_
كثير من (الإيهام) في مواجهة الدولار والحلول الحقيقية موجودة!

كثير من (الإيهام) في مواجهة الدولار والحلول الحقيقية موجودة!

تستمر تفاعلات موجة ارتفاع سعر صرف الدولار الجنونية وانخفاضه النسبي إلى مستوى ليس بعيداً عن سعر 650 ليرة مقابل الدولار الذي تسعّر به البضاعة المستوردة اليوم، حيث تكثر (تصريحات) الإيهام بالحركة، فوفق وجهة نظر إدارة الأزمة: (السعر وهمي) ومواجهته وهمية كذلك، لدرجة أن أحدهم يردد أننا انتصرنا على (صفحة فيسبوك) المسببة!

السعر (وهم) ونتائجه حقيقة

إن أي سعر يمكن أن يكون وهمياً، فالأسعار كثيراً ما تنزاح عن القيم الحقيقية، وهذا منطق الأسواق وقانون العرض والطلب، وخصوصاً إذا ما كان يعمل في ظروف احتكار استثنائية وقوى مال كبرى تعتمد المضاربة شرياناً أساسياً كما هي الحال في سورية، فالدولار متمركز لدى قوى السوق الكبرى التي تتحكم بالكتلة الفعلية الأكبر منه، وتحرك العرض صعوداً ونزولاً، ومعه السعر.
ولكن (وهمية السعر) لا تلغي نتائج هذا التسعير، فعملياً السعر المفروض احتكارياً، يتحول إلى انتقال قوة مالية وربح من شاري الموبايل مثلاً إلى التاجر، إلى المورد الكبير، من شاري اللحمة إلى بائعها، ومنه إلى موردي الجملة، وصولاً إلى الكبار... وهنا لا مكان للوهم، نحن ندفع مبالغ أكثر تنتقل من تحت إلى فوق.
الحقيقة الفعلية، أن الدولار محتكر لدى (كبار القوم) يرفعون سعره متى يحلو لهم ويخفضونه كذلك، ولا يمكن أن تكون صفحة فيسبوك كجزء من (المؤامرة الخارجية) هي السبب، وإن ارتبطت بالموضوع فلأنها ترتبط بقوى المال الداخلية الكبرى التي تحدد السعر.

الليرة ضعيفة لأسباب حقيقية

لو أن الليرة تملك عوامل قوة لما أثّر ارتفاع سعر الصرف على الأسعار العامة، ولكن الليرة لا تقوى وتزداد ضعفاً وهذا الأساس... أما أسباب ضعفها واضحة:
أولاً والأهم بسبب الركود الإنتاجي، حيث كتلة هامشية من الليرة تنفق على توسيع الإنتاج سواء من قبل الحكومة أو في السوق، وتوسيع الإنتاج هو العامل الحاسم في زيادة قوة الليرة ورفع قيمتها.
وأبرز مثال على ذلك أن المخصصات الاستثمارية للصناعة العامة، والتي تعتبر قليلة جداً، لا تتعدى 2,2% من الموازنة... لم ينفق منها في 2019 إلا نسبة 4 بالألف! أي إن الحكومة لا تنفق من المال العام لتوسع النشاط الاستثماري للصناعة العامة. أما في السوق فإن المستثمرين الصناعيين لن يوسعوا إنتاجهم، بينما يرون أن قوى المال والنفوذ الكبرى مضطربة وتسعى (لهبشات) ولن تسمح باستقرار سعر الليرة، وبالتالي استقرار الإنتاج.
وثانياً ما يضعف الليرة، هي كتلة ليرة كبيرة تعوم في السوق بلا تشغيل فعليّ (يقدرها البعض بين 5-6 آلاف مليار ليرة سورية، المودع منها في المصارف 2,9 ألف مليار). وهذه الكتلة تعمل بالدرجة الأولى في التجارة فمثلاً 63% من تسهيلات المصارف لزبائنها غايتها تجارية، والتجارة سواء كانت خارجية أو داخلية ترتبط بسعر الدولار، بسبب عدم وجود إنتاج محلي جدي يغطي الاستهلاك، واعتماد الإنتاج على مستلزمات مستوردة.
فعندما نستورد بمقدار يقارب 7 مليارات دولار في 2018، فإن هذا يعني نسبة 35- 45% من الناتج وفق تقديراته المتبانية. ويعني كتلة ليرة قاربت 3500 مليار ليرة تعمل في التجارة، والأهم طلب على الدولار يفوق 7 مليارات دولار سنوياً، هذا عدا عن استيراد المشتقات النفطية.
في نهاية المطاف، ضعف الليرة، وقوة الدولار يرتبط بطبيعة النشاط الاقتصادي: أولاً إنتاج فعلي محلي قليل وحتى هذا القليل يرتبط بالدولار... بسبب كثرة استيراد المستلزمات الإنتاجية وعدم توفر بدائل محلية لها. وثانياً نشاط التجارة النظامي والمهرب وما يخلقه من طلب كبير على الدولار.

