انتشار الاكتئاب بين الشباب .. ومهدئات تباع دون وصفة!

ترتبط الحالة النفسية للمرء بالوضع العام والمحيط الذي يتواجد به، فبعد حوالي ست سنوات من الحرب المستمرة بتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية كلها، بات من النادر وجود عائلة لم تفقد أحد أفرادها كبيراً كان أم صغيراً، تلك الخسارة وغيرها من خسائر، ولدت الحزن والأسى والشعور بالضيق، في نفوس من بقي، سواء كان سالماً من الإصابة والضرر أم لم يكن بالمجمل...

 

وفي خضم ذلك، كانت الأدوية المهدئة ملاذاً لكثيرين، أرادوا تجنب طريق العلاج النظامي عبر الأطباء والأخصائيين النفسيين  بسبب ارتفاع قيمة المعاينة في بعض الحالات، أو لقلة توفر الأطباء النفسيين، وصعوبة الحصول على موعد للمعاينة في حالات أخرى، خاصة بعد سفر الكثير من الأطباء خارج البلاد..

زيادة الطلب على المهدئات

نسبة بيع الأدوية المهدئة زادت بشكل ملحوظ خلال سنوات الحرب، فضلاً عن زيادة عدد المرضى النفسيين وغيرها من أمراض لها علاقة بالضغوط النفسية، مثل: الجلطات أو ارتفاع ضغط الدم، التي ترتبط بشكل وثيق بالحالة النفسية، والمشاكل التي يتعرض لها الشخص في حياته.

أحد الصيادلة الذي فضل عدم ذكر اسمه، أكد لجريدة (قاسيون): «زيادة نسبة المرضى الذين يتناولون مهدئات بنسبة كبيرة، خلال فترة الحرب عما كان عليه قبل سنوات الأزمة»، كاشفاً أن «عددهم ازداد أكثر من الضعف، وتحديداً النساء منهم بحكم طبيعة الظروف».

وتابع الصيدلي: إن «المرضى هم من كافة الشرائح العمرية، اذ يتدرجون من الشباب للكبار بالعمر من الجنسين كليهما».

الأمر الذي أكده أحد العاملين في مستودعات الأدوية، من حيث زيادة الطلب على الأدوية النفسية، من قبل الصيدليات بدرجة ملحوظة، في حين تواجه المستودعات الدوائية مشاكل في تأمين الأدوية النفسية، فهناك حوالي 50% منها مفقود، فضلا عن ارتفاع الأدوية الأجنبية والتي يصل سعرها إلى أكثر من 15 ألف ليرة سورية، على حد قوله.

الإدمان قديم وزاد بعد الحرب

وحول وجود حالات تعاطي أو إدمان على المهدئات، قال الصيدلي: إن «تعاطي المهدئات أو المخدرات منتشر منذ زمن، لكنه زاد خلال الأزمة، بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها فئة كبيرة من الناس، فضلاً عن البيئة التي قد تكون عاملاً مهيئاً للإدمان».

وحول أكثر الأدوية المنتشر تعاطيها بين المدمنين، كشف الصيدلي: إن «أدوية مثل بيوغابالين، ترامادول هما أكثر الأصناف التي ينتشر تعاطيها في حال الإدمان».

وعن كيفية الحصول على مثل هذه الأدوية، أوضح الصيدلي: إلى أنه «في العرف الطبي ليس مسموحاً بيع أي نوع من الأدوية المهدئة للرشح أو السعال، أو أدوية المرضى النفسيين بلا وصفة طبيب، لكن هناك من نسميهم بضعاف النفوس، يبيعون تلك الأدوية بشكل غير قانوني لمن يطلبها بلا وصفة طبيب، ويتقاضون جراء ذلك مبالغ كبيرة مقارنة بسعرها الحقيقي، فيبيعون فرضا الظرف الواحد بـ5 آلاف ليرة، بينما لا يكون سعر العلبة يتعدى الألف ليرة أو نحو ذلك».

الواقع الاقتصادي المعيشي متهم أيضاً

لم تكن مفرزات الحرب والأزمة وتداعياتها هي المتسبب الأوحد على مستوى زيادة انتشار الأدوية المهدئة، كملاذ لدى الكثرة المتكاثرة من السوريين، بل كان للواقع الاقتصادي المعاشي المتردي والمتراجع، بتداعياته السلبية على المستوى الحياتي اليومي، من فقر وعوز وجوع وبطالة وتهميش، بالإضافة إلى انسداد الأفق أمام هؤلاء، دور بارز أيضاً على مستوى هذه الزيادة في استخدام الأدوية المهدئة، كما لها أثر مباشر على مستوى زيادة الاضطرابات النفسية، بحالاتها ومسمياتها كلها، عموماً.

