_
تأمينات 1,9 مليون عامل تكشف أسراراً وتطرح تساؤلات
محرر الشؤون الاقتصادية محرر الشؤون الاقتصادية

تأمينات 1,9 مليون عامل تكشف أسراراً وتطرح تساؤلات

يذهب المتقاعد السوري في 23-24 الشهر إلى الصرّاف ليحصل على وسطي أجر تقاعدي يقارب 22 ألف ليرة وقد يصل إلى 40 ألف، يصرفها في طريق الرجوع على مونة للبيت وفي الصيدلية على أدوية الشهر... ولكن خلف هذا المشهد هنالك الكثير من الأرقام والإيرادات ومئات المليارات في التأمينات الاجتماعية.

تصريحات إدارة التأمينات الاجتماعية حول بيانات المؤسسة توضح الكثير من المعلومات عن أعداد العمال السوريين وأوضاع تنظيم العمل في سورية، وعن حصة الـ 24% التي تقتطع من الأجور النظامية للتأمينات.

22000 ليرة لخدمة 35 عاماً

تقول التأمينات الاجتماعية إنها توزع أجوراً تقاعدية لأكثر من 500 ألف موظف متقاعد ومستحق في سورية، بقيم شهرية تقارب 11 مليار ليرة، وبمبلغ سنوي بلغ في 2018: 130 مليار ليرة.
وهذا الرقم يعني أن وسطي ما يحصل عليه الموظف المتقاعد بعد 35 عاماً من العمل في سورية هو: 22 ألف ليرة، مبلغ لا يكفي لتأمين الغذاء الضروري فقط لشخص واحد شهرياً، والذي أصبحت تكلفته في نهاية الشهر الماضي أكثر من 24 ألف ليرة للفرد!
في واحدة من التوصيفات القاسية لحجم كارثة الأجور وتوزيع الدخل في سورية.

إيرادات على حد خطر عدم السداد!

مقابل هذا المصروف فإن المؤسسة يفترض أن تحصل على تأمينات من أجور 1,9 مليون عامل مسجل في التأمينات في سورية، بين عمال قطاع عام وخاص ومشترك وتعاوني.
لا تصرح المؤسسة عن حجم إيراداتها، إلا أن الحد الأدنى لهذه الإيرادات يفترض أن يبلغ: 7 مليارات ليرة شهرياً ويمكن أن يصل إلى 15 مليار ليرة شهرياً. إذا ما أخذنا نسبة التأمينات 24% من أجر الحد الأدنى 16 ألف ليرة، ووسطي الأجر 35 ألف ليرة.
كما تقول المؤسسة إنها تحصل على إيرادات ملياري ليرة تقريباً، من استثمار عقارات تملكها. ولا تذكر مساهماتها في المصارف المحلية والعوائد التي تحصل عليها منها!
بمستوى تسجيل العمال الحالي، فإن المؤسسة تحصل على إيرادات على الحد مقابل ما تنفقه، وقد تعاني من عجوزات مع توسع تقاعد عمال الدولة بوسطي أعمارهم المرتفع مع توقف التشغيل. يضاف إلى ذلك أن هذه المستحقات التي يفترض أن تسدد، لا تسدد دورياً، حيث تتراكم ديوناً لصالح المؤسسة على الجهات العامة والخاصة.
إن ديون المؤسسة كبيرة على القطاعين العام والخاص، وآخر التصريحات حولها: 210 مليارات ليرة على القطاع الحكومي، ما يقارب مستحقات تأمين مليون عامل دولة لمدة ثلاث سنوات تقريباً! و20 مليار ليرة في القطاع الخاص، وهي جزء قليل جداً من المستحقات الفعلية على القطاع الخاص الذي لا يدخل من عماله بالتأمينات إلا نسبة لا تذكر.
الجهة الحكومية الأكبر التي تستدين من التأمينات، هي صندوق الدَّين العام الذي كانت ديونه على المؤسسة في 2016: 225 مليار ليرة من أصل 260 ملياراً، ما يعني أن أموال التأمينات الاجتماعية كانت تستخدم لسد جزء من عجز الموازنة، وأجور العمال كانت تمول جزءاً من العجز. ولكن هذا يُبقي أموال التأمينات في خطر!.

أكثر من 2,4 مليون دون تأمين؟!

