_
هيئة عرقلة التفاوض

هيئة عرقلة التفاوض

دأبت بعض الأوساط في هيئة التفاوض، وبالدرجة الأساسية متشددو منصة الرياض على إطلاق تصريحات، ومواقف غير مسؤولة، أقل ما يقال عنها، أنها استهتار بدماء السوريين، ونفخ في رماد الأزمة، وسعي إلى استدامة الاشتباك القائم، بعد أن استطاعت القوى الجادة دفع العملية السياسية إلى الأمام، وإحداث تراكم هام يمكن أن يفضي إلى وضع جديد في البلاد

فمنذ بيان الرياض 2، وما تضمنه من شروط مسبقة، ومروراً بالموقف من مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي، والتصريحات المتكررة لبعض رموز منصة الرياض، إلى البيان الصادر باسم هيئة التفاوض يوم أمس، إلى المؤتمر الصحفي لرئيس الهيئة اليوم، كلها مواقف لامعنى لها، إلا بقاء العملية السياسية في حالة جمود، لدرجة تسمح لأي متابع بالقول: إن هذه الهيئة تسعى إلى عرقلة التفاوض، أكثر مما تعمل من أجل التفاوض. 

العنوان العريض للعرقلة، يكمن في محاولة تجاوز هؤلاء لصلاحياتهم، متجاهلين بأن المهمة الوحيدة للهيئة هي التفاوض المباشر مع النظام، وأن هذه المهمة هي مبرر وجودها أصلاً، لتنفيذ القرار 2254 ، وكل ما عدا ذلك ليس إلا اجتهادات بائسة، لم تثبت الوقائع صحة أي منها، والمفارقة اللافتة في هذا السياق، هي أن هذا التجاوز ليس مشكلة بذاتها، بل تفرخ سلسلة تعقيدات أخرى، وأهمها، تقديم الذريعة تلو الذريعة، للنظام لعدم الانخراط في التفاوض المباشر، مما يضع موضوعياً على بساط البحث مبرر وجود الهيئة، فلا معنى لاستمرار وجود هذا الكيان أصلاً دون التفاوض المباشر، اللهم، إلا إذا كانت السياحة السياسية في عواصم محددة، واستجداء وتوسل «المساعدات»، هي ديدن البعض، و« انتصاراً» لدماء السوريين؟! ودائماً، لا جديد لدى هؤلاء المتشددين، فأمام كل استنفار ملتبس من هذا النوع، يعيد هؤلاء الحديث عن آلام السوريين، ودمائهم، والتي تستفز حقاً كل المشاعر الوطنية والانسانية، ولكن، واللافت أنه كلما تحدث هؤلاء بهذا المنحى، ازداد سفك الدم السوري، في علاقة طردية، تزيد تعقيد الأوضاع باستمرار.

عوداً على بدء، تشكلت هيئة التفاوض للمعارضة السورية، من منصات الرياض والقاهرة، وموسكو والمستقلين كإطار مشترك للمعارضة السورية رغم اختلاف الرؤى والمواقف في العديد من القضايا، لحل مشكلة ذات طابع تقني تتعلق بالتحضير لإجراء مفاوضات مباشرة مع النظام، بوفد واحد، وذلك كما ينص عليه القرار 2254.

ويعتبر تشكيل الوفد الواحد تطوراً هاماً في مسار العملية السياسية، كونه أحد ضروراتها، و كونها ضربت برهانات قوى الإعاقة في مختلف الأطراف عرض الحائط، بعد أن تأكد بالملموس إمكانية توافق السوريين في حال وجود قوى جادة وعملية، دون أن يغيب عن بال قوى المعارضة الوطنية، تعقيدات العملية التي تتطلب الجمع بين المرونة لزوم التوافق، والمبدئية التي تستوجبها المصالح الوطنية العامة، للوصول الى الهدف الأساسي، ألا وهو التفاوض المباشر، باعتباره طريقاً إلزامياً للبدء بالحل السياسي التوافقي، وإيقاف الكارثة الانسانية، والتغيير الوطني الديمقراطي الجذري والشامل. 

إن هيئة التفاوض بهذه التركيبة، يعني أنها لا تتبنى برامج منصة من المنصات، وليس مطلوباً منها ذلك بالأصل، بل لها وظيفة محددة وهي اجراء التفاوض مع الوفد الحكومي، لتنفيذ القرار 2254 الذي يعتبر برنامج الحد الادنى المشترك، بين السوريين لتجاوز الأزمة، أما استمرار متشددي الرياض بالدوران في تلك الحلقة المفرغة، التي ساهمت في دفع أوضاع البلاد من مأزق الى مازق، استناداً إلى الشروط المسبقة، بما يخالف توازن القوى، والقرارات الدولية، يضع هيئة «عرقلة التفاوض» أمام أحد خيارين:

- إما ان يستدركوا الموقف، ويعودوا إلى رشدهم، وتعود الهيئة الى حجمها الطبيعي، ووظيفتها المحددة.

- أو تغيير هيكلية الهيئة، بما يسمح لها بأن تؤدي دورها الوظيفي.

إن حالة الإرباك والتردد التي تخللت حديث رئيس هيئة التفاوض اليوم في مؤتمره الصحفي، والخطاب «حمّال الاوجه» يكشف حجم المأزق الذي تعاني منه قوى التشدد، بعد انسداد الطريق أمام خياراتها، وعمليات الفرز الجارية بين المسلحين في الغوطة، فما من جديد لدى رئيس الهيئة، سوى التمسح بأذيال الحملة الدعائية، حول الكيمياوي، واستهداف مناطق خفض التصعيد، وسوى الهجوم و التشكيك المستمر بالدور الروسي، أي الانزلاق أكثر فأكثر الى متاهة التجاذبات الدولية، والإقليمية، التي تتجاوز الأزمة السورية أصلاً، و إمكانية الاستفادة منها، واستحضار أوهام تدخل عسكري ما، حتى لو كانت حرباً عالمية، تدمر ما تبقى من البلاد، ناهيك عن ازدواجية المعايير حول كل من الغوطة وعفرين على سبيل المثال لا الحصر. 

آخر تعديل على الإثنين, 19 آذار/مارس 2018 23:07