حلول للتمويل الإنتاجي

إن مواجهة التحكم بسعر الدولار، وضعف الليرة، أولاً تتطلب زيادة الإنتاج وتشغيل الليرة. وثانياً تتطلب تقليص كتلة الطلب على الدولار للحدود الدنيا وتحديداً المطلوبة للتجارة. ولهذا العديد من الحلول:
- أن تنفق الحكومة من موازناتها المرصودة على الاستثماري الإنتاجي، فلا يُعقل أن تُخصص أقل 84 مليار ليرة ونسبة 2,2%: من الموازنة على كل الإنفاق الاستثماري الإنتاجي (صناعة- زراعة- إنشاء- اقتصاد تجارة خارجية)، وثمّ لا يتم تنفيذ أية نسب هامة منها، وتعتبر الحكومة إسعافها للصناعة العامة بمليار ليرة إنجازاً، كما تم التصريح مؤخراً!
- أن يتم تشغيل الليرة المودعة في المصارف، تشغيلاً إنتاجياً، وإن كان هذا صعباً في المصارف الخاصة التي تخشى التعثر، وتعمل كبيوت مالية لكبار مودعيها، فلماذا هو صعب في المصارف العامة؟! التي يجب أن تمّول توسيع الصناعة العامة والنقل العام ومؤسسات الزراعة العامة: تمويلها لتتوسع بالاستثمار وبالإنفاق على الكوادر والعمالة، وهذه الجهات لا يمكن أن تتعثر فهي عملياً تعيد كل ما تحققه من دخل إلى المال العام. وهي بمستويات التعطيل الحالية من شّح الإنفاق ونزف الكوادر قادرة على تحقيق مبيعات بـ 118 مليار ليرة في نصف سنة، بينما لم ينفق عليها مليار ليرة استثمارياً!
- درءاً للتضخم الناجم عن تحريك التمويل، وحرصاً على تحول كتلة الليرة المقرضة إلى إنتاج، لماذا لا يتم التركيز على الإقراض السلعي؟ فتُقرض آلات ومستلزمات إنتاج مدعومة بسعر فائدة مخفض، كما في تجربة الإقراض الزراعي السلعي بإقراض مشاريع التحول للري الحديث، وإقراض بالأسمدة والبذار والمعدات وغيرها، وهنا تزداد ضمانة تحول الأموال مباشرة إلى طاقة إنتاجية.
- لا يمكن لما سبق أن ينجح طالما أن جهاز الدولة لا يعمل بالتجارة الخارجية، فعملياً لن نستفيد شيئاً طالما بقي الاعتماد على كبار الوسطاء المتنفذين ليستوردوا مستلزمات استثمارية لصالح الدولة، تمول بها صناعتها العامة أو تقرض بها المنتجين. لأن هؤلاء يستوردون بأسعار مضخّمة تنهب المال العام وبكلف مخاطرة عالية، متذرعين بالعقوبات ومستفيدين منها. لذلك فإن إيجاد طرق مالية- تجارية لتجاوز العقوبات دون وسطاء هو ضرورة لا يمكن تجاهلها، ولهذا أيضاً حلول...

