياس التضخم عبر قياس سلة المستهلك الحقيقية التي تمس أصحاب الأجور وليس أصحاب السيارات الفخمة والبيوت الفخمة، فهذا حديث آخر ويعني ربط الأجور بالأسعار وهو جزء من المطلوب اليوم.
وبيّن د. جميل أن المشكلة الأساسية هي بناء سلة المستهلك متسائلاً عن السبب في عدم وجود سلة مستهلك شفافة وعلنية وواضحة في سورية رغم أن هذا الموضوع لا يحتاج معرفةً عميقةً ولا أموالاً طائلةً، وتابع د. جميل إن رفع الأجور 30% دون معرفة حجم تغطيتها من ارتفاع الأسعار بسبب عدم وجود وحدات قياس للأسعار يجعل هذا الرفع وبأي نسبة كانت غير ذي جدوى، مشدداً على أهمية سلة المستهلك- صاحب الأجر في معرفة انعكاس الأسعار على المواطنين فعلياً.
صاحب الأجر
أوضح د. جميل لـ«الاقتصادية» أنه وبعد أن اعترفت الحكومة بأن الحد الأدنى لمعيشة العائلة السورية هو 33 ألف ليرة سورية (400 ألف تقسيم 12 شهراً) فإن هذا يستدعي إعادة النظر بالسياسة الأجرية إذ من غير المعقول أن يقف الحد الأدنى للأجور عند 6 آلاف ليرة، وتابع د.جميل موضحاً أن السياسة الأجرية تمثل الركن الأساسي لتصحيح العلاقة بين الأجور والأسعار بدءاً بتصحيح العلاقة بين الأجور ومستوى الأسعار بمعنى تطابق الحد الأدنى للأجور مع الحد الأدنى لمستوى المعيشة، وأوضح كذلك أنه لابد من الاستناد إلى مؤشر الأسعار (سلة المستهلك- صاحب الأجر) لتحقيق الربط بين الأجور والأسعار بعد كل ارتفاع في الأسعار، ولاسيما أن كل ارتفاع في الأسعار يعني انخفاضاً في القوة الشرائية، وأن كل انخفاض في القوة الشرائية يعني انخفاضاً في الطلب، وأن انخفاض الطلب يعني زيادةً في المخزون، وأن زيادة المخزون تعني الكساد. وهذا كله حسب د. جميل يعني تباطؤ الدورة الإنتاجية وبالتالي فإن من يرفع الأسعار ويربح، هو بالنهاية من يضرب دورة عملية إعادة الإنتاج من خلال ضرب الإنتاج نفسه، وهنا تكمن أهمية وجود مؤشر للأسعار يقيس مقدار الارتفاعات الدورية لها، يضاف إلى ذلك أنه لابد من وجود نظام ضريبي فعال على الأرباح- يسمح بتأمين موارد زيادات الأجور- وعادل يسمح بتطور الإنتاج ولا يسمح بهبوطه، ولابد في الوقت نفسه من ضرب الفساد لأنه مشكلة أساسية وعائق كبير في وجه النمو الاقتصادي.
وبيّن د. جميل لـ«الاقتصادية» أنه عند استعادة الأموال المهدورة في الفساد إلى الدورة الاقتصادية إضافة إلى وجود 15% معدل تراكم حقيقياً، يصبح هناك 35% معدل تراكم إجمالياً من الدخل الوطني يمكن صبه في التوظيفات الاقتصادية الجديدة، وإذا لم يذهب كله للتوظيفات فإن قسماً منه قد يذهب لإعادة النظر بالعلاقة بين الأجور والأسعار لمصلحة الأجور بحيث تستعيد الأجور عافيتها.
