_
العطلة الصيفية هم إضافي
نوار الدمشقي نوار الدمشقي

العطلة الصيفية هم إضافي

فقدت العطلة الصيفية هدفها وغايتها مع تزايد معدلات الفقر والإفقار، حتى غدت عبئاً يعيشه الأهل، ونكداً وكسلاً يعيشه الأبناء.


فلم تعد العطلة الصيفية فرصة لتحفيز النشاط، وممارسة الهوايات والترفيه، أو للاستزادة المعرفية والتعلم، كما يجب أن تكون، بل أصبحت عبئاً ثقيلاً ينوء بحمله الأهل، وانعكاساً سلبياً يحصده الأبناء بالمزيد من التراخي والكسل وانعدام النشاط، والإدمان على البدائل التي تكرس التهميش والهامشية.


المزيد من الإفقار والتربّح منه!
ارتفاع الأسعار، وتدهور الوضع المعيشي لحدود الفاقة والعوز، انعكس سلباً على مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية كافةً للأسرة السورية، ومع تغوّل الاستثمار وتوسعه وانتشاره، وتشجيعه على المزيد من الانتشار، استُحكم إغلاق منافذ حسن استثمار طاقات الأبناء وتوجيهها، بما يفسح المجال أمامها للتطور والنمو السليمين، سواء على مستوى البنية الجسدية والصحية، أو على مستوى البنية الفكرية والثقافية والمعرفية، والنتائج المتوخاة إيجاباً من ذلك، على مستوى الأبناء وافقهم ومستقبلهم، وعلى مستوى البنية المجتمعية بعلاقاتها الخاصة والعامة، داخل الأسرة ذاتها، أو بمحيط أفرادها الضيق والواسع، كما أغلقت مجالات الترفيه كافةً خلال العطلة الصيفية بنتيجة هذا الواقع الاقتصادي المعيشي والعجز عن تأمين مستلزمات الحياة الأساسية، فلا سياحة داخلية، ولا نوادي، ولا سيران ولا مصدر للمتعة وملء الفراغ ولا....، وأصبح ذلك كله حكراً على مالكي الثروة من المتربحين والمستغلين ومحدثي النعمة من أمراء الحرب والفاسدين، المستفيدين من الإفقار العام والمزيد منه.


الدولة الغائبة!
غاب دور الدولة على مستوى استقطاب الطاقات الطلابية، وتوجيهها وحسن استثمارها وتأهيلها خلال العطلة الصيفية، رويداً وتباعاً، خلال عقود طويلة من اللامبالاة بهذا الجانب الحياتي والهام حاضراً ومستقبلاً، اعتباراً من واقع المنشآت الرياضية العامة، الذي وصل حدّ الترهل، مروراً بمراكز استقطاب الهوايات لتطويرها وتحفيزها، من مراكز ثقافية وفنية وموسيقية وترفيهية، وليس انتهاءً بالحدائق العامة.
فلا خطط رسمية حقيقية موضوعة، لا من قبل وزارة التربية، ولا وزارة التعليم العالي، ولا وزارة الثقافة ولا وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا الاتحاد الرياضي العام، وغيرها من الجهات العامة الأخرى، لا على المستوى الفردي ولا على مستوى التنسيق، وتضافر الجهود بينها من أجل الاستفادة من فترة العطلة الصيفية للطلاب، عبر برامج الترفيه والتثقيف والتحفيز على الأنشطة الهادفة، والتأهيل والتدريب واستقطاب المواهب ورعايتها، والتي من المفترض أنها بعضاً من واجبات هذه الجهات، منفردة ومجتمعة، اللهم ربما هناك بعض الاستثناءات لبعض الأنشطة ذات الطبيعة والغاية الإعلامية فقط. لا غير، وهي استثناءات تؤكد القاعدة ولا تنفيها.
فقد غزا مفهوم الاستثمار والريع مجالات الأنشطة العامة كافةً ، الرياضية والترفيهية والثقافية والتعليمية، وغيرها من أوجه النشاط والتحفيز، كما دخلت أجزاء من بعض الحدائق العامة حيز الاستثمار كذلك الأمر، أما على مستوى البدائل الاستثمارية الخاصة المتوفرة من أجل هذه الغاية فحدث بلا حرج عن تكلفتها المرتفعة، والتي لا يقدر عليها إلا القلة من أصحاب المال والثروة فقط.


