_
في الغوطة الشرقية تصلب الرفض الشعبي في مواجهة الجماعات المسلحة

في الغوطة الشرقية تصلب الرفض الشعبي في مواجهة الجماعات المسلحة

ما زالت رحى المعارك الدائرة بين «جيش الإسلام» من طرف، و«هيئة تحرير الشام» و«فيلق الرحمن» من طرف آخر، تطحن المدنيين في بلدات الغوطة الشرقية حتى الآن.

مسرابا- مديرا- كفر بطنا- حرستا- عربين- دوما- وغيرها من البلدات الكثيرة في الغوطة الشرقية كانت مسرحاً لعمليات تلك الفصائل المتصارعة، وحلفائها وأنصارها من الفصائل الأخرى، على محاور التماس في هذه البلدات، وفي داخلها.

استياء واحتقان شعبي
الصراع الدائر بين هذه الفصائل، على التحكم والسيطرة في بلدات الغوطة الشرقية، ليس بجديد، لكن الجديد هو حالة الاستياء والاحتقان الشعبي المتنامي يوماً بعد آخر، والذي وصل منذ مدة ليتمظهر على شكل مظاهرات مناهضة لكافة هذه الفصائل، تجلت عبر العديد من الشعارات والهتافات، بالإضافة إلى أشكال المواجهة المباشرة بين المدنيين وبين عناصر هذه الفصائل وأتباعهم في العديد من البلدات، والتي بلغت أوجها عبر اشتباك المدنيين العزَّل مع هؤلاء في بعض البلدات والتمكن من انتزاع أسلحتهم، على إثر التمادي الفج والوقح لسلوكيات بعض المسلحين على الأهالي، الذين فاض بهم الكيل من هؤلاء وسلوكياتهم.
تزايد وتنامي حالة الاستياء لدى الأهالي لم تكن بسبب تحكم هؤلاء بسبل عيشهم وبمعيشتهم عبر عناصرهم وأتباعهم وشرعييهم المفروضة عليهم بقوة السلاح فقط، بل بسبب ما آلت إليه الحال من نتائج سلبية وخيمة على الأهالي جراء الاقتتال المستمر، الذي يدفع ضريبته المدنيون على مستوى أمنهم كل يوم، وخاصة بعد أن تجاوزت خطوط التماس بين هذه الفصائل حدود البلدات لتصبح في داخلها أيضاً، مع ما تبع ذلك من تزايد للحواجز بين بلدات الغوطة الشرقية، حيث أصبح لكل فصيل حواجزه التي تفصل البلدات عن بعضها، كما وتمنع الأهالي من التنقل والانتقال بين البلدات المتلاصقة، بما في ذلك منعهم من معاودة أراضيهم الزراعية، التي تعتبر أحد أهم مصادر المعيشة.

اشتباكات مباشرة مع الأهالي
الأهالي، في العديد من بلدات الغوطة الشرقية، كانوا قد فرضوا على الكثير من هذه الفصائل الحد من المظاهر المسلحة داخل بلداتهم، وذلك بعد الكثير من الشدّ والجذب بينهم وبين متزعمي هذه الفصائل، على إثر الاحتجاجات الشعبية والصدامات المباشرة، خلال السنوات السابقة، وقد كان ذلك إنجازاً يسجل لمصلحة الحركة الشعبية بمواجهة هذه الفصائل في ظل الإمكانات المتواضعة للأهالي بمواجهة هؤلاء، لكن المعارك الأخيرة كانت بمثابة الانتكاسة على هذا الإنجاز الشعبي، خاصة مع ما رافقه من تهجير متبادل لبعض الأسر من بلدة إلى بلدة، بالإضافة لتزايد حالات اعتقال الأهالي على إثر تزايد الرفض الشعبي للكثير من الممارسات الشاذة للمسلحين، الأمر الذي فسح المجال مجدداً لتصعيد هذا الحراك على شكل موجات متكررة من المواجهات المباشرة، سواء عبر أشكال التظاهر، أو عبر الاشتباك بالأيدي العزلاء مع بعض المسلحين، ما يشير إلى قرب وصول الأمر لخواتيمه، ربما، حيث بدأت عمليات طرد المسلحين من بعض البلدات، وإجبارهم على ترك مقراتهم وحواجزهم، وإفراغ بعضها بشكل نهائي، من قبل الأهالي، بغض النظر عن مسمى هذا الفصيل أو ذاك، وتبعياته وولاءاته، وبغض النظر عن كل التأويل والتحريف الجاري على هذا المستوى، أو التعتيم عليه.