المرضى النفسيون مهيؤون للإدمان

وكتطور مطرد، يعتبر ازدياد عدد المرضى أو الذين يعانون من مشاكل واضطرابات نفسية، عاملاً مساهما في زيادة نسبة المدمنين على المهدئات، حيث أثبتت الإحصائيات العلمية أن ما يقارب واحد بين خمسة أشخاص من الذين يستعملون العقاقير المهدئة، عندهم القابلية على الإدمان لفترة طويلة.

ومن جهته قال نقيب صيادلة سورية محمود الحسن: إن نسبة الأشخاص الذين يتعالجون بالأدوية النفسية ارتفعت خلال الفترة الماضية لتصل إلى 40 % عما كانت عليه، على حين كشف رئيس شعبة الأمراض النفسية بمشفى المواساة يوسف لطيفة: إن عدد المراجعين يومياً بلغ نحو 10 مرضى مصابين بمختلف أنواع الأمراض النفسية.

وبحسب أرقام صادرة عن مشفى ابن رشد للأمراض النفسية والعقلية، المشفى الأكاديمي التخصصي الوحيد في سورية للعلاج النفسي والإدمان، فقد وصل عدد المراجعين إلى 1555 مراجعاً خلال الربع الأول من العام 2016، علماً أن المشفى يعاني من نقص كادر الأطباء «المقيمين» حيث هناك طبيبان مقيمان فقط، إضافة إلى النقص الحاصل أيضاً في بعض أنواع الأدوية.

ويرى اختصاصيون بالأمراض النفسية، أن نسبة الأمراض النفسية في ظروف الحرب تضاعفت لمرتين على الأقل، عما كانت عليه في السابق، حيث أثرت الأوضاع الصعبة جراء الحرب على بعض الأشخاص، في حين تعرضت حياة البعض الآخر لتهديد مباشر، وبالتالي انعكس ذلك على نفسيتهم، فضلا عن وجود حالات أخرى، لكنها لا ترقى لمرحلة الاضطراب النفسي حيث يمكن بتدخل بسيط معالجتها بهدف منع تطورها.

في سورية: اكتئاب ووسواس وهوس

أجمع اختصاصيون نفسيون على أن معظم الحالات النفسية التي تتم معالجتها بشكل عام هي (اكتئاب – قلق – وسواس قهري – حالات فصام – هوس)، إضافة للصدمة، أو اضطراب الشدة ما بعد الصدمة، وهي أكثر الأمراض النفسية انتشاراً.  كانت تسمى سابقاً «عُصاب الحرب» وبالتعريف، الصدمة، هي: آثار التعرض لحدث كارثي كالقتل، الاغتصاب، الجرائم، البتر…الخ.

وأكد الأخصائيون النفسيون أن أغلب حالات الإدمان مترافقة مع الحالات النفسية، أو سابقة لها، ففي أحيان كثيرةً يكون سبب الإدمان ترسباً لاضطرابات نفسية موجودة لدى الشخص.

والضحايا أغلبهم «شباب»

ومن جانب آخر، زادت حالات الاكتئاب المرضي بشكل ملحوظ، وكانت الفئة الشابة هي الضحية الأكبر، كون هذه الأعمار تمتلك دائماً توقعاً عن المستقبل القريب والبعيد للحياة، والأمل هو ما يعطي الحيوية للإنسان في هذا السن، وعند حدوث أي ظرف قد يبدد هذا الأمل يكون الشاب معرضاً للإصابة بالاكتئاب.

وعن وضع الخدمة الطبية المقدمة في جانب الصحة النفسية، تبين أن سورية تعاني من نقص حاد في عدد الأخصائيين النفسيين، حيث أكد مدير الصحة النفسية في وزارة الصحة السورية، رمضان محفوري مؤخراً: أن عدد الأطباء النفسيين على مستوى سورية بلغ 40 طبيباً فقط، في حين تحتاج البلاد إلى أكثر من 500 طبيب نفسي، معتبراً أن النقص يعود إلى عدم الإقبال على التخصص في الطب النفسي.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة لعدد المصابين بالأمراض النفسية، فإن زيادة الإقبال على أدوية هذه الأمراض يؤكد انتشارها في شكل كبير جداً. 

 

وفي النهاية تجدر الإشارة إلى أن المهدئات والمنومات والمنشطات وعقاقير الهلوسة والمسكنات، كالأسبرين وبعض الأدوية المضادة للسعال، وبعض مضادات الحساسية، هي: أدوية مسببة للإدمان إذ يصبح من المستحيل الامتناع عن تناولها، إلا بجهود طبية مكثفة، حيث أن الجسم يعتاد عليها وتختل وظائفه الفسيولوجية تماماً، ويضطر المريض إلى زيادة جرعة الدواء يوماً بعد يومٍ ليحصل على التأثير نفسه الذي ينشده من جراء تعاطيه.

تمت قرائته 3932 مرة