_
الفاسدون والناهبون ضد الشعب

الفاسدون والناهبون ضد الشعب

أزمة المياه في مدينة حلب هي الأزمة الغائبة الحاضرة فيها، تطل برأسها بين الفينة والأخرى، إما مع أخواتها لتقسم ظهر المدينة، أو لوحدها لتنغص عيش ساكنيها.

في حين أن مسؤولي المدينة لا يؤلون جهداً في دفع الأزمة بالذرائع والحجج دون وجود عمل على الأرض، حال استحالت معه البدائل إلى مصائب من نوع آخر.

 

إعلام واشاعات
في خضم أزمات المدينة، وخاصة أزمة المياه، كانت صفحات التواصل الاجتماعي اللاعب الأساسي في سوق هذه الإشاعات وفبركة مضامينها، ما أحدث في كتير من الأحيان لغطاً كبيراً وتضارباً يثير حالة من الذعر والسخط، والغريب أننا لا نرى رداً من أحد مسؤولي المدينة، وإن ورد فهو منقول، إضافة إلى معظم الإعلاميين الذين ينقل عن صفحاتهم المعلومات والأخبار، نفاجأ أن جلها مشكوك بصحته، إن لم نقل هي في معظمها غير صحيحة.

تناقض رسمي
لكن الأسوأ أنك أمام كل تصريح رسمي تجد من ينقل لك حقيقة مغايرة لما تم الحديث عنها، حيث صرح محافظ حلب في وقت سابق: أن سبب انقطاع المياه هو خفض حصة سورية من مياه الفرات من قبل الجانب التركي، وهو ما نفاه أحد موظفي الري، حيث إن المجرى الداخل إلى محطة الضخ صمم بانخفاض 40 متراً من منسوب سطح المياه، بحيث إنه مهما تم تخفيض الحصة يظل استجرار المياه مستمراً.
كما صرح وزير الموارد المائية أن سبب قطع المياه هو أن إحدى القوى العسكرية المسيطرة عمدت إلى قطع خط الكهرباء الواصل بين سد تشرين وقرية الحبوبة(محطة الضخ)، لكن مدير عام شركة مياه حلب قال: السبب هو عطل بالخط الواصل المتواجد في حي الزهراء.
فأي كلام بعد هذا التخبط الرسمي يمكن اعتماده؟ وكيف يمكن التصديق بعد اليوم أن أزمة المياه في حلب بالأساس ترجع إلى سوق السوتيرات الكاسد بين وقت وآخر، ويجب تحريكه؟!.
كل هذا لم يحل أزمة المياه، ولم يكشف أسبابها، بل زاد طينتها بلة وعكس مدى البلبلة والتخبط في مواجهة المشكلات بشكل واقعي، والاعتراف بها والذهاب إلى حلها واصلاحها، وليس المواربة في طرحها أو القفز بها إلى الأمام، أو لنقل أن مسؤولي المدينة يتجاهلون المشكلة، ما يوهمهم أنها ستحل لوحدها.
ففي البداية كانت حجة المسؤولين عدم السيطرة على محطة سليمان الحلبي، حين تحررت تطلعوا إلى تحرير محطة الخفسة، وبعدها حتى تحرير السد، وبعدها انقطاع خط التوتر العالي...الخ!.

تهكم وسخرية
حتى آراء المواطنين لم تعد تخلو من التهكم والسخرية على الحال المزرية التي وصل إليها ملف المياه في المدينة.
يقول أبو حمدي: « شو بدنا نساوي!! بعد كل أيام التعب والبؤس مع انقطاع المياه بفعل انقطاع الكهرباء .. لم يجد المواطن الحلبي أي مسؤول أو مدير أو وزير يقدم مبرراً صادقاً أو توصيفاً حقيقياً لما يجري... وربما لم ولن يتجرؤوا بعد هذا الكم الهائل من الإشاعات والأكاذيب ... فأغلب الناس كانت تصدق ما يقال، حتى حان الوقت لنكتشف أن أياً منهم، من أولهم حتى آخرهم، إما لا يعلمون شيئاً وهو ما يُعد كارثة، وإما أنهم يستفيدون من هذه الأزمة، وهي نتيجة خلص إليها الجميع بفعل ما يجري على الأرض».

خيارات محدودة وتعمية مقصودة!
أما البدائل من آبار محفورة، من قبل المنظمات الإنسانية والجمعيات والمبادرات الأهلية ومنظمة الهلال الأحمر، فإن مياه هذه الأبار أغلبها يذهب إلى تعبئة الصهاريج، التي تبيع المياه للمواطنين بواقع 3 ليرات لقاء كل ليتر، في حين أنها ممنوعة عن المواطنين لأسباب كيدية في معظم الأحيان، حيث وردت شكاوى من قبل العديد من المواطنين عن سيطرة أفراد على بعض هذه الآبار وتوزيع مياهها بشكل كيفي ومزاجي، حارمين المواطنين من المياه.
أي: أن المواطن مخيّر بين أن يدفع مبالغ طائلة، أو أن يكسر ظهره بنقل المياه لساعات طويلة لتأمين زاده منها ليومين أو ثلاثة.
لليوم، فإن أزمة المياه من المدينة خرجت من كونها أزمة ناتجة عن حرب أو إرهاب، إلا لتثبت الأيام أنها تحولت إلى ملف ابتزاز، بداية بيد المسلحين ضد الحكومة، والآن بيد الفاسدين والناهبين ضد الشعب.
لتغدو محاولات التبرير إما لذرّ الرماد في العيون، أو محاولات التعمية عن المسبب الحقيقي لهذه الأزمة التي يدفع ثمنها المواطن، وعلى مرأى ومسمع المسؤولين.