_
فقدنا أكثر من 410  آلاف طفل… تراجع خصوبة النساء داخل سورية60%

فقدنا أكثر من 410 آلاف طفل… تراجع خصوبة النساء داخل سورية60%

تقول الإحصائيات الدولية: إن عدد السكان داخل سورية قد تراجع من قرابة 23 مليون إلى حوالي 18 مليون وربما أقل… وتقول الوقائع: إن التراجع المطلق للسكان المتواجدين ليس الأخطر، بل يمكن القول: إن تناقص قدرتهم على الازدياد هو الظاهرة التي تحمل للمستقبل مهمات كبرى! فالسوريون اليوم أصبحوا أقل خصوبة، ومعدلات نموهم تتناقص> في واحد من أوضح آثار سنوات الأزمة على مستقبل البلاد.
تراجع معدل الخصوبة العام للنساء السوريات بنسبة 26% تقريباً خلال عشر سنوات مضت، وفق تقديرات الأمم المتحدة: (world population prospects)، ولكن بالنظر إلى الأرقام المحلية ومن العينة الواسعة لمسح عام 2017 الرسمي، فإن واقع تراجع الخصوبة أعنف بكثير للسوريات المقيمات داخل البلاد، وفي إطار المحافظات التي غطّاها المسح…

تراجعت معدلات الخصوبة العامة في سورية خلال المراحل الزمنية التي سبقت الأزمة، مع تراجع معدل النمو السكاني، فمثلاً خلال ألفترة بين 2000-2005 كان معدل الخصوبة: 3,8 طفل لكل امرأة عمرها بين (15- 49) سنة، وهو العمر المعتمد للخصوبة النسائية. وقد انخفض هذا المعدل خلال ألفترة بين 2010-2015 إلى 3,1 طفل، أما التقديرات للفترة بين 2015-2020 فتبلغ 2,8 طفل لكل امرأة في عمر الخصوبة. ما يعني تراجعاً في معدل الولادات لكل امرأة بنسبة تقارب الربع بين مطلع الألفية ونهاية العقد الثاني منها. وهي نسبة كبيرة، وخطيرة لتراجع معدل الولادات… ولكنها لا تُقارن مع النسبة التي تنتج إذا ما نظرنا إلى معدل الخصوبة للنساء المتواجدات داخل البلاد، واللواتي شملهن المسح الرسمي للمكتب المركزي للإحصاء.

كل 100 امرأة خسرت عشرة أطفال

5,098 مليون امرأة مقيمة في سورية كانت في عمر الخصوبة في عام 2010، وهؤلاء النسوة قد أنجبن خلال ذلك العام: 870 ألف مولود تقريباً. أي: بمعدل 17 طفلاً لكل 100 امرأة في عام واحد.

أما عدد النساء اللواتي رصد المسح في 2017 أنهن في عمر الخصوبة قد بلغ: 4,122 مليون امرأة بين سن15 سنة وصولاً إلى 49 سنة. وهؤلاء لم يلدن سوى 274 ألف طفل في عام 2017، بمعدل لا يتعدى 6,6 طفل لكل 100 امرأة في العام.
ووفق هذا المقياس فإن معدل خصوبة النساء المقيمات في سورية قد تراجع بين ما قبل الأزمة، وما بعدها بنسبة 61%. وخسرت كل 100 امرأة: أكثر من 10 أطفال كان من الممكن ولادتهم…
وما يعني أيضاً أنه مقابل 4,1 مليون امرأة خسرنا 410 آلاف طفل، كان من الممكن ان يولدوا ولم يستطع السوريون (إنتاجهم). بل أكثر من ذلك فإن الظرف الراهن قلّص جيلاً قادماً في سورية بنسبة تفوق الـ 60%.

