_
مليارات وخبرات قيد الهدر
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

مليارات وخبرات قيد الهدر

يبدو أننا مضطرون لإعادة طرح وعرض مشكلة طياري الطراز ATR في السورية للطيران، المتوقفين عن العمل بشكل تام منذ نحو عامين مع توقف هذا الطراز عن العمل.



فقد سبق لقاسيون أن عرضت مشكلة هؤلاء في عددها الصادر بتاريخ 18/6/2017، في مادة تحت عنوان: طيارون «ع الرف» قيد انتهاء الصلاحية الفنية!
الاضطرار أعلاه ليس من باب الرغبة في السرد وإعادته، بل من باب ما يفرضه عامل الزمن من ضغط بهذه المشكلة، وضرورة معالجتها قبل أن يسبق السيف العذل، كون الوقت المتبقي لإيجاد الحل وتنفيذه لا يتجاوز الثلاثة أشهر فقط!.

الكلفة التقديرية مليون دولار فقط!
الطيارون المذكورون متوقفون عن العمل منذ تشرين الثاني 2015، وبحلول تشرين الثاني 2017 سيكون قد مضى عامان على هؤلاء دون مزاولة عملهم، ما سيؤدي إلى فقدانهم الاعتراف بأهليتهم الفنية للطيران، وبالتالي سيخسرون عملهم بشكل نهائي كطيارين، كما ستخسر المؤسسة والدولة إمكاناتهم، وكل التكاليف التي تم تكبدها على دراستهم، وتأهيلهم وتدريبهم طيلة السنوات السابقة، وساعات الطيران التي راكموها كخبرة عملية عبر السورية، والتي لا تقل بمجملها عن مليون دولار لكل منهم كحد أدنى، أي: ما يعادل 500 مليون ليرة سورية تقريباً، بين تكاليف دراسة، وتكاليف دورات، ونفقات وتعويضات أخرى، صرفت عليهم طيلة سني عملهم وخدمتهم من أموال وحسابات الدولة والاقتصاد الوطني.
ثلث الإمكانات قيد الهدر لمصلحة من؟
فإذا ما علمنا أن تعداد هؤلاء يقدر بحدود 26 طياراً قائداً ومساعداً، فهذا يعني أن المبلغ قيد الهدر سيقارب 13 مليار ليرة سورية، ناهيك عن خبرة هؤلاء المتراكمة طيلة سني علمهم، وساعات طيرانهم الفعلية، والتي تعتبر ذات قيمة لا تقدر ولا تعوض كذلك الأمر، ليس بالمقاييس المحلية فقط، بل وبالمقاييس الدولية، يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الطيارين، بتعدادهم العامل وبساعات طيرانهم المسجلة، يمثلون ما يعادل ثلث الإمكانات المتاحة لدى السورية للطيران بالوقت الراهن، على مستوى الطيارين القادة والمساعدين.

تساؤلات مشروعة
أمام هذه الحقيقة الضاغطة لا يسعنا إلا أن نتساءل بمرارة:
كيف يمكن قبول توقيف هؤلاء عن العمل أصلاً طيلة هذه المدة؟ في سابقة لم تسجل بتاريخ المؤسسة، كما لا نتوقع أنه قد تم تسجيل مثل هذه الحالة في أية شركة طيران دولية، حكومية أو خاصة!.
ولمصلحة من تُهدر هذه الإمكانات والخبرات المتراكمة، كما يتم هدر هذه التكاليف والأموال؟.
ومن يقف حجر عثرة أمام حسن استثمار هذه الكفاءات، قبل أن تتقاذفها ريح الترهل لترمى خارج العملية الاستثمارية في المؤسسة؟.
لنصل لنتيجة مفادها: أن المزيد من هدر إمكانات السورية للطيران لا يصب إلا بخانة المزيد من ترهلها بما يخدم توجهات اللبرلة في هذا القطاع، تعزيزاً لتوجهات الخصخصة، تحت شعارات التشاركية وغيرها، أو عبر بوابات إعادة الهيكلة وغيرها من المسميات الأخرى.

