_
المعركة المفتوحة مع سلطة المصارف في لبنان
ليلى نصر ليلى نصر

المعركة المفتوحة مع سلطة المصارف في لبنان

يسابق الوضع الاقتصادي اللبناني الوضع السوري في مسار التدهور، حيث يُنذر بفشل مالي عام بدأ عملياً، وفشل كهذا مع هذا المستوى من السلطة السياسية والنمط الاقتصادي غير المنتج... يفتح الباب لإيصال لبنان إلى فوضى مفتوحة الاحتمالات، إنّ المنظومات المتخلفة تساهم بشكل فعّال في إيصال المنطقة إلى مكان لا مجال فيه إلا للفوضى أو الحلول الجذرية بالبتر.

الأزمة في لبنان هي بالدرجة الأولى أزمة النظام المصرفي، واقتصاد الدِّين غير الإنتاجي، الناتج عن إعادة الإعمار الحريرية الخليجية الغربية. ولكن مع ذلك فإن المصارف قد تكون أقل دافعي الأثمان، لأنّها حتى الآن صاحبة الوزن الحاسم في السلطة السياسية وفي قرار المصرف المركزي اللبناني الذي يدير الأزمة لصالحها.

البنوك (أكبر من لبنان) بـ 4 مرات!

تمتلك البنوك اللبنانية موجودات أكبر من الناتج المحلي اللبناني بـ أربع مرات، وقد بلغت في 8-2019: 262 مليار دولار (جمعية المصارف اللبنانية)، ولكن جزءاً هاماً من هذه الأموال قد لا يكون موجوداً فعلياً، بل أوراق دين قد لا يتمكن أحد من سداده.
إنّ نسبة 70% من أصول المصارف هي ودائع لدى مصرف لبنان ودين حكومي، بينما الحكومة لم تمتلك يوماً من الإيرادات ما هو كفيل بسداد ديونها للمصارف، والآن يتوسع عجزها سريعاً مع تدهور الإيرادات العامة، ولن تكون قادرة غالباً على إيجاد مقرض غربي أو إقليمي خارجي كما في السابق.
حيث خفّضت وكالات التصنيف الدولية تقديرها للاحتياطيات اللبنانية القابلة للاستعمال ما بين 6-9 مليارات دولار. وهذه تغطي استيراد المشتقات النفطية والأدوية والمواد الغذائية لعام واحد فقط، والتي قاربت 6 مليارات دولار عام 2018، بينما عموم الاستيراد اللبناني كان 19 مليار دولار!

الودائع تكشف الظلم الاجتماعي

تأتي موجودات المصارف بشكل أساس من الودائع (177 مليار دولار في 8-2019)، ويكشف توزّع هذه الودائع مستوى توزيع الثروة، وحدّة اللامساواة في المجتمع اللبناني.
إنّ جزءاً كبيراً من المساهمات والودائع هي لنخب المال والسياسة والتجارة والإعلام من لبنان ومن المنطقة (كأن تكون ودائع السوريين تقارب الـ 50 مليار دولار وفق التقديرات). فحوالي 1600 حساب تمثل نسبة 0,1% من عدد الحسابات يمتلك أصحابها 34 مليار دولار، بينما 1% من كبار الحسابات يمتلكون 50% من الودائع تقريباً ورقماً يصل إلى 85 مليار دولار.
بينما صغار ومتوسطو المودعين يشكلون نسبة 90% من المودعين، وحوالي 2,5 مليون حساب مصرفي لا يمتلكون إلا 15% من الودائع، ومن بين هؤلاء فإن 1,7 مليون حساب لا يملكون أكثر من 3300 دولار تقريباً في حساباتهم وهي تعادل مصروف الحد الأدنى لأسرة في بيروت لمدة لا تصل إلى شهرين! هؤلاء هم غالبية من تعطيهم المصارف مدخراتهم القليلة بالقطارة...