ربط الأجور بالأسعار
وبين د. جميل أنه إذا كان المقصود من تحريك الأجور لكي تتناسب مع ارتفاعات الأسعار المستمرة، هو الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن السوري، فيجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المستوى الواحد من التضخم يؤثر بأشكال مختلفة على الشرائح المختلفة في المجتمع، وهو في حالتنا كان يصيب الشرائح الأدنى دخلاً بأضرار أعلى بكثير من مستويات التضخم المعلنة، والحل الأنسب حسبما يرى د. جميل هو الذهاب إلى صلب الموضوع مباشرةً، وهو ربط الأجور بالأسعار، وتحديداً ربطه بأسعار سلة المستهلك- صاحب الأجر، ورأى د. جميل أن ربط الأجور بالأسعار يتطلب قبل كل شيء وضع سلة المستهلك صاحب الأجر، فوجود سلة من هذا النوع سيسمح بمتابعة الثغرة بين الأجور والأسعار شهرياً، وترميمها ضمن آجال قصيرة زمنياً، وأكد أن ترميم الأجور يجب أن يتم من مصادر حقيقية وليس تضخمية، فمن المهم بعد أن يتم الربط بين الأسعار والأجور- حسب د. جميل- أن يتم تمويل الزيادات من مصادر حقيقية وليس تضخمية لأن منطق الأمور يقول إن كل ارتفاع سعر وراءه مستفيد وهو من يجني الربح، وهذا يعني وجوب توجه الضريبة إلى من يجني الربح لتحقيق إعادة توزيع عادلة للدخل الوطني، وأوضح د. جميل أن المصدر الحقيقي للزيادات على الأجور يجب أن يكون على حساب الأرباح، إذ إن كل زيادة في الأسعار تعني زيادة موازية في الأرباح، والطريقة المثلى والأساسية لتحقيق ذلك هي إعادة النظر بالسياسة الضريبية كي تصبح فعالة وعادلة وتتحول إلى رافعة لتطور الاقتصاد الوطني وليس كابحاً له.
جذر المشكلة
يكمن جذر المشكلة الأساسي حسبما يرى اقتصاديون باتساع حجم الهوة بين الأجور والأسعار، وهذه الهوة ناجمة بالأصل عن تراجع حصة الفرد من الدخل الوطني، وانخفاض العدالة في توزيع الدخل الوطني بين الأجور والأرباح، ولا يمكن ردّ أساس المشكلة إلى الزيادة السكانية إذ إن هنالك أسباباً أخرى أكثر عمقاً وتكمن في انخفاض وتيرة تطور الدخل الوطني عن النسب المطلوبة الكفيلة بمنع انخفاض حصة الفرد منه، ويرجح د. جميل أن يكون السبب الحقيقي موجوداً في عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تتطلب إنتاجاً موسعاً يجاري التطور السكاني، ويرى د. جميل أنه لتحديد المشكلة أكثر لابد من دراسة العلاقة بين الأجور والأرباح.
ويوضح د. جميل أن سوء توزيع الدخل الوطني يزيد من حدة تراجع القيمة الحقيقية للأجور بشكل مباشر وغير مباشر، «مباشر بإيجاد خلل بين استهلاك الشرائح العليا والشرائح الدنيا من المجتمع، وغير مباشر عبر منع عملية إعادة الإنتاج من أن تأخذ حجمها الضروري لتأمين التطور اللاحق»، ويرى د. جميل أن حجم الاستثمار الضروري لإعادة الإنتاج الموسع يجب ألا يقل عملياً عن 25% من الدخل الوطني وهذا لا يتحقق «بسبب سوء توزيع الدخل بين الأجور والأرباح».
آثار الخلل
وبين د. جميل أن الخلل بين الأجور والأسعار له آثار سلبية كبيرة وبعيدة عن الاقتصاد الوطني، فهو يعني عدم تجديد قوة العمل، وتمديد يوم العمل لأن يوم العمل الفعلي أصبح مع اختلال هذه العلاقة لا يكفي لسد الرمق، ما يجبر اليد العاملة على البحث عن مصادر دخل إضافية تعني عملياً إطالة يوم العمل إلى 12 ساعة و16 ساعة، كما يؤدي هذا الخلل إلى زيادة البطالة، وزيادة الفساد، والحد من فرص الاستثمار فكل الحديث والدعاية عن جلب استثمارات لا قيمة له بالنسبة للمستثمر الجدي لأن اليد العاملة الرخيصة تعني بالنسبة له انخفاض تأهيلها وبالتالي إنتاجية اليد العاملة، وانخفاض الطلب الداخلي لا يشجع المستثمر على أي مخاطرة.
