_
مطلب واستجابة خجولة!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

مطلب واستجابة خجولة!

أخيراً وبعد طول انتظار وافق مجلس الوزراء على رفع أجر ساعة التدريس للمكلفين، وذلك بزيادتها بنسبة 100%.

فقد ناقش مجلس الوزراء، بجلسته الأسبوعية بتاريخ 14/11/2017 مشروع مرسوم، يرفع أجر الساعات التدريسية الإضافية من داخل أو خارج الملاك للمدرسين الذين يكلفون بالتدريس وفق نظام التكليف المعمول به في مدارس التعليم الأساسي والمدارس الثانوية بفروعها كافة، وفي جميع مدارس ومراكز التدريب المهنية لدى الجهات العامة بنسبة /100/ بالمائة، ووافق على رفعه إلى الجهات المعنية لاستكمال أسباب صدوره.

اعتراف خجول

المشروع المذكور مع حيثياته ومبرراته وغاياته، بالإضافة إلى كونهِ في المضمون والنتيجة، يحقق بعضاً من حقوق الشريحة المستهدفة منه، وهو نتيجة جزئية لمطالب هذه الشريحة القديمة التي طال أمدها، هو اعتراف حكومي بأهمية ربط العملية التعليمية بواقع الأجور التي يتقاضاها المدرسون، فقد تم تبيان الغاية من هذا الرفع بأنه "بهدف استقرار واقع العملية التدريسية، وتحقيق الخطة الدراسية، واستقطاب الخبرات من الخريجين الجامعيين في الاختصاصات المختلفة، لسد النقص الحاصل في أعداد المدرسين".

لكن ما تم إغفاله من حيثيات المشروع الموافق عليه هو: أن أجر الساعة الذي يتم الحديث عنه قد ارتفع من 150 ليرة إلى 300 ليرة، وبدلاً من ذلك تم تسليط الضوء على عرض النسبة البالغة 100%، إما هرباً من الإعلان الصريح عن المبلغ الضئيل وخجلاً منه، بالمقارنة مع الغايات والمبررات والمسوغات سابقة الذكر، وإما من أجل تضخيمه في أذهان المطّلعين عبر الاكتفاء بعرض النسبة بهذا الشكل، وكأن النتيجة العملية منها كبيرة.

الرمد أحسن من العمى

حقيقة الأمر، أن تلك الزيادة التي تم تضخيمها عبر عرض نسبتها فقط، تكاد تصل بأجر المكلف من الخريجين بساعات التدريس شهرياً لمبلغ بحدود 35 ألف ليرة فقط، وذلك في حال كان البرنامج اليومي والأسبوعي لهؤلاء ممتلئاً.

وعلى الرغم من ذلك، وحسب قول أحد المكلفين: "رغم ما صارت الزيادة بالجيبة لسا، بس الرمد أحسن من العمى، كنا نطلّع أجرة المواصلات.. هلأ يمكن يطلع بإيدنا نغطي تكاليف غسيل الملابس وهريان الصبابيط كمان".

حديث المدرس الخريج المكلف آنفاً، عبر ربطه الأجر الشهري الذي يتقاضاه، مع ما يمكن تغطيته على مستوى الإنفاق، ربما ينطبق على المدرسين جميعهم بواقع الأجور الهزيلة التي يتقاضونها، ليس بالمقارنة مع معدلات الإنفاق الكبيرة المفروضة عليهم بحكم واقع السوق المتحكم به، وعدم الاعتراف الحكومي بالفجوة الكبيرة بين الأجور والإنفاق فقط، بل والأهم من ذلك هو: مقارنة هذه الأجور، المرتبطة مع الواقع المعيشي في النتيجة، مع المهام الكبيرة الملقاة على عاتقهم والمسؤوليات المناطة بهم، ودورهم الهام على المستوى التعليمي والتربوي والاجتماعي والوطني بشكل عام.

الأجور وحفظ الكرامة

على ذلك يمكننا القول: أن الاستجابة الحكومية برفع أجر ساعات التكليف للمدرسين المكلفين، مع عدم التقليل من أهميتها، إلا أنها تعتبر استجابة خجولة بالمقارنة مع واقع الإنفاق ومع نبل المهمة والعمل المناط بهؤلاء، خاصة مع الاعتراف بربط الأجر مع غايات استقرار العملية التعليمية.

وبالتالي، فإن الضرورة والغايات والمبررات نفسها التي ساقتها الحكومة تقتضي: الاستمرار بإعادة النظر في مجمل أجور شريحة المدرسين بشكل خاص، بتسمياتهم ومواقعهم المختلفة، كما وتقتضي إعادة النظر بمجمل السياسة الأجرية المتبعة لبقية شرائح العمال والموظفين عموماً.

وربما ما يخجل حقاً هو: الاستمرار بهذه السياسة الأجرية، ليس بسبب انعكاساتها السلبية على المستوى المعيشي من إفقار، وهدر للكرامات الفردية فقط، بل لارتباطها الوثيق بالعمل والإنتاج والتنمية، التي تتحدث عن أهميتها وضرورتها الحكومة نفسها، وبالنتيجة لارتباطها بالكرامة الوطنية تتويجاً لما سبق، مع غيرها من الضرورات والموجبات، ربما في مواقع وجوانب أخرى لسنا بصددها هنا.