كيف يدير مصرف لبنان الأزمة؟

يتخذ مصرف لبنان إجراءات باتجاه واحد: حماية رساميل المصارف، وتدفيع عموم المودعين الأثمان، الأمر الذي ينجم عنه عملياً تحميل الأعباء الأكبر على صغار المودعين: الأكثر عدداً والأضيق حالاً.
قيّد مصرف لبنان التحويلات والسحوبات، ولكن هذا لم يمنع المصارف من ابتزاز مودعيها، فخلال الفترة الماضية أصبح من يريد أن يسحب حسابه بالدولار أن يترك للمصارف نسبة 30% منه. بينما تمت إتاحة السحب بالليرة، ولكن بالسعر الرسمي لليرة اللبنانية مقابل الدولار 1500 ليرة، بينما السعر في السوق 2500 ليرة تقريباً، وهو الذي يحدد إلى حد بعيد القيمة الشرائية للعملة اللبنانية، أي إن المودع قد يقبض أمواله بالليرة مع خسارة مباشرة في قيمتها تقارب 40%.
آخر قرارات المصرف، كان رفع الفوائد على إيداعات المصارف في مصرف لبنان سواء بالدولار أو بالليرة، ليوصلها إلى نسبة 50%. أي عملياً أصبح على مصرف لبنان والدولة اللبنانية أن يدفعوا للمصارف الخاصة 50 ليرة فوق كل 100 ليرة تدينها للحكومة، وفي هذا محاولة ضمان لرساميل المصارف. ولكن حتى هذه المحاولة فاشلة في ظل عدم قدرة الحكومة على السداد، رغم عدم الإعلان. بينما الفائدة التي ستدفعها المصارف للمودعين لديها لا تتعدى 5% على ودائع الدولار و8,5% على ودائع الليرة.

خطوات أولى في طريق صعب

إن متابعة طروحات أبرز الاقتصاديين والقوى الجديّة اللبنانية، تشير إلى أنه ما من حلول سهلة مطروحة... البعض يطالب أولاً وقبل كل شيء بالاعتراف بالانهيار والفشل، ليتم تبيان حجم المشكلة وتحديداً واقع بيانات المصارف الفعلية، وحجم تحويل الأموال للخارج، لإيجاد الحلول وتحميل المسؤوليات على أساسها، وإيجاد (إدارة محترمة للتفليسة). الكثيرون يجمعون أنّه ينبغي الامتناع عن سداد الدِّين، أو شطب جزء هام منه. آخرون يرون أنه ينبغي إعادة هيكلة الدِّين الداخلي بتأجيل السداد وتقليص الفوائد إلى حد تصفيرها أو تحويلها للسالب، حيث قرابة 60% من الدِّين العام اللبناني بالليرة اللبنانية، أخيراً، هنالك أيضاً طروحات تأميم المصارف كما حصل في الكثير من حالات إدارة الأزمات المالية عالمياً.
إنّ خيارات كهذه بدرجاتها هي الخطوات الأولى في طريق صعب ومعقّد نحو تحويل النموذج الاقتصادي اللبناني بعيداً عن اقتصاد ربوي ريعي مدولر ويعتمد على فقاعة الدِّين، ونحو اقتصاد إنتاجي ومدار للمصلحة العامة، وهو طريق ليس سهلاً أو ميسّراً وأمامه عوائق تمويلية واقتصادية كبرى، عدا عن العائق الأساس والحاسم الذي ينبغي تجاوزه وهو المصالح السياسية للسلطة اللبنانية، سلطة المصارف التي تجدها في كل مكان: في الغالبية العظمى للقوى السياسية الحاكمة إن لم يكن (كُلّن يعني كُلّن)، وفي الإعلام وحتى في شرائح ونخب من الحراك الشعبي تتجنب توجيه سهامها نحو المصارف. معركة تجاوز الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان، هي معركة مع نظام سياسي مشكّل في الطائف، والأهم مع الحكم العميق للمصارف، لن تكون سهلة ومفتوحة الاحتمالات لأن الجوع يتربص بأحد طرفي الصراع أي غالبية اللبنانيين، والبتر بالطرف الآخر المنظومة المصرفية السياسية.

0,1%

أكبر 0,1% من الحسابات المصرفية في لبنان وما لا يتعدى 1600 حساب يمتلكون 34 مليار دولار من ودائع المصارف اللبنانية

 

1%

أكبر 16 ألف حساب مصرفي لبناني يمتلكون 85 مليار دولار ونسبة 50% من الودائع في المصارف

90%

90% من الحسابات وحوالي 2,5 مليون حساب يمتلكون نسبة 15% من الودائع وقرابة 25 مليار دولار.

60%

60% من الحسابات وما يقارب 1,7 مليون حساب يمتلك كل منهم ما يقل عن 3300 دولار كوديعة في المصرف. 

معلومات إضافية

العدد رقم:
949
آخر تعديل على الإثنين, 20 كانون2/يناير 2020 12:22