_
الانتخابات العراقية.. ما قبل وما بعد
قاسيون قاسيون

الانتخابات العراقية.. ما قبل وما بعد

تنبع أهمية متابعة التجربة السياسية العراقية، من كونها تقدم لنا المؤشرات الكافية والملموسة لتقييم نموذج ديمقراطية المحاصصة «الطائفية والقومية»، فمن المعروف أن العراق كان قاعدة الانطلاق المفترضة لتعميم هذا النموذج على دول المنطقة، وجاءت جملة التفاعلات في الساحة العراقية خلال السنوات القليلة الماضية، بما فيها نتائج الانتخابات، لتؤكد وصول هذا النموذج الذي تم فرضه بالدبابة الأمريكية، إلى طريق مسدود، بعد أن تم تقديمه لنا على أنه النموذج البديل عن « الأنظمة الشمولية»  

النتائج العامة

- ضعف الإقبال الجماهيري على العملية الانتخابية، ليكون مؤشراً واضحاً على عدم الثقة بالحركة السياسية التقليدية برمتها.

- توازنات جديدة في الخريطة السياسية العراقية، حيث انتهت تجربة التحكم من قبل كتلة بعينها، لصالح توزع النفوذ بين كتل عديدة، بالتوازي مع خلافات وصراعات داخل البيت الواحد ليسقط بذلك الاستقطاب المشوه على الأسس «الطائفية والقومية»، الذي طالما كان السمة الأساسية في الخريطة السياسية العراقية.

- تراجع ملحوظ لدور قوى الهيمنة التقليدية، من زعامات طائفية وقومية بأسمائها المختلفة، من خلال تراجع ثقلها البرلماني.

- تراجع فاعلية الخطاب الطائفي، إلى أدنى مستوياته، منذ 2003.

- بروز ظاهرة تحالف «سائرون» الذي يقدم لنا مؤشراً على بدايات تبلور وعي وطني عراقي جديد، وإن لم يستكمل حتى الآن، بأبعاده المختلفة.

علامة فارقة                     

يجمع تحالف «سائرون» كما هو معروف، قوى دينية عراقية متأصلة «التيار الصدري» و قوى سياسية عريقة « الحزب الشيوعي العراقي» وقوى أهلية أخرى.

ولد هذا التحالف من الشارع، كظاهرة موضوعية أفرزتها عوامل تاريخية وراهنة، فمن جهة هو الامتداد السياسي للحركة الاحتجاجية في الشارع العراقي ضد فساد النخب السياسية والدينية العراقية، ذات الشعارات المطلبية- الخدمية، ومن جهة أخرى، الطرفان الأساسيان في هذا التحالف، هما قوى متجذرة في العراق، و كلاهما ذات سجل كفاحي تاريخي، يمتد من مرحلة مقاومة الاحتلال الانكليزي، و النضال ضد الاحلاف الاستعمارية في المنطقة، إلى النضال ضد الديكتاتورية، مع الانحياز للكادحين العراقيين، بغض النظر عن حالة الجذر، والانتكاسات التي حدثت، في بعض المراحل،  واذا أخذنا بعين الاعتبار بأن التيار الصدري، -الحامل الرئيسي لهذا التحالف- هو من أوائل التيارات التي قاومت المحتل الأمريكي، وأن طرفه الثاني «الحزب الشيوعي» هو أول قوة سياسية طرحت موضوع الفساد، بالإضافة إلى أن القاعدة الاجتماعية لكلا الطرفين عموماً، هم فقراء العراق، فإن صعود هذا التيار يعكس المزاج العميق للشعب العراقي بالمعنى الوطني العام، وبالمعنى الاقتصادي الاجتماعي.

وبغض النظر، عن الموقف من سياسات بعض أطراف التحالف، من حيث المشاركة في منظومة بريمر، فإن هذا التحالف الانتخابي- السياسي يمتلك المقومات الكافية، لأن يلعب دوراً تاريخياً، ويكون حاملاً لمشروع وطني ديمقراطي جديد، ويصبح قاطرة الشعب العراقي إلى بناء وطن حر وشعب سعيد، فهو أي تحالف سائرون يقدم نموذجاً، واقعياً يعكس البنية المجتمعية للشعب العراقي، ووعيه الجمعي الحقيقي، غير المقولب إعلامياً، واستخدم تكتيكات ذكية ومجدية في العملية الانتخابية، أبرزها التواصل الحي مع الناس، وانطلق من الحاجات الأساسية التي تضغط على المواطن العراقي، وتحدث بلغته..

الحلقة الغائبة.