حلول لتجارة دون دولار

- يمكن فتح حسابات رسمية بعملات غير الدولار، حيث يستطيع البنك المركزي السوري أن يفتح حساباً باليوان في البنوك الصينية (كما تفعل أكثر من 60 دولة عبر العالم حيث تفتح منذ عام 2015 حسابات احتياطية بعملة تبادل دولية هي اليوان)، وتتيح الصين وضع عملة محلية مقابلها، أي وضع ليرة مقابل اليوان... إن هذه العملية ستعني تقليص الطلب على الدولار مباشرة بما يقارب 1,3 مليار دولار وهو حجم الاستيراد السوري من الصين في 2018. وحتى إن لم يكن للطرف الصيني مصلحة حالية في فتح حساب بالليرة، يمكن فتح حساب بالدولار أو اليورو، من بقايا الاحتياطي السوري، ومن الحوالات الخارجية التي تصل المركزي سنوياً، ومن الدولار المودع في المصارف، أو من مساهمة قطاع الأعمال والاستيراد بالتمويل مقابل مستورداتهم وأعمالهم في الصين. ويمكن أن تصل بهذه الحالة إلى تحويل النسبة العظمى من الاستيراد السوري إلى اليوان، مقابل الليرة أو مقابل كتلة دولار ثابتة مخصصة للاستيراد ومودعة في الصين، لا يتم تداولها في الداخل السوري للمضاربة كما هو الحال في عملية تمويل المستوردات اليوم.
- النفط والقمح جزء أساس من كتلة الطلب على الدولار حالياً، وهذه لا نجدها في الصين، بل نستطيع أن نجد أرخص أسعار القمح عالمياً في روسيا، وما يكفي من النفط الخام لدى أكبر المنتجين عالمياً! لذلك فإن فتح حسابات أيضاً بالروبل لاستيراد هاتين المادتين على الأقل من روسيا، هو مبادرة ضرورية، عبر إيجاد فروع مصرفية تعمل فقط بين البلدين وتختص باستيراد هاتين المادتين ولا نشاط آخر لها، بالتالي لا جدوى أو فعالية لمعاقبتها بهذه الحالة. وتحديداً إذا ما تم شراء سفن شحن بعشرات ملايين الدولارات فقط ترفع العلم الروسي، ولن يتم إيقافها في البحر الأسود أو حتى في المياه الإقليمية التركية... (مع العلم أن مبادرة روسية بهذا الاتجاه جرت منذ عام 2013 ولم يتم التجاوب معها).
- إذا لم يدخل جهاز الدولة إلى مجالي التجارة الخارجية والتمويل الإنتاجي بشكل جدي، لا يمكن الحديث عن قوة الليرة وضعف الدولار. وهذا بدوره يتطلب أن تدخل المنظومة المصرفية العامة في سياسة تحدي العقوبات، والمبادرة للتعامل بغير الدولار، وفتح حسابات خارجية بعملات أخرى لتأمين الضرورات. وهنا يمكن تطبيق التشاركية بشكل فعّال، حيث تشارك جهات الأعمال التي تريد أن تنشط في المجال الإنتاجي، وحتى التجاري، في تمويل هذه الحسابات الخارجية... وفي إنشاء فروع مصرفية خدمية للتأمين والتحويل، تقلل عليها كلف المناورة لتجاوز العقوبات. كل الأطراف التي تريد العمل في النشاط الاقتصادي الفعلي، وليس المضاربي لها مصلحة في ذلك. ولكن قوى هامة أخرى تعتبر إجراءات من هذا النوع معادية لمصالحها، وهي التي تعتمد على المضاربة وعلى الاحتكار عموماً واحتكار استيراد مستلزمات الدولة بأسعار مضاعفة خصوصاً. وهذه القوى صاحبة نفوذ وهي التي تحدد سياسة إدارة الأزمة، إدارة لا تريد التخلي عن الدولار والانعطاف إلى موضع آخر ممكن، وتدفع نحو تعميق أثر العقوبات وتفعيل الإرهاب الاقتصادي والفوضى المرجوة منه.
والأسوأ، أنها بالمقابل (تنفخنا بالتصريحات)، وبإجراءات من نوع (حملة دعم الليرة)! وكأن المسألة أخلاقية، وعلاجها أخلاقي، أو كأن شيئاً يجري في السوق لدوافع شخصية! السوق تتطبع بطابع القوى الكبرى المتحكمة بها، فنشاط هؤلاء الاقتصادي والطريقة التي يجنون بها الأرباح الكبرى تصبح النموذج والعنوان، ويضطر الجميع للحاق بهذه النخبة، وإلا ستبتلعهم. لذلك ما ينبغي تغييره فعلياً هو (أخلاق ومنطق عمل) النخبة المتحكمة بالاقتصاد السوري، وهؤلاء لا سبيل لعلاجهم إلا بالاجتثاث، واستعادة المسروقات التاريخية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
932
آخر تعديل على الأربعاء, 25 أيلول/سبتمبر 2019 13:14