_
علم المعلومات الكمومية Quantum information science: عِلمٌ رائدٌ وتفوّق صيني
محمود الشريف محمود الشريف

علم المعلومات الكمومية Quantum information science: عِلمٌ رائدٌ وتفوّق صيني

من بين العلوم والتكنولوجيات التي يجري ضمنها التنافس بين الدول الكبرى, هناك مجالات مركزية كونها تؤدي إلى إعادة هيلكة جذرية لأسس التطبيقات التكنولوجية السائدة وأساليب تصنيعها. إن عصر علم المعلوماتية والاتصالات بنسخه المعروفة حتى الآن قد انتهى بالمعنى التاريخي إذ وصلت تكنولوجياته إلى حدودها من حيث قوة وفاعلية الأداء. في المقابل، تجري نقلة جديدة تتلخص بظهور علم المعلومات الكمّي ((Quantum information science, تؤسس للدخول إلى عصر المعلوماتية الكمّية. من يحقق السبق في هذا المجال سيحتل موقع الصدارة اقتصادياً, عسكرياً وسياسياً... أما الصين فتحتل مركز الصدارة في اثنين من مكونات هذا العلم الثلاثة!

علم المعلومات الكمّية ببساطة..

يعتمد علم المعلومات الكمّي على الميكانيك الكمّي (ميكانيك الجسيمات الصغيرة), وتحديداً على خاصيتين فيزيائيتين أساسيتين للجزيئات الذرية: التراكب، والتشابك. التراكب يقوم على أن الجزيء يمكن أن يتواجد في حالات (فيزيائية) متعددة في الوقت ذاته. أما التشابك فيتلخص بكون التغير في حالة إحدى الجزيئات يؤدي إلى إحداث تغيير آلي بحالة الجزيئات الأخرى المترابطة مع بعضها ضمن شبكة حتى لو كان بينها مسافات بعيدة جداً. أطلق أنشتاين على هذه الخاصيات وصف: (السلوك الشبحي عِبر المسافة) للجسيمات الصغيرة، وهو بالضبط ما يسمح بتطبيقات تكنولوجية فائقة الأداء مقارنة بما نعرفه اليوم.
لا يزال هذا العلم حديث الولادة، ولكن من المتوقع أن يُعيد كتابة علم المعلومات بأكمله، وأن يتطلب التوافق معه إعادة بناء شبكة المعلومات الحالية. والتطبيقات العلمية والتجارية والعسكرية لهذه التكنولوجيات غير نهائية. ينقسم هذا العلم إلى ثلاثة مجالات أساسية:
الحوسبة الكمّية (:(Quantum computing تقوم الحوسبة الكلاسيكية الحالية على تخزين المعلومات ومعالجتها على شكل «البت» (bits), فالبت هو أصغر وحدة حاملة أو ناقلة لمعلومة وهي تأخذ قيميتن (0) أو (1). أما الحوسبة الكمّية فتعتمد على خاصية التراكب للجزيئات التي تسمح بالاستعاضة عن «البت» بـ الكيوبايت Qubit الذي يأخذ ثلاث قيم : (0) و(1) وصفر وواحد متراكبين في نفس الوقت وبترتيبات لا نهائية. وهو ما يسمح للكمبيوترات بمعالجة مجموعة كبيرة من العمليات سوية، وليس واحدة تلو الأخرى. مما يعني الدخول لعصر جديد من ناحية قدرة وسرعة المعالجات المعروفة حتى اليوم بما فيها الفائقة.
حتى الآن لم يتم إنشاء بنية متكاملة لكمبيوتر كمّي، ويتنافس على ذلك كل من: غوغل، أي بي أم، ناسا في طرف الولايات المتحدة، وشركة علي بابا وأكاديمية العلوم الصينية على الطرف الصيني.
التشفير الكمّي (Quantum Cryptography): وهو علم ترميز (تشفير) وحماية أمن المعلومات باستخدام المزايا الكمّية للجزيئات، أي تشفير المعلومات ونقلها وفك شيفرتها، إذ تحقق خاصية التشابك للجسيمات الصغيرة مستويات سرعة, وتشفير وفك تشفير أعلى أمناً من الوسائل الحالية بشكل جذري, إذ تستطيع فك أعتى وأقوى شيفرات منظومات الاتصالات الحالية.
الحساسات (المستشعرات) الكمّية (Quantum sensing): تطبيقات يمكن أن تستخدم المعلومات الكمّية في مجالات القياس والاستشعار تسمح بتكوين أجهزة استشعار أدق من الأجهزة الحالية, وهي ذات تطبيقات تجارية وعسكرية حساسة, مثل: المسح والاستشعار تحت السطوح الصلبة (التنقيب عن النفط مثلاً), وأنظمة الملاحة الكمونية inertial navigation systems التي تسمح بملاحة عالية الدقة دون نظام الجي بي إس GPS. بالإضافة للملاحة الكمّية أو البوصلة الكمّية المهمة جداً للغواصات, والرادار الكمّي الذي يسمح بإنهاء الأساليب المتقدمة للتشويش على الرادارات، بدوره يسمح التصوير الكمّي بقدرات بصرية عالية ذات تطبيقات متقدمة في مجال الاستعلام, المراقبة, والتعرّف الفضائي. مجال الحساسات الكمّية: هو المجال الأهم من حيث التطبيقات العسكرية.

