_
«القدس عاصمة الكيان»... لا جديد لدى ترامب

«القدس عاصمة الكيان»... لا جديد لدى ترامب

إذا وضعنا الوقاحة جانباً، فلا جديد في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، فلطالما كان هذا الكيان، الابن المدلل للمركز الغربي الرأسمالي، إنشاءً ودعماً وتمويلاً ورعاية، وحماية. وكل ما في الأمر أن هذا الاستعراض جاء رداً على سلسلة الهزائم التي لحقت بالولايات المتحدة وأدواتها ومشاريعها في المنطقة، في ظل التوازن الدولي الجديد، وإحدى محاولات الحفاظ على شيء من الدور الذي يتراجع يوماً بعد يوم، وخصوصاً في ظل التجاذبات التي وصلت إلى درجة التفسخ داخل الإدارة الأمريكية نفسها. أما ما وراء هذه الخطوة، فيمكن اختصاره بالتالي:

أولاً: إن خطوة ترامب - وإن كانت تبدو هجومية شكلاً- فإنها في العمق تعبير عن تراجع، ومن يقرأ التوازنات جيداً يدرك أن الغرب كله  في حالة انكفاء، ومثل هذه الخطوات يلجأ إليها الطرف المتراجع بالتركيز على نقاط ارتكاز أساسية، وبالنسبة للولايات المتحدة، من المعروف أن المنطقة المستهدفة بالتوتير هي الشرق الأقصى، والعدو الأخطر بالنسبة لها هو الصين. أما في منطقتنا، فهم يتراجعون تحت النار، أو ما يمكن تسميته بالـ«دفاع النشط»، وإبقاء نقاط استناد أساسية مثل الخليج العربي، وفلسطين من خلال الكيان الصهيوني، مستفيدة من هشاشة البنى القائمة.

ثانياً: إن الاعتراف بالقدس عاصمة لـ«دولة إسرائيل»، يعني فيما يعني أن جميع الأطراف أصبحت في حلٍّ من القرارات الدولية، مما يضع وجود «دولة» الكيان بحد ذاته على جدول الأعمال، وبموجب القانون الدولي نفسه، طالما أن تشكيل هذا الكيان تم في ظل وضع دولي محدد، وتمت شرعنته في حينه من خلال  قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وطالما أن خرق القرار يتم من قبل طرف دولي كالولايات المتحدة. بمعنى آخر، فإن الخطوة الأمريكية، يفتح الباب لنسف كل منظومة القرارات السابقة، التي شرعنت وجود دولة الاحتلال، ويعيد الاعتبار لخيارات المقاومة، ويفسح المجال لحل المسألة وفق منطق التوازن الدولي الجديد.

وفي سياق آخر، جاء القرار صفعة جديدة على وجه عرب أمريكا (حكاماً ونخباً  ليبرالية مالية، وسياسية، وثقافية)، بما فيهم جماعة استجداء «التسوية السلمية»، ليؤكد من جديد أن الرهان على الولايات المتحدة، في أي حل عادل هو مجرد أوهام، ليس إلا.

ثالثاً: لا بد من القول، إنه وبالرغم من الأهمية الرمزية الدينية لمدينة القدس، إلا أن تحويل المسألة إلى مجرد قضية دينية فقط لا يقل خطراً عن القرار نفسه، فمشكلة القدس هي جزء من قضية اسمها القضية الفلسطينية، وهي ليست مشكلة مسجد أو كنيسة فقط، بل هي - قبل ذلك- قضية شعب طرد من أرضه وفق مشروع استعماري استيطاني.