فرز طبقي وتهميش!
النتيجة: أن الفرز الطبقي المستمر والمتعمق يوماً بعد آخر، في ظل الاستمرار بالسياسات الليبرالية المفقرة للبلاد والعباد، دفع ويدفع بالطلاب، أطفالاً وشباباً، إلى المزيد من الهامشية والتهميش، ودفن الطاقات والمواهب، وخاصة خلال فترة العطلة الصيفية، بدءاً السّهر أمام شاشات التلفاز أو الألعاب الإلكترونية الكومبيوترية، إلى الكسل والنوم لساعات متأخرة من النهار، إلى استهلاك المزيد من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، فيس بوك وواتساب وتويتر وانستغرام وغيرها، أو للتسكع في الشوارع، مع كل ما تحمله هذه وتلك من مخاطر وسلبيات، وقتل لأي نشاط وتحفيز لديهم، في نمط حياة هامشي فرض قسراً على أبناء فقراء الحال والمعدمين بنتيجة الواقع الاقتصادي المعيشي المتردي، حيث أسقط بيد الأهالي إمكانية توفير أمكنة ومجالات ومناخات مناسبة لأبنائهم من أجل تفجير طاقاتهم وحسن استثمارها وتوجيهها خلال العطلة الصيفية، بما يتناسب وإمكاناتهم المادية، المعدومة.
ولعل الأسوأ من ذلك، هي أجواء النكد التي يعيشها أفراد الأسرة خلال العطلة الصيفية، الأنشطة الهامشية كافةً المذكورة أعلاه، تصبح مملة بعد حين، لتتضافر مع حالة الاكتئاب المنتشرة كامتداد للحرب والأزمة والكارثة الإنسانية المعاشة منذ سنين، لتزيدها عمقاً، ولتصبح العطلة الصيفية عبارة عن عبء مادي ومعنوي ونفسي، تظهر مؤشراته عبر المزيد من التذمر والتعبير عن الاستياء.


المزيد من العوز والتهميش
لا نبالغ بالقول، أن من يجد من الطلاب، أطفالاً وكباراً، ذكوراً وإناثاً، فرصة للعمل خلال فترة العطلة الصيفية، يعتبر من المحظوظين، في ظل قلة فرص العمل وزيادة معدلات البطالة، فعلى الرغم من الاستغلال المباشر الذي يعاني منه هؤلاء، حسب الجهد المبذول وطبيعة العمل وساعاته، وغيرها من أوجه الاستغلال الأخرى من قبل أرباب العمل، فإن المساعدة المادية للأسرة على مستوى تأمين مصدر دخل إضافي مساعد لتغطية بعض من المصاريف المعيشية تعتبر إنجازاً بالنسبة إليهم خلال العطلة الصيفية، كما يقيهم ربما بعضاً من مغبّات الهامشية والفراغ والملل، التي يعاني منها أقرانهم.
ليغدو الأمر وكأن المزيد من الإفقار والاستغلال عبارة عن فرصة وغنيمة يتلقفها هؤلاء، وأية غنيمة!.
الأكثر فجاجة ومدعاة للأسف والسخرية من هذا الواقع الظالم، خلال العطلة الصيفية أو بغيرها، أنّ لا حلَّ منظوراً في الأفق بظل الاستمرار بالسياسات نفسها التي تُغيّب دور الدولة على هذا المستوى بشكل مقصود ومبرمج، كما هو غائب عن الكثير من المستويات الأخرى، والمشجعة للاستثمار والمحابية للمستثمرين، والمفقرة بالنتيجة للشرائح الاجتماعية الواسعة، دافعة بها نحو المزيد من العوز والتهميش.

أمثلة عن التكاليف
تكلفة الدخول لمسبح شعبي 500 ليرة، وتصل للآلاف في السياحي.
رسم اشتراك شهري لممارسة أية لعبة رياضية يتراوح بين 300 ليرة ويصل إلى 2000 ليرة.
رسم اشتراك في دورات للموسيقى أو الصولفيج تبدأ من 5000 ليرة، وتصل لعشرات الآلاف.
أية لعبة ملاهي لا تقل عن 100 ليرة، وقد تصل لأكثر من 1000 ليرة، ومدتها دقائق معدودة.
بالمقابل فإن تكلفة الدورة الصيفية، 3 أشهر، في معهد الثقافة الشعبية بدمشق 1000 ليرة في أقسام (الفني- الحاسب- اللغات)، ولكن دائماً هناك مشكلة في محدودية الأماكن، نظراً لضيق المكان.
وبالتالي فإنّ أباً، من محدودي الدخل، لديه ثلاثة أطفال سيكون عاجزاً عن تأمين تسجيل أبنائه في مثل هذه الدورات ومتابعتها، أو تكرار بعض الأنشطة لهم خلال عطلة الصيف، خاصة مع لحظ النفقات الإضافية (أجور طريق- طعام- مستلزمات أخرى).