_
برتقال وموز
سمير علي سمير علي

برتقال وموز

تناقلت بعض وسائل الإعلام مؤخراً خبراً مفاده: قيام بعض الفلاحين في المنطقة الساحلية، وفي محافظة اللاذقية على وجه الخصوص، بقطع أشجار البرتقال في أراضيهم، بسبب الخسائر التي لحقت بهم في هذا الموسم.

فلاحّو ومزارعو الحمضيات في المنطقة الساحلية عموماً لم يتمكنوا من تحصيل ثمرة تعبهم وجنيهم، ليس خلال هذا الموسم فقط، بل لمواسم عديدة سابقة، على الرغم من الوعود الحكومية كلها، التي لم يظهر منها إلا العجز عن حل مشكلة هؤلاء المزمنة، وبشكل نهائي.

الموز المستورد منافس للمنتج المحلي

الفلاحون لم يتمكنوا من تسويق محاصيلهم السنوية، وخاصةً خلال سني الحرب والأزمة، بسبب انخفاض الأسعار بشكل كبير، دون سعر التكلفة، وتحكم التجار «المستوردين والمصدرين» وتجار أسواق الهال ومن خلفهم من المستفيدين، ليس على مستوى السعر المعروض فقط، بل على مستوى البدائل التي يوفرها هؤلاء التجار في السوق المحلي، خلال موسم الحمضيات تحديداً في كل عام، حيث يتم إغراق السوق بالموز المستورد والمنافس سعراً، في نية أصبحت واضحةً تمام الوضوح، وهي ضرب الإنتاج الزراعي المحلي، وتكبيد الفلاحين الخسائر المتتالية بغاية هجر أرضهم، أو زراعة أصناف أخرى أكثر جدوى، مثل الفول والخضراوات وغيرها.

نصف الإنتاج يهدر؟

يشار إلى أنه سبق وأن أعلن عن سعي حكومي لفتح سوق لتصريف الحمضيات، عن طريق التصدير إلى روسيا، ولكن لم يلمس الفلاح هذا الإجراء على مستوى الاستجرار والأسعار المعروضة، كما تم الإعلان عن مساعٍ من قبل المؤسسة السورية للتجارة لتسويق جزء من الإنتاج داخلاً أيضاً، مع زيادة في السعر، كما تمّ الحديث لأكثر من مرة عن السعي لإنشاء معامل لتصنيع العصائر من الحمضيات محلية الإنتاج، بحيث يتم استجرار فائض الإنتاج من قبل هذه المعامل لتصنيعها، بالإضافة للأحاديث عن احداث مراكز وورشات للفرز والتوضيب والتشميع، تمهيداً للتصدير وفق المواصفات الفنية الجيدة والمنافسة في الأسواق الخارجية، إلّا أن عمليات التسويق الداخلي والخارجي كلها، بناءً على كل تلك الإجراءات والأحاديث لم تتجاوز نسبة 40% من الإنتاج، حسب تقديرات مكتب الحمضيات في الموسم الحالي.

الواقع يشير إلى أن نصف الإنتاج لم يتم قطافه هذا الموسم، وبقي على الشجر ليتساقط تباعاً، ما يعني أن الخسائر التي تكبدها ويتكبدها الفلاحون بالنتيجة ما زالت على حالها، وتتراكم سنوياً.

دعم في غير مكانه؟

في المقابل فقد تم منح اتحاد المصدرين قرضاً بقيمة 250 مليون ليرة بذريعة تمويل شراء محصول الحمضيات من الفلاحين، بغرض التصدير، على أن يتم سداده خلال 9 أشهر، مع الكثير من الإعفاءات الضريبة والجمركية، بالإضافة للإعفاء من تعهد إعادة قطع التصدير، كما تم تخصيص مليار ليرة لدعم نقل الحمضيات من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك في المحافظات لتخفيض السعر النهائي على المستهلك.

لتظهر النتيجة النهائية، وهي: أن كل تلك الإجراءات والوعود والإعفاءات والمبالغ المرصودة والجهود، لم تنعكس على الفلاحين ايجاباً، حيث ما زالت معاناتهم المزمنة السنوية كما هي، مما اضطر البعض منهم لقطع أشجارهم المثمرة، واستبدالها بمحاصيل أكثر جدوى.

مليارات الدولارات سنوياً خسارة في الإنتاج الوطني

مع الأخذ بعين الاعتبار أن سعر المنتج بالسوق العالمي مرتفع بحيث لا يمكن مقارنته بأسعار السوق المحلي، أو أسعار الاستجرار، سواء من قبل السورية للتجارة أو من قبل التجار والمصدرين على السواء.

ولو كانت هناك نوايا حقيقية وجدية اقترنت بخطط رسمية عملية ومنصفة باتجاه فتح أسواق لتصدير هذا المنتج المحلي لكانت الحصيلة هي المليارات من الدولارات، التي يمكن لها بالنتيجة أن تقدم الدعم الحقيقي لهذا الإنتاج والمحافظة عليه، بل وجعله من المحاصيل الاستراتيجية، مع ما يعنيه ذلك من دعم حقيقي للفلاحين كي لا يضطروا لهجر أرضهم وزراعتهم، أو استبدالها بغيرها من الزراعات، عبر دعم مستلزمات الإنتاج اعتباراً من المحروقات والسماد مروراً بالمبيدات والأدوية الزراعية والمياه وليس انتهاءً بالتعويضات عن الخسائر الناجمة عن الأحوال الجوية والآفات الزراعية وغيرها، بالإضافة لما يمكن أن يتم تحصيله من قيمة مضافة، بحال تمّ تصنيع الفائض عبر معامل العصير المقترحة.

ونتساءل: لمصلحة من يتم إغفال المصلحة الوطنية بهذا المحصول الاستراتيجي القابل والقادر على المنافسة بالأسواق العالمية؟ ولمصلحة من تتم عملية هجرة الزراعة والأراضي الزراعية، عبر التخسير المتعمد للفلاحين والمزارعين موسماً بعد آخر؟.

كل يغني على ليلاه!

أخيراً نُذكّر بالتوجيه الحكومي في الجلسة المنعقدة لرئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 20/12/2017، حيث طلب المجلس من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي التحضير لإطلاق حملة تشجير وطنية شاملة للتشجير الحراجي والمثمر تزامناً مع عيد الشجرة تستهدف المواقع التي تعرضت للحرائق أو للقطع الجائر بهدف إعادة الحيوية إلى هذه المساحات إضافةً إلى المساحات الممكنة القابلة للتشجير!.

وأرى ألّا حاجة بعد ذلك للتعليق!.