_
مزيريب.. كارثة بيئية

مزيريب.. كارثة بيئية

تم تناقل العديد من الأخبار مؤخراً عن انخفاض منسوب مياه بحيرة المزيريب في ريف درعا الغربي، نتيجة الكثير من الاعتداءات عليها عبر حفر الآبار واستجرار المياه الكثيف منها.

الانخفاض بمنسوب المياه في البحيرة بشكل كبير يؤشر إلى كارثة بيئية كبيرة وخطيرة، ستكون انعكاساتها المباشرة على حاجات سكان المنطقة من المياه آنياً، وعلى المتغيرات البيئية السلبية المصاحبة للجفاف المستمر للبحيرة مستقبلاً.
أهم مسطح مائي طبيعي
البحيرة تقع على بعد 12 كم إلى الغرب من مدينة درعا، وتبلغ مساحتها بحدود 1 كم مربع، بطول 500 متر وعرض 250 متر، وتتغذى من عدد من الينابيع في المنطقة، وهي تعتبر من أهم المصادر المائية لمحافظتي درعا والسويداء، باعتبارها كانت تؤمن مياه الشرب لأعداد كبيرة من السكان في هاتين المحافظتين عبر أنابيب المياه الممتدة منها، كما تعتبر البحيرة من أكبر المسطحات المائية الطبيعية في المنطقة الجنوبية، بالإضافة إلى أنها تشكل من جريانها شلالات تل شهاب المرتفعة، وهي على ذلك تعتبر رئة محافظة درعا، كما أنها تعتبر معلماً سياحياً في فصل الصيف، حيث كانت مقصداً سياحياً شعبياً نظراً لجماليتها، وما يحيط بها من أشجار، بالإضافة لوجود العديد من المواقع الأثرية التاريخية القريبة منها.
إنذار بالكارثة
وحسب ما تداولته الأنباء، فإن مستوى انخفاض منسوب المياه أصبح كبيراً جداً، حيث وصل إلى متر واحد، فيما كان 2.5 متر، حيث تزايد هذا الانخفاض بشكل لافت منذ شهر تقريباً، وذلك بسبب كثرة حفر الآبار في المناطق المجاورة للبحيرة، وعلى حوضها المائي، وزيادة استجرار المياه بشكل جائر منها، عن طريق محركات الضخ للأراضي الزراعية من أجل أعمال السقاية للمزروعات والخضار والمحاصيل الزراعية، ناهيك عن العوامل الطبيعية المرتبطة بفصل الصيف، والجفاف المصاحب لارتفاعات درجات الحرارة فيه.
تناوب سيطرة
خلال سنوات الحرب والأزمة تناوبت السيطرة والنفوذ على المزيريب العديد من المجموعات المسلحة، بما فيها بعض المجموعات المبايعة للتنظيم الإرهابي «داعش» مثل «لواء شهداء اليرموك» وغيره، كما وشهدت الكثير من المعارك بأرضها وعلى تخومها بين هذه المجموعات المسلحة، حتى تم إعلانها خالية من «داعش»، وأصبحت تحت سيطرة جماعات مسلحة أخرى مع وجود «مجلس محلي» يعمل بالتنسيق مع ما يسمى «المجلس العسكري» فيها، مع عدم تغييب المصالح المرتبطة بتناوب السيطرة والنفوذ، والصراع على هذه المصالح، بما في ذلك مسألة المياه ذاتها، باعتبارها واحدة من المصالح المتنازع عليها بين البعض من هؤلاء وأتباعهم،والمحسوبين عليهم.
مصالح وإجراءات قاصرة
الاعتداءات الجائرة على البحيرة طيلة السنوات الماضية، سواء عبر زيادة أعداد الآبار المحفورة بمنطقتها، وعلى حوضها المائي، أو عبر الضخ الجائر للمياه منها إلى الأراضي الزراعية، وبكميات كبيرة، كان نتيجة لحال الفوضى، نتيجة المعارك وتغير تناوب المجموعات المسلحة بالسيطرة على المنطقة، ولكن بالمقابل، لم يكن ذلك كله، أو أغلبه على أقل تقدير، خارج علم الجماعات المسلحة، أو خارجاً عن حسابات المصالح المتنازع عليها لمصلحة بعض أتباع هذه المجموعة أو تلك، أو بعض المحسوبين عليها.
وعلى إثر تذمر الأهالي وتخوفهم على حاضرهم ومستقبلهم، وممارسة الضغط الشعبي عبر فضح أشكال الاستفادة المدعومة من قبل المتنفذين في بعض المجموعات المسلحة والمحسوبين عليها، استفاقت هذه المجالس أخيراً على الكارثة القائمة، رغم وضوحها كعين الشمس بالعين المجردة، وتم اتخاذ قرار بوقف ضخ المياه من بحيرة المزيريب، وإزالة المخالفات كافةً من محركات ضخ، كانت تستخدم لسقاية الأراضي الزراعية من البحيرة، وذلك حسب ما تداولته وسائل الإعلام التابعة لهذه «المجالس».
بالمقابل، لم يصدر أي قرار بشأن الآبار التي حفرت على حوض البحيرة، كما ولم تتخذ أية إجراءات بهذا الخصوص من قبل هؤلاء، ما يعني أن احتمالات الكارثة ما زالت قائمة، مع الكثير من التعتيم الإعلامي عليها، وعلى نتائجها السلبية المتوقعة، وخاصة على المستوى المستقبلي بيئياً.
تخوف وخشية أهلية
ما من شك أن كارثة بحيرة المزيريب الحالية هي إحدى الكوارث الكثيرة الناجمة عن تداعيات الحرب والأزمة المستمرة منذ أكثر من ستة أعوام وحتى الآن، كما ما من شك بأن استعادة الحياة للبحيرة ولسكان المنطقة يتطلب الكثير من الإمكانات وتكاتف الجهود، من أجل وقفها ومعالجة أسبابها ودرء نتائجها السلبية الحالية والمستقبلية، ولعل ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر تكثيف الجهود من أجل الاستمرار بوقف إطلاق النار، وتعميمه وتعميقه، وصولاً للحل السياسي الناجز، والتغيير الديمقراطي الجذري والعميق والشامل، حيث إنه وفي ظل الاستمرار بالنزاع والصراع على المصالح والنفوذ، ربما ستغدو كارثة المزيريب الحالية صغيرة جداً أمام كوارث أكبر وأعمق. لا محالة في المستقبل، وهو ما يخشاه الأهالي ويتخوفون منه.