فلاحو درعا مبعدون عن أراضيهم وموسم جديد لا يبشر بالخير!

لطالما كانت المنطقة الجنوبية خزاناً للخضروات الموسمية، وأنواع عديدة من  الحبوب والمنتجات الحيوانية، فمن ينافس البندورة الحورانية، أو تفاح الجولان.

تزهو الأرض بربيعها، لم تمطر السماء في نيسان كما هي هذه السنة. لن يكون هناك سعادة بهذه الأمطار كما هي سعادة الفلاح.

لكن اليوم، عدد كبير من فلاحي القنيطرة ودرعا باتوا مبعدين عن أراضيهم، ويترقبون ربيعها من بعيد.

مرغمون على الرحيل

خرج أبو مازن (ع) من قريته جنوب محافظة درعا منتصف العام 2013. يقول: نزحنا بعد اشتداد المعارك في منطقتنا، وبات من المستحيل البقاء، وتركت خلفي عدداً من الأغنام والماعز والأبقار في عهدة أحد الجيران الذين بقوا في القرية، لكن بعد فترة قصيرة خرج جاري وترك هو أيضاً أرضه وماشيته، بعد أن باع قسماً من ماشيتي وماشيته بأرخص الأسعار.

يتابع أبو مازن: تحولت أرضي إلى أرض بور بعد أن تم فتح مياه السد المجاور لها بشكل عشوائي، وكذلك عدد كبير من الأراضي المجاورة، مضيفاً: إن عدم استقرار المنطقة سيؤدي إلى تأخر عودتنا إلى أراضينا، وكذلك سيرتفع الضرر على تلك الأراضي، الممتدة على مساحات واسعة من أراضي محافظة درعا.

تقلب أم سعيد الخضروات في سوق السبت دون أن تشتري شيئاً، وتقول: في كل موسم ترتفع الأسعار عن الموسم السابق، ولم يعد بإمكاننا شراء الخضروات، وصارت الفواكه رفاهيةً كبيرةً.

وتتابع كنا نملك مائة وخمسين دونما من الأراضي في درعا، نزرعها قمحاً وشعيراً، ومعظم الخضروات التي نحتاجها في أيامنا العادية، ولم نكن نشتري إلا الفواكه غير الموجودة في بلادنا، لكننا خرجنا من ديارنا بسبب الحرب الدائرة، وتكفل أحد الأشخاص برعاية الأرض، وعلى موسمين كان يتقاسم معنا إنتاج الموسم من قمح وشعير وبندورة، وكذلك الخضروات، لكن لم يعد بإمكان جارنا العناية بالأرض، وخاصةً أن المسلحين كانوا يقومون بفتح المياه بشكل عشوائي، أو حبس المياه عن الأراضي، فبات من الصعب التحكم بالموسم. ونحن ننتظر بفارغ الصبر العودة إلى أراضينا وزراعتنا.

سلاح جديد!

أثار قيام المجموعات المسلحة في المنطقة الجنوبية تفجير صمام أحد السدود (سد تسيل) في المنطقة مخاوف الأهالي، من استخدام هذه المجموعات تفجير السدود وإغراق الأراضي الزراعية بمياه السدود كسلاح جديد، بعد أن قام عدد منهم في السنوات الماضية بحرق مساحات من الأراضي في محافظتي القنيطرة ودرعا، بحجج عديدة، ليُحَرَم الفلاحون من استثمار أراضيهم.

لكن مصادر أهليةً في درعا تحدثت لقاسيون عن وضع السد، مؤكدةً أن الضرر لم يكن بالحجم الإعلامي الذي سُوِّق له، متابعين أن أضراراً لحقت بالأراضي التي تزرع عادة بالخضروات، كالكوسا والبندورة. مما قد يؤثر على موسم الخضروات لهذا الصيف، مضيفةً أن الفلاحين هم الأكثر تضرراً، فهم لم يحصلوا على أي تعويض أو دعم.

إحصاءات رسمية:

تشير الدراسات إلى تراجع ملحوظ في المنطقة الجنوبية، من حيث تنفيذ المحاصيل الشتوية، ولاسيما محصول القمح الاستراتيجي، وتلاحظ الدراسات أن التراجع، ليس في المساحات المزروعة فحسب، وإنما في كمية الإنتاج والجودة.