تغييب إعلامي مقصود
لقد كان لافتاً طيلة الفترة الماضية محاولات التعتيم الإعلامي على ما يجري بالغوطة الشرقية، ليس على مستوى المعارك الدائرة بين هذه الفصائل بذريعة فرض السيطرة والنفوذ، والاحتكام للشرع المحتكر من قبل كل منها، على حساب حياة الأهالي ومعيشتهم وأمنهم، بل ولعل الأهم من ذلك هو التعتيم على الرفض الشعبي المتنامي بمواجهة المسلحين، بكل تلاوينهم ومسميات فصائلهم، وذلك لتغييب واقع الاحتقان الشعبي، وحراكه في مواجهة هؤلاء، وفي تعمية وتضليل مقصود غايته تغييب الدور الأهلي والشعبي، إعلامياً، مع مساعي خنقه وتكميمه وتحريفه ميدانياً، من أجل استمرار سيطرة الفصائل على الأهالي عبر قوة السلاح.

ظرف موضوعي ذاتي التقدم
ما من شك أن الكثير من المعارك الدائرة بين الفصائل المتصارعة في الغوطة الشرقية، بمسمياتها وتبعياتها المختلفة، ما هي إلا تعبير عما يجري على مستوى خارطة الصراع المحلي والإقليمي والدولي، وانعكاس لها، سواء عبر تفعيل وتظهير هذه الصراعات من أجل توتير الأوضاع والتشويش قبيل كل حراك دولي من أجل الحل السياسي على أساس القرار 2254، عبر أستانا، أو في جنيف، من أجل إعادة خلط الأوراق، كمسعى يائس من أجل تفشيل المفاوضات وعرقلتها، أو تعكير أجوائها بالحد الأدنى، أو كنتيجة مباشرة عن محصلة توازن القوى الدولية، وخاصة في ظل دعم القوى الصاعدة فيه، من أجل المزيد من الفرز بين هذه الفصائل، بين المعتدل والإرهابي منها، والانعكاسات الإيجابية لذلك على مستوى التسريع بالوصول للحل السياسي المرتقب إلى نتائجه وخواتيمه المرجوة منه، بين من يقبل به ويعمل من أجله ومن يرفضه أو يعرقله.
بالمقابل يجب ألا يغيب عن أذهاننا، أن حالة الحراك الشعبي في الغوطة الشرقية، كما في غيرها من مناطق التوتر والصراع والمعارك، بتصاعدها المتزايد والملموس، الرافض للفصائل المسلحة، بتلاوينها المختلفة، وحلولها العسكرية، تعتبر عاملاً هاماً ومساعداً وضاغطاً باتجاه استكمال تعبيد طريق الحل السياسي، كتعبير عن التمسك الشعبي والأهلي بهذا الحل الوحيد الذي يمثل مصالحها بالتغيير الديمقراطي الجذري والعميق والشامل، الذي يحفظ ويصون مستقبلها، وهو على ذلك أحد تجليات الظرف الذاتي والموضوعي، ذاتي الدفع والتقدم باتجاه استكمال هذا الحل، وهو ما تسعى الكثير من القوى ووسائل الإعلام أن تغيبه، أو تحرفه عن غاياته، من جملة مساعيها البائسة واليائسة، من أجل استمرار المقتلة والمأساة السورية، وهو ما لم، ولن، تتمكن منه، حيث مازال هذا الحراك يتصاعد ويتمتن ويتصلب بموجهة هؤلاء وبالتمسك بالحل السياسي، خاصة وقد بلغ ما بلغه من حدود فرض الوجود على الكثير من القوى الفاعلة، كما على الكثير من الفصائل المتصارعة والمقتتلة، رغم كل الدعم الذي تلقاه، تمويلاً وتسليحاً ودعماً سياسياً، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية المشوهة والمجتزأة والموجهة، حسب التبعية، وحسب الغايات والرغبات، محلياً وإقليمياً ودولياً.