السباق الصيني الأميركي: الصين ٢ أمريكا واحد

يعتبر تقرير لجنة العلاقات الأمنية والاقتصادية الصينية- الأمريكية (هيئة أمريكية) بأن الصين تسبق الولايات المتحدة بالمجمل في علم المعلومات الكمّية. على رغم من تربع الولايات المتحدة في مقدمة بعض المؤشرات المتعلقة بمجال الحوسبة الكمّية: براءات الاختراع للتطبيقات، المنشورات حول الحوسبة الكمّية، والإنفاق على البحث العلمي الخاص والعام, إلا أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة لتصبح القائد في مجالي التشفير والحساسات الكمّية (الاتصالات الكمّية)، مع وصول الباحثين الصينيين إلى نقل الأبحاث العامة إلى التطبيق مع إطلاق أول قمر صناعي كمّي. إذ تتفوق الصين في المجال الذي بإمكان تطبيقاته المستقبلية شلّ وكشف منظمة الربط والتواصل العسكرية الأمريكية.

في شهادته أمام اللجنة سابقة الذكر, يعزو الخبير الأمريكي الأبرز- في هذا المجال- هذا الوضع إلى النقص بالتمويل طويل الأجل وبالتنسيق بين المؤسسات الأمريكية, مقابل الخطة الشاملة والتمويل الفعال (رغم أنه أقل نسبياً من التمويل الأمريكي حتى الآن) والترابط المؤسساتي العالي للمشروع الصيني, التي أثمرت تطبيقات غير مسبوقة لعلم الملعومات الكمّي. تشمل أهم التطويرات الصينية التي تحقق خرقاً غير مسبوقٍ في هذا العلم ما يلي:
- إطلاق أول قمر صناعي كمّي في العالم في عام 2016 مما أتاح للباحثين الصينيين إجراء تجارب كمومية رائدة.
- الأسبقية في عمليات (نقل المعلومات عبر الفضاء) من القمر الصناعي باتجاه الأرض وبالعكس، ففي 2017 نشر الصينيون نتائجهم حول استخدام القمر الصناعي، لنقل خواص فوتون أبيض مشتبك مع فوتونات على الأرض لمسافة فاقت 750 ميلاً (1200 كيلومتر)، محطمين الرقم القياسي السابق الذي سجله باحثون نمساويون (143 كيلومتر). وكذلك نقل الصينيون خواص الفوتونات المضيئة من الأرض إلى القمر الصناعي لمسافة فاقت (1400 كيلومتر). هذه الاختراقات في الدراسات والتجارب، تؤسس لإنشاء (الإنترنت الكمّي)، وشبكة اتصالات كمّية.
- إرسال مفتاح فك تشفير من القمر الصناعي باتجاه الأرض, وتحديداً باتجاه محطتين أرضيتين صينيتين, مما سمح بتشفير وفك تشفير آمن للمعلومات المرسلة بينهما عبر وسائط اتصالات تقليدية. لقد أعطت هذه الآلية نتائج ذات فعالية أعلى بعشرين مرة من أحدث الوسائل السائدة اليوم بالتراسل. كما تم إرسال مفتاح تشفير كمومي من القمر الصناعي الصيني باتجاه محطة في النمسا, ليتم بعدها استخدام هذا المفتاح في تشفير اتصال فيديو وصورة آمنة بين الصين والنمسا. تمثل هذه التجربة خرقاً تاريخياً في التشفير الكمومي الذي يعتبر ركناً أساسياً في علوم وتكنولوجيا الاتصالات الكمومية.
- بناء شبكة اتصالات من الألياف البصرية الكمومية، في أيلول 2017، حيث أنشأت الحكومة الصينية أكبر ربط كمّي بين بكين وشانغهاي، لنقل المعلومات المالية الحكومية بأمان، وغيرها من المعلومات الحساسة. وقد نقلت هذا التطبيق إلى المجال المدني والتجاري، لتنشئ شبكة اتصالات كمّية في جينان تصل بين 242 مستخدم، وبكلفة 17,7 مليون دولار، ومدينة وونان وغيرها من المدن الصينية تنشئ أيضاً شبكات كمّية مشابهة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
921
آخر تعديل على الثلاثاء, 09 تموز/يوليو 2019 19:09