حيث بينت دائرة الإنتاج النباتي في زراعة درعا، أن المساحات في موسم 2010- 2011، المزروعة بالقمح المروي، بلغت 15350 هكتاراً، بنسبة تنفيذ 106% من المخطط، وبالقمح البعل 45030 هكتاراً، بنسبة تنفيذ 85%، وإجمالي الكمية المسوقة كانت بحدود 130 ألف طن.

أما موسم 2013- 2014 فإن التنفيذ لم يكن كاملاً، حيث تمت زراعة 7154 هكتاراً بالقمح المروي، بنسبة 59% من المخطط، ومساحة 39308 هكتارات بالقمح البعل، بنسبة 62%، وقدّر الإنتاج بنحو 35 ألف طن، ويُقاس على ذلك، وإن بنسب متفاوتة، محاصيل الشعير والحمص والعدس والفول والبازلاء.

أما في موسم 2014- 2015، وبالتحديد القمح، لوحظ أن هناك تحسناً نسبياً في المساحات المنفذة، حيث بلغت للقمح المروي 10900 هكتار، بنسبة 85% من المخطط، و47700 هكتار من البعل، بنسبة 74%، علماً بأنه يتم توزيع البذار المغربل والمعقم من فرع إكثار البذار في إزرع، وتقدّم الإرشادات الزراعية، وتتم مكافحة فأر الحقل التي شملت حتى تاريخه 9 آلاف هكتار.

أما الخضار الشتوية للموسم 2013- 2014، فبلغت نسبة التنفيذ 90% من المخطط البالغ 1410 هكتارات، ولموسم 2014-2015 وصلت نسبة التنفيذ إلى 87% من المخطط البالغ 1296 هكتاراً، وكان للخضر الصيفية في موسم 2013-2014 (37%) من أصل المخطط البالغ 2052 هكتاراً، ولم ينفذ من البندورة سوى 34% من المخطط البالغ 3603 هكتارات، وبالطبع فإن هذه المحاصيل قبل الأحداث، كانت تتجاوز المخطط، رغم ارتفاعه عن الحالي، وإنتاجيتها وجودتها عاليتان، أي: إن المشكلة ليست في انخفاض المساحات المنفذة فقط، وإنما في التراجع الكبير في جودة الإنتاج وكميته.

لماذا نزرع؟!

سنة عن سنة يقلص أبو مزاحم مساحة الأراضي التي يزرعها، ويقول: كنت أزرع مائة دونم بندورة وخيار وذرة، واليوم لا تتجاوز المساحة التي أزرعها عشرة دونمات، ففي السنتين الماضيتين خاطرت بنفسي وبأبنائي وقمنا بزراعة خمسين دونماً، لكننا تعرضنا للقنص، وبعد ذلك لم نتمكن من جني محصولنا، فكانت خسارتنا بملايين الليرات.

فيما يقول مزارع ثانٍ من درعا: قطفنا البندورة العام الماضي، ولم نتمكن من إرسالها إلى السوق الرئيسة، ففسدت وهي معبأةٌ بالصناديق، خسارتنا تتجاوز الملايين كل عام.

ويتابع: نحن فلاحون ولا نجيد عملاً آخر، لماذا نعمل؟ لم يعد يجدي ولم يعد بالفائدة المرجوة! فقررت أن أزرع فقط حاجة منزلي من الخضروات في حديقة المنزل، وأنتظر أن تعود حياتنا إلى سابق عهدها.

حال المزارعين في درعا يشبه حال باقي المزارعين في سورية كلها، حيث يعزف عدد كبير من الفلاحين عن العمل في أراضيهم لأسباب عديدة أبرزها الهجرة والإبعاد القسري عن أراضيهم كما يسهم ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج من أسمدة ومحروقات ومبيدات، وقلة مياه الري وارتفاع أجور النقل واليد العاملة، وصعوبة التسويق والتنقل والرعاية في تقليل كمية الإنتاج.

تمت قرائته 474 مرة