الأزمة الاقتصادية العالمية.. ترفع صوتها عالياً

تستمر الأصوات المحذّرة من ازدياد حدة أزمة الركود العالمي، فمؤخراً أعلن بنك ساكسو، وهو بنك عالمي متخصص في التجارة والاستثمار، عن توقعاته بانفجار الأزمة بنسبة 60% خلال فترة 12 إلى 18 شهراً القادمة. وعبّر البنك عن قلقه من تخفيف المخاطر المتعلقة باحتمال الركود، بينما الظروف الاقتصادية الحالية، يجب أن ترفع عتبة الحذر لدى كل من المستهلكين، المستثمرين والحكومات على حد سواء، وأن التفاؤل الاقتصادي لدى البعض نابع من الأمنيات وليس الوقائع!

بنك ساكسو ليس وحده من توقع تصاعد الأزمة قريباً، فصندوق النقد الدولي حذر مؤخراً في 7 نيسان 2017 من أن السياسات النقدية «غير التقليدية» المتبعة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 لم تجلب سوى نتائج كارثية حتى الآن.

سعر فائدة منخفض ونمو ضعيف!

السياسات النقدية التي أشار لها صندوق النقد الدولي، هي إجراءات التيسير الكمي وتخفيض سعر الفائدة، أو الفائدة الصفرية، والتي تم اتباعها في أعقاب أزمة 2008 بهدف التخفيف من حدة الأزمة، ولكن النتائج جاءت عكسيةً، فإجراءات تخفيض تكلفة الإقراض لم تمس جوهر الأزمة المالية المتعمقة للنظام الرأسمالي. وحسب صندوق النقد: فقد أدت إلى تراجع النمو وتآكل إنتاجية العمل. 

وقد كانت أسعار الفائدة قد خفضت إلى مستويات قياسية، بعد أزمة 2008 بهدف تحفيز الاستثمار والنمو، مما أدى إلى ازدياد القروض وانخفاض إيرادات المصارف بشكل كبير، مما أدخلها في أزمة مستمرة، كما يتضح من أزمة المصارف الإيطالية الأخيرة، والتي لم تكن المتضرر الوحيد فالأزمة تتمركز وتتوسع في الولايات المتحدة، وفي منطقة اليورو واليابان. حيث وصل سعر الفائدة في البنك المركزي البريطاني إلى 0.25 وهو أدنى مستوى له منذ تأسيس البنك في القرن الـ 17، بينما أصبحت معدلات الفائدة  في البنك المركزي الياباني سالبةً بنسبة -0.1. علاوةً على ذلك، فإن البنك المركزي الأوروبي قد أنفق لسنوات مبالغ ضخمةً لشراء السندات من المصارف، بهدف توفير السيولة والسيطرة على الأزمة، فالسلطات النقدية تعتقد أن مثل تلك الإجراءات، من شأنها أن تحفز الاستهلاك والاستثمار، بينما النمو لا يزال ضعيفاً، فأين تكمن المشكلة؟

تفاوت الدخل أساس المشكلة!

على الرغم من اتخاذ إجراءات نقدية من تخفيض لسعر الفائدة، بهدف تحفيز الاستثمار، لا تزال معدلات النمو ضعيفةً، فالخلل لا يكمن في الإجراءات النقدية، بل في انخفاض الطلب، مع ارتفاع التفاوت في توزيع الثروة، وانخفاض الدخل لدى الأغلبية، وتمركز الثروات بأيدي الأقلية على الصعيد العالمي. ذلك الخلل المتجلي في التناقض الأساسي للرأسمالية، فإعادة الإنتاج والنمو تحتاج إلى  تحفيزه بالطلب، ولكن الأجور المتآكلة أصبحت تحد من إمكانيته. مما يؤكد على الرؤية الماركسية التي تقول: إن العدالة في توزع الدخل هي شرط لازم لتحقيق النمو، وأن التناقض بين الإنتاج والاستهلاك يفرض نفسه مع زيادة تمركز الثروة.

هبوط معدل الربح..

من جهة أخرى فإن انخفاض إنتاجية العمل، التي حذر منها صندوق النقد تحد من النمو، وحسب رئيسة صندوق النقد كريستسن لاغارد: فإن «الإنتاجية الضعيفة يمكن أن تعرِّض الاستقرار المالي والاجتماعي للخطر في بعض البلدان، مما يجعل من الصعب الحد من عدم المساواة المفرطة».

أما تراجع إنتاجية العمل، فهو يكمن في عدم رغبة رؤوس الأموال، بتحقيق دفعات جديدة في الإمكانات الإنتاجية، ورفدها بمزيد من التكنولوجيا التي تزيد إنتاجية العمل، أما لماذا؟! فهنا يكمن فعل قانون أساسي يحكم عمل منظومة الإنتاج الرأسمالي، وهو: «ميل معدل الربح للانخفاض، مع تعقد التركيب العضوي لرأس المال» حيث يميل معدل الربح للانخفاض مع زيادة نسبة رأس المال الثابت، أي المعدات والتكنولوجيا، بالقياس إلى تراجع نسبة العمل البشري في القطاعات الصناعية والزراعية وقطاعات الإنتاج الحقيقي.

ولعل هذا القانون يفسر بالعمق، فشل سياسات التيسير الكمي، وفشل مليارات الدولارات التي ضخت في اقتصاديات الدول المركزية، ومنظومة الغرب، في توليد مزيد من النمو والتشغيل، فأصحاب رؤوس الأموال الساعون إلى الربح الأقصى، استخدموا معظم هذه الأموال في القطاعات المالية، لأنهم لا يريدون أن يوسعوا الإنتاج الحقيقي، ذا معدل الربح المنخفض بالقياس إلى فترات تاريخية سابقة، كما في الخمسينيات، وتحديداً مع الصعوبات في تحقيق هذا الربح، مع تراجع قدرات الاستهلاك الناجمة عن تفاوت توزيع الدخل، وتراجع حصة الأجور وقدرتها الشرائية..

من الأزمة 

إلى الجديد..

 يواجه الاقتصاد العالمي اليوم وفقاً لمؤسساته، تحديات رئيسيةً تكمن في ضعف النمو وإنتاجية العمل، بالإضافة إلى آثار إجراءات الائتمان الرخيص المتمثلة في خروج الكثير من القروض الاستهلاكية من نطاق السيطرة، والتي قد يكون رفع سعر الفائدة مجدداً إحدى الوصفات المطروحة لحلها كما في أمريكا، ولكن مثل ذلك الخيار قد يزيد من القروض المتعثرة مما ينذر بتوسع للأزمة المصرفية وازديادها. إن حل تعقيدات الاقتصاد العالمي اليوم يحتاج إلى إعادة هيكلته، من إعادة توزيع الثروة، إلى إعادة أولويات الاستثمار، وهو سيناريو يبدو أن تنفيذه بشكل فعلي، يتطلب مواجهة المصالح العميقة لأصحاب رؤوس الأموال، مما يؤكد على احتمالات تفجر الأزمة قريباً، والتي ستؤدي إلى تراجع قدرات هؤلاء على مقاومة ولادة الجديد الضروري..

تمت قرائته 840 مرة