تكمن إحدى مهام القوى السياسية الجدية، في التقاط اللحظة التاريخية المناسبة، والارتقاء بالوعي الجماهيري الذي يتكون من خلال التجربة الملموسة، إلى مستويات أرقى، إلى مستوى سياسي، وبلورة رؤية متكاملة، من شأنها أن تحول الزخم الجماهيري، إلى قوة لصالح التغيير الجذري المطلوب، ولعل ما هو غائب في رؤية القوى العراقية الصاعدة، هو النموذج الاقتصادي البديل المطلوب عراقياً، بكل أبعاده، ومنه مسألة الموقف من التبعية، و حالة الاندماج الكلي  مع منظومة « الدولرة» التي تتحكم بالسوق النقدية الدولية.

إن المهمة الأساسية لأية حكومة عراقية لاحقة، هي القطع مع هذه المنظومة، كونه الطريق الحقيقي للقطع مع الفساد، فالفساد هو المعادل الموضوعي للتبعية للمركز الغربي الامبريالي، ومحاربة الفساد وهي - النقطة الأبرز في برنامج التحالف الصاعد في الانتخابات العراقية-  تقتضي مثل هذا الموقف، فدون الخروج من حالة التبعية هذه، لا يمكن إنجاز أية عملية تنمية حقيقية في العراق، ولايمكن تأمين الموارد الضرورية، لتحقيق مطالب الشعب العراقي الاجتماعية والخدمية، بمعنى آخر، لا يمكن التصدي لمهمة تأمين هذه المطالب دون الإقدام على مثل هذه الخطوة التاريخية، التي ستمد القوى الصاعدة بزخم جديد، وتحول المعركة المباشرة ضد الفساد، إلى معركة ضد مسببات الفساد، ومقدماته، وأسبابه الموضوعية، وتحولها الى معركة وطنية عامة، وصولاً إلى استعادة سيادة الشعب العراقي على قراره، وانهاء النفوذ الامريكي الذي يرتقي الى مستوى الاحتلال المباشر في الظروف الراهنة، لاسيما وأن التوازن الدولي الجديد، وخيارات القوى الدولية الصاعدة، توفر المناخ المناسب للسير قدماً بهذا الاتجاه، ولا يظنن أحداً أنه بالإمكان، معالجة أية ظاهرة معالجة نهائية وجدية، من خلال القوانين، أو اللعبة الانتخابية، التي قد تلعب دوراً مساعداً في حالة تجذير المعركة فقط، أما الاقتصار عليها في ظل التوازن الهش، وفي ظل توزع القوى، وتقارب أوزان الكتل، وتعدد الولاءات الإقليمية والدولية،  ونفوذ الفاسدين في جهاز الدولة، وتدخل سفارة الولايات المتحدة في كل شيء، سرعان ما سيفرط بهذه الفرصة التاريخية، التي توفرت لخروج العراق من النفق المظلم.

حكومة التكنوقراط ؟

 تعتبر الإشارات التي تصدر من القوى العراقية الصاعدة، حول رفض ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية، مؤشراً إيجابياً، فالوحدة الوطنية بين قوى الاصلاح، وقوى الفساد، ما هي إلا محاولة من هذه الأخيرة، للحفاظ على بعض امتيازاتها، بعد الضربة التي تلقتها في الانتخابات، ولكن، وفي الوقت نفسه، فإن حكومة التكنوقراط التي يجري الحديث عن تشكيلها، كرد على المحاصصة، رغم اهميتها، دون برنامج جذري، ورؤية تقوم على الربط بين المهام الوطنية والاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية، يعني عدم استكمال التقدم، وتأخيراً في إنجاز الفرز المطلوب على اساس الوطني واللاوطني، والفاسد وغير الفاسد.

وعلى كل حال، فإن الشعب العراقي قد حسم خياراته، وتجاوز الطائفية - السياسية، وجبروت وامكانات قوى الفساد، والاحتلال الامريكي، وارسل مواقف واضحة بكل الاتجاهات، سواء من ناحية العزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية، أو من جهة انتخاب قوى جديدة تحاكي مطالبه الاقتصادية الاجتماعية، وهو بالتأكيد قادر على استكمال فرز القوى، لمصلحة تلك التي تعبر عن مصالحه الجذرية، والنهائية مستفيداً من تجربته التاريخية، ومن وقائع مرحلة الاحتلال بعد 2003، وفشل النخبة السياسية التي أفرزتها تلك المرحلة، ونموذجها البائس. 

آخر تعديل على الخميس, 17 أيار 2018 15:01