_
ع الوعد يا أجور!

ع الوعد يا أجور!

مرة جديدة يطل علينا وزير المالية من بوابة الاهتمام الحكومي بالمواطن «نظرياً»، حيث أكد مجدداً بأن زيادة الرواتب ليست السبيل الوحيد لتحسين معيشة المواطن، إنما هناك حلول اقتصادية تقوم بها الدولة!.

التصريح أعلاه فتح قريحة المواطن المهزوم معيشياً بظل السياسات التسويفية المعنية بتحسين دخله، أو بالأحرى سياسات الإفقار المتبعة بحقه والمستمرة منذ عقود، وخاصة خلال السنين الأخيرة.

بعض ردود الأفعال
فقد علقت إحدى العاملات على تصريح الوزير بقولها: «المسؤول عنا يعيش بكوكب والشعب المعتر في كوكب، ولا حياة لمن تنادي!».
وقال آخر: «لهلأ ما شفنا أي حل اقتصادي، نحنا عم يزيد جوعنا، والغني ما عاد شبع».
فيما قال أحد المواطنين: «ياريت يعطينا الوزير، أي وزير، الوصفة والخطط والسياسة المالية، اللي بيستعملها وبيتصرف فيها ضمن منزله، حتى يتوافق راتبه مع مصروفو، علمونا خيو!».

تراجع رسمي للدعم!
واقع حال الرواتب والأجور يقول بأنها مجمدة في براد الحكومة منذ سنوات، أما عن واقع تحسين مستوى المعيشة الموعود فقد ثبت بأن الإجراءات الحكومية أسفرت عن عكسها، حيث تراجعت الحكومة عن كل آليات الدعم السابقة، بل ورفعت يدها عنها، اعتباراً من البطاقات التموينية، مروراً بتحرير الأسعار، وخاصة الخبز والمحروقات، وليس انتهاءً بتخفيض التمويل على الطبابة والتعليم وسواها، ورفع أسعار الخدمات، من ماء وكهرباء واتصالات، ناهيك عن واقع انفلات الأسعار دون ضوابط تذكر، وكل ذلك عبر إجراءات رسمية تحت عناوين متشابهة مثل «تصحيح الأسعار».
«بالمشرمحي» فقد زادت تكاليف المعيشة بمعدل 10 أضعاف عما كانت عليه في بداية الحرب والأزمة، بينما ما زالت الأجور على حالها.

تضخم على حساب المعترين
بمقابل ذلك يقول وزير المالية: «نحن نعلم أن أي زيادة سيكون لها آثار تضخمية إن لم تترافق بعملية إنتاجية، فالإنتاج هو الأساس، وعندما نصل لحالة معينة يمكن بعدها اتخاذ القرارات».
الوزير يخشى من الآثار التضخمية، وكأنه لا يرى انعكاسات الآثار التضخمية على المواطنين، بين دخلهم وإنفاقهم، باعتبار أن متوسط الأجور بحدود 30 ألف ليرة، بينما معدل الانفاق يبلغ 300 ألف ليرة شهرياً.
والتناقض الذي يفقأ العين هو أن الحكومة أقرت احتساب موازنتها للعام القادم على أساس سعر الدولار بـ 500 ليرة، والأسعار في السوق تعتمد على سعر الدولار الرائج، بينما مازال أجر العامل محسوب على أساس سعر الصرف السابق بحدود 50 ليرة!.
والنتيجة أن كل الآثار التضخمية، التي لم يرها الوزير، لم يدفع ضريبتها إلا المواطن على حساب معيشته وصحته وتعليمه ومستقبله، بمقابل زيادة أرباح الحكومة والمستثمرين والمستغلين والفاسدين وتجار الحرب والأزمة.
ويتساءل المواطن أمام هذه الحال: لماذا زيادة الرواتب بحاجة للدراسة والعناية والمعاينة الدقيقة، بينما ارتفاعات الأسعار تصدر بشكل متتالٍ، سواء من قبل الحكومة على السلع المسعرة من قبلها، أو في السوق وفقاً للتكاليف المزعومة، وسياسة العرض والطلب المتحكم بها احتكارياً؟.

أين دعم الإنتاج؟
المشكلة الأعقد أن التوجه الحكومي يقضي بأن زيادة الأجور مرتبطة بالإنتاج والتنمية، فقد قال رئيس الحكومة مؤخراً: «إن العنوان الأساسي للتنمية هو إعادة العملية الإنتاجية».
فرغم صحة هذا التوجه نظرياً، إلا أن واقع الحال يشير إلى غياب دعم الانتاج بشقيه، الصناعي والزراعي، رسمياً، وخاصة في قطاع الدولة، والذي يتدنى عملياً وينكمش عاماً بعد آخر في ظل سياسات الخصخصة المبطنة تحت شعار التشاركية، وبظل سياسات الدعم اللامحدود للاستثمارات ذات الصبغة الريعية السريعة، بعيداً عن الإنتاج والإنتاجية، وعلى حسابها، كما على حساب المنتجين الحقيقيين، من صناعيين ومزارعين وحرفيين وأصحاب الورش الصغيرة، كما على حساب قطاع الدولة والعاملين فيه.
على ذلك يمكن تفسير تصريح الوزير المكرر على أسماع أصحاب الأجور، كما على أسماع المواطنين حول تحسين مستوى معيشتهم، بأنه من المسموح حكومياً التعويم والتضخم، بسعر الصرف وبأسعار السلع والخدمات والرسوم والضرائب، لكن على حساب المواطن ومن جيبه فقط، بينما يسمح بجني الأرباح من كل ذلك لتصب في الجيوب العامرة للمستغلين والمستثمرين والفاسدين.
والمحصلة: أن أصحاب الأرباح يزدادون غنى وبذخاً واسرافاً، وأصحاب الأجور يأكلهم الفقر والجوع والديون، ومآل الانتظار حكومياً بالنسبة لهؤلاء على مستوى تحسين معيشتهم مقولة: «ع الوعد يا كمون!».

آخر تعديل على الأحد, 27 آب/أغسطس 2017 12:02