تطفيش بحجم كارثة!
ومع تأكيدنا على احترام وتقدير الكفاءات العاملة في مستويات العمل ومواقعه كافةً، والخبرات المتراكمة فيها، لكن الحديث هنا يجري عن طيارين قادة مؤهلين وذوي كفاءات وخبرات، وليس من السهل تعويض كل ذلك بيسر وسهولة كحال غيرها من الكفاءات العاملة في أي قطاع آخر، ليس للتقليل من شأن بعض الأعمال وخبراتها الخاصة حكماً، ولكن من باب تسليط الضوء على حجم الكارثة الجارية بحق هؤلاء، كما بحق السورية كمؤسسة، وبحق الاقتصاد الوطني ككل.
وليس أدل على ذلك من أن الخبرات العملية لهؤلاء تقدر بساعات الطيران الفعلي لهم، كما بالدورات التي خضع لها كل منهم، والطرازات التي عملوا عليها، أي: أن كل ساعة طيران مسجلة باسم أي منهم، لها قيمتها، كما لها مدلولها العملي والتشغيلي، وذلك وفقاً للقوانين الدولية الناظمة لحركة الملاحة الجوية وكادرها العامل.
والجدير ذكره بهذا الصدد: أنّ عدم حل المشكلة، وتأجيل حلها، يعتبر بأحد أوجهه شكلاً من أشكال التطفيش، حيث سيدفع الحال بالبعض من هؤلاء للبحث عن حلولهم الخاصة، عبر الاستقالة من السورية للطيران قبل استنفاذ عامل الزمن وفقدانهم الأهلية الفنية للطيران، إما للالتحاق بالشركات المحلية الخاصة، أو لمغادرة القطر بحثاً عن فرص عمل بالشركات الأجنبية في الخارج، علماً أن هذا وذاك يمكن أن يتاح بسهولة أمام هؤلاء، نظراً لعلمهم وكفاءتهم وخبراتهم المتراكمة، وساعات الطيران الفعلي المنجزة من قبل كل منهم، بالإضافة طبعاً للسمعة الحسنة للطيارين السوريين المسجلة والمعترف بها دولياً.

المشكلة ليست عصية عن الحل
مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشكلة ليست عصية عن الحل، بل يمكن أن يكون حلّها بسيطاً جداً، عبر نقل هؤلاء للعمل على الطرازات العاملة بدلاً من استمرار توقفهم عن العمل، والاستمرار بدورات الطيران التشبيهي والفعلي للطرازات العاملة، وإلغاء ما تم من إجراءات السماح بالاحتفاظ بشهادات طرازين معاً لبعض الطيارين، على حساب استمرار توقف هؤلاء، بما يضمن حسن استثمار الكادرات المؤهلة والمدربة جميعاً ودون استثناء، وبشكل عادل، بعيداً عن أوجه المحسوبية والفساد، وبعيداً عن المصالح المادية للبعض، على حساب الآخرين، عبر أنماط المداورة مع الشركات الخاصة، أو عبر الدورات التشبيهية والعملية على طراز متوقف وخارج الخدمة. وهنا لا بد من أن نذكر بما وجه به وزير النقل سابقاً بهذا الاتجاه، وخاصة على مستوى النقل إلى طرازات عاملة أخرى، وفكرة توحيد الدخل، التي يمكن عبرها الدفع باتجاه تحقيق العدالة في مداورة العمل أتوماتيكياً، والتي لم تر النور، وتم تمييعها على المستوى التنفيذي لاحقاً!.
أما (كيف؟ ولماذا؟ وما هي الذرائع؟) فهذه تساؤلات بعهدة الوزير وأولي الأمر في السورية للطيران!.

عامل الزمن ضاغط
نعود لنقول: إن عامل الزمن بات ضاغطاً، فالزمن المتاح لتلافي هذا الهدر قبل وقوع الكارثة بقي منه بحدود ثلاثة أشهر فقط، فإما أن يتم الاستدراك وحل المشكلة قبل فوات الأوان، وإما ستستمر المماطلة بهدر الوقت المتبقي، لنصل إلى نتيجة مفادها: هدر الكفاءات والأموال، بتوقف هؤلاء الطيارين، قادة ومساعدين، عن العمل بشكل نهائي، وفقدانهم رخصة الطيران بشكل نهائي أيضاً، اللهم إلّا عبر هدر المزيد من صرف الأموال والتكاليف الكبيرة لاحقاً، بإعادة التأهيل الفني لهؤلاء مجدداً، عبر دروات طويلة ومكلفة، مع الكثير من المراسلات الداخلية والخارجية، من أجل تنفيذ ذلك، مضافاً إليها عامل الزمن المهدور على كل ذلك.