1,9 مليون عامل هو عدد العمال المسجلين في التأمينات الاجتماعية، أي العمال المسجلين والمنظّمين... وهؤلاء العمال يشكلون نسبة 80% من العاملين بأجر المشتغلين وفق الأرقام الإحصائية الرسمية، التي تقول إنه في سورية يوجد 2,4 مليون عامل بأجر في القطاعين العام والخاص، حيث يتبقى حوالي 800 ألف من هؤلاء لم يؤمنوا بعد، 400 ألف منهم في القطاع العام، و400 ألف في القطاع الخاص.
ولكن نسبة هؤلاء المُؤَمنين من القوى العاملة المشتغلة في الظل، أقل من هذا بكثير، فعملياً هنالك حوالي 4-5 ملايين من القوى العاملة يشتغل منها شغلاً منظماً 2,4 مليون، بينما أكثر من هذا العدد يدور بين فلك البطالة والأعمال غير المنظمة والمتقطعة والموسمية ودون حماية أو حلم براتب تقاعدي مستقبلاً.

400 ألف عامل قطاع عام غير مؤمن!

تقول تصريحات إدارة المؤسسة إن عدد العمال المؤمنين يقارب 1,9 مليون عامل، من بينهم 811 ألف عامل في القطاع الخاص، وتقول المؤسسة إنه قد تمّ تسجيلهم، وحوالي 1,1 مليون في القطاع العام بالدرجة الأولى (أعداد العاملين في القطاع التعاوني والمشترك قليلة ويمكن إهمالها في الحسابات).
إن 1,1 مليون عامل مؤمن في القطاع العام، يعني أمراً من اثنين، الأول أن عدد عمال القطاع العام قد تراجع منذ عام 2017 بمقدار 400 ألف عامل، والثاني (وهو المرجح) أن حوالي 400 ألف عامل يعملون في القطاع العام بعقود مؤقتة ودون تأمينات، وهم نسبة 36% من العاملين في جهاز الدولة.

تسجيل 324 ألف عامل بأجر 12 ألف!

أما عمال القطاع الخاص الذين وصل عدد المؤمنين منهم إلى 811 ألف عامل، فإن هؤلاء قد ازداد تسجيلهم بوقت قياسي، بزيادة 324 ألف منذ عام تقريباً، ومن شهر 9-2018.
أما الأرقام الوسطية التي تم تسجيلهم بها فهي بنسبة أقل من نسبة الحد الأدنى للأجور (16 ألف ليرة)، إذ وفق تصريحات المؤسسة فإن 179 ألف عامل زادوا الإيرادات السنوية بمقدار 6 مليارات ليرة، ما يعني أن التحصيل الشهري من كل منهم لا يتعدى 2800 ليرة، وهي نسبة 24% من راتب لا يصل إلى 12 ألف ليرة!
ما يعني، أن التأمينات تتغاضى عن تسجيل عمال القطاع الخاص، بدخل أقل من الحد الأدنى للأجور، وهي مخالفة لقوانين العمل تحتاج إلى تفسير... هذا عدا عن أن تسجيل العمال بالحد الأدنى للأجور يعتبر آلية التفافية لتقليص حصة تأمينات القطاع الخاص، وتقليص الرواتب التقاعدية لهؤلاء العمال لاحقاً، إذ يفترض أن تسجل التأمينات وفق كامل الراتب المقطوع.

التأمينات الاجتماعية واحدة من المؤسسات الهامة التي يفترض أن تحصل على نسبة 24% من دخل الأجور، وتحتفظ به لسداد الرواتب التقاعدية ونفقات خدمات عمالية أخرى. هذه الموارد المالية العمالية مهددة، أولاً لأن الجزء الأكبر من ديون المؤسسة لم ترد لها بعد أن موّلت عجز الموازنة. وثانياً لأن القطاع العام يُشغّل نسبة 36% من عمّاله تقريباً دون تأمين، ويشيخ عماله ويتقاعدون دون تثبيت عمال شباب جدد، وثالثاً لأن القطاع الخاص لا يؤمن إلا نسبة قليلة من عماله وبأجور قد تكون أقل من الحد الأدنى للأجور... وكل هذا يجعل الخطر يحيط حتى بهذه الـ 22 ألف ليرة وسطي الراتب التقاعدي التي لا تغطي غذاءً ضرورياً لشخص واحد!

معلومات إضافية

العدد رقم:
935
آخر تعديل على الإثنين, 14 تشرين1/أكتوير 2019 13:33