معركة الموصل.. قراءة أولى

معركة الموصل.. قراءة أولى

بدأ الانكفاء الفعلي لداعش منذ سنة تقريباً، وتحديداً بعد دخول القوات الجوية الروسية إلى الميدان، وتمكنّها من إلحاق ضربات موجعة بالتنظيم، والأهم من ذلك، وضع النشاط العسكري الروسي القوى الأخرى «التحالف الدولي» أمام امتحان خوض معركة حقيقية ضد التنظيم، بدلاً من استخدامه كفزاعة لابتزاز مختلف القوى، وتوظيف وجوده باتجاه تفجير كل التناقضات الثانوية في المنطقة،، وأداة تبرير الوجود العسكري  المباشر في العراق وسوريا

 

هذه النقلة النوعية في محاربة الإرهاب بعد الدخول الروسي، حشر «دواعش» المراكز الرأسمالية الغربية في الزاوية الحرجة، ودفعها إلى العمل كي تكون شريكاً في القضاء على التنظيم الإرهابي بعد احتراق أوراق هذا الأخير، وخصوصاً بعد إرسال كل من موسكو وبغداد منذ ما يقارب السنة إشارات بإمكانية التعاون والتنسيق في محاربة الإرهاب، وكلنا نتذكر التصريحات الأمريكية التي زعمت بأن الحرب على الإرهاب ستدوم عقوداً.

تتوارد الأنباء عن تقدم القوى التي حملت لواء تحرير الموصل من داعش، وتؤكد جميع المؤشرات على أن المعركة محسومة، وأن «دولة الخلافة» قاب قوسين او أدنى من أن تبقى بلا عاصمة... 

اللافت في المشهد أمرين: 

أولاً: تصاعد الخطاب الطائفي بشكل مفاجىء، وتزايده طرداً مع تقدم «قوات التحرير»، في ظل تناغم صريح بين طرفي المعادلة الطائفية، تصريح من هنا وآخر من هناك، لتمتد إلى عواصم عديدة، وتأخذ بعداً إقليمياً، وكأن «الطائفيين» مكلفين بإجهاض عملية التحرير، من خلال السعي إلى تحقيق ما عجزت عنه  داعش، أي تفجير الصراع الطائفي، ليكونوا بذلك نسخة معدلة عن داعش من حيث يدرون أو لا يدرون. 

ثانياً: تبرؤ جميع القوى من داعش، والتسابق في محاربتها، لا بل يحاول البعض تبييض صفحته من خلال مشاركته في المعركة، لابأس في ذلك، فهذا الأمر يعتبر انتصاراً لأعداء داعش الحقيقيين، وتأكيداً على أن الحرب على الإرهاب باتت إثبات لمشروعية الوجود والدور بالنسبة لأية قوة سياسية أو عسكرية في الإقليم.

 وبكل الأحوال يعتبر طرد داعش من «عاصمته» خطوة تاريخية، بغض النظر عن أهداف كل طرف من العملية، وجديته، والظرف الذي دفع هؤلاء المختلفين إلى الحرب المشتركة على داعش، فهي من جهة ضرورة وطنية وانسانية، ومن جهة أخرى بداية إعادة تشكيل الوعي الوطني العراقي، حيث تستند المعركة الى تأييد شعبي عارم، متجاوزاً كل الخنادق الوهمية التي أنتجتها عقود من الاستبداد، والمقونن «بريمرياً» من خلال نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، ومن هنا، من المفروض أن يكون تحرير الموصل كأحد أهم معاقل التنظيم، بداية بلورة حالة وطنية تعيد الاعتبار إلى الشعب العراقي، وتفتح له المجال ليقول كلمته في تقرير مصير بلاده، بعيداً عن الاحتلال المباشر، أو المقنّع من خلال المستشارين، وبعيداً عن تقاسم ثروات العراق، ورهن مصيره بيد النخب الطائفية والقومية.