وتابع د. جميل موضحاً الحل من وجهة نظره بأنه يكمن بربط الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة، فرفع الأجور دون إعادة النظر جذرياً بالحد الأدنى للأجور لا معنى له في نهاية المطاف إذ إنه يرقع المشكلة دون الوصول إلى جذورها من أجل حلها، ومن جهة ثانية فإن تأمين الحد الأدنى لمستوى المعيشة لأجر الحد الأدنى يعني رفع سعر قوة العمل إلى قيمتها الحقيقية وبعدها يصبح ممكناً تحريك كل سلم الأجور نحو الأعلى على هذا الأساس، والبند الآخر من الحل هو الربط الدوري للأجور بالأسعار، فالسباق الجاري بين الأجور والأسعار يؤدي عملياً إلى تخفيض مستوى المعيشة مع ما ينتج عنه من انخفاض للطلب الذي يؤثر سلباً على الإنتاج في نهاية المطاف، لذلك فإن ربط الأجور بتطور الأسعار يعدّ مطلباً ضرورياً لضمان استمرارية عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي بما تعنيه من إنتاج وتبادل وتوزيع واستهلاك، وهذا يتطلب عملياً ايجاد سلة للأسعار يراقب تطورها جهة وصائية إلى جانب سلة أخرى يقوم بمراقبتها وحسابها اتحاد نقابات العمال بشكل مستقل، وعلى أساس تطور هذه السلة يجب أن يجري تعديل الأجور أتوماتيكياً بشكل دوري (شهري أو فصلي) إذا تطلب الأمر، وأنهى د. جميل حديثه لـ«الاقتصادية» قائلاً: إن هذه الإجراءات مجتمعةً لا معنى لها دون القيام بالإجراء الأول وهو إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور.
أي قدرة شرائية تستحق الدعم؟
إن بدء الحكومة بتداول القضايا الحساسة التي تمس مباشرةً الهم المعيشي للمواطنين يعدّ مؤشراً شديد الأهمية، فمجرد دراسة ربط الأجور بالتضخم- بغض النظر عن التسميات- يدفع للاعتقاد أن حساسات الحكومة بدأت بالتقاط ما يبثه المواطنون من شكاوى حول انخفاض «البركة» في رواتبهم، وبالتالي انخفاض قدراتهم الشرائية، وليس المقصود بالشرائية هنا ذلك النوع من التسوق الترفيهي، وإنما التسوق المتعلق بالحاجات الصغيرة والكبيرة من مأكل وملبس ووقود، والأمل كل الأمل أن تسفر نقاشات الحكومة الجارية حالياً- حسبما صرح وزير الاقتصاد والتجارة- عن نهج جديد يؤمن للناس حيزاً من القدرة ليس على الشراء وتسريع دوران النقد في الاقتصاد الوطني فحسب وإنما على الادخار أيضاً علّهم يسدّون ثقوب جيوبهم التي نهشها الغلاء.
ولكن يجب التأكيد على أهمية إعادة النظر- كما في سياسة الأجور- في السياسات الضريبية عسى أن يكون ذلك فاتحة خير يمسّ أصحاب الدخلين المحدود والمتوسط ويشعرهم بأن وراءهم من يرفع عنهم الغبن مطالباً لهم بحصة من الدخل الوطني، عادلة ويستحقونها لكثرة ما تندّت جبهاتهم بحبات العرق أثناء تأدية مهامهم الوظيفية، فهؤلاء هم من يجب دعم قدرتهم الشرائية قبل كل الآخرين.
الاقتصادية