أسباب انخفاض معدل الخصوبة كثيرة، وهي تمتد لكل الظواهر الاجتماعية المدمرة التي أدت إليها سنوات الأزمة في سورية. ولكن يأتي في مقدمتها: فقدان ألفرصة للإنجاب، كنتيجة للتشوهات الديموغرافية، والظروف الاقتصادية الاجتماعية التي تجعل الزواج والإنجاب مكلفاً وصعباً، وتفرض تحديداً قاسياً وقسرياً لعدد الأطفال.

61%

تراجع معدل خصوبة النساء في عمر الإنجاب بنسبة 61% فمقابل 17 طفل سنوياً لكل 100 امرأة في عمر الإنجاب في 2010 أصبح العدد لا يتجاوز 6,6 طفل.

410 آلاف

4,12 مليون امرأة في عمر الخصوبة في 2017 أنجبن 276 ألف طفل فقط بينما كُنّ ينجبن في عام 2010: 700 ألف طفل تقريباً، والخسارة 410 آلاف طفل.

اختلال ديمغرافي جنسي نقص الذكور الشباب

اختل التوازن الديموغرافي والجنسي في سورية اختلالاً كبيراً، فأعداد الإناث في عمر الخصوبة أكبر بكثير من أعداد الذكور. فمقابل 4,1 مليون أنثى في عمر الخصوبة داخل البلاد، هنالك 3,4 ملايين ذكر فقط. بفارق يصل إلى 672 ألف. وهذا وحده كفيل بتفسير نسبة هامة من تراجع عدد الولادات، فالكثير من النساء لا تمتلكن (ألفرصة الديمغرافية) للإنجاب!
تزداد هذه ألفوارق حدّة لدى الشريحة الشابة والأعلى خصوبة عادة، أي بين 20-39 سنة، والتي يزيد عدد إناثها على ذكورها بمقدار 570 ألف، ونسبة 85% من ألفارق. إذ إن المجتمع السوري المدروس قد فقد 570 ألف شاب عمره بين 20-39 سنة، وهؤلاء غيبهم الموت أو الهجرة. والرقم أعلى من ذلك، لأنّ أعداد هؤلاء الذكور عندما كانوا مواليد قبل20-40 سنة، كانت أعلى بقليل من أعداد المواليد الإناث.

ففي تعداد 1994 كانت أعداد المواليد الذكور أعلى من أعداد المواليد الإناث بنسبة 8% تقريباً، وكانت أعداد الأطفال الذكور بين 10-14 سنة في حينها أعلى من أعداد الإناث بنسبة 5%، وهؤلاء ذاتهم من أصبحوا اليوم في العشرينات والثلاثينات من العمر.

672 ألفاً

إن عدد الإناث في عمر الخصوبة بين 20-49 سنة أعلى من عدد الذكور في العمر ذاته بمقدار 672 ألف فمقابل حوالي 4,1 مليون أنثى هنالك 3,4 مليون ذكر.

570 ألفاً

الشريحة الأكبر من النقص في أعداد الذكور مقابل الإناث هي في الشريحة الأعلى خصوبة بين 20-39 سنة، حيث يقل عدد الذكور عن الإناث فيها بمقدار 570 ألف.

517 ألفاً

بلغ عدد النساء الأرامل في سورية في عام 2017: 517 ألف امرأة

112 ألفاً

بلغ عدد النساء المطلقات والمنفصلات في سورية 2017: 112 ألف امرأة

53%

تراجع عدد عقود الزواج قياساً بالنساء في عمر الخصوبة بمقدار 53%بين 2010- 2017.

20%

تضاعفت نسبة الطلاق قياساً بعقود الزواج من 10% في 2010 إلى 20% في 2017.

قلة الزواج وكثرة الموت والطلاق والانفصال

كما قلنا سابقاً، فإن النقص في أعداد الذكور عن الإناث يرجع إلى ارتفاع عدد الوفيات في الذكور الشباب، وفي هجرتهم. ولكن على ما يبدو فإن للموت دوراً هاماً للأسف... حيث يتضح هذا من العدد الكبير للنساء الأرامل. واللواتي بلغ عددهن: 517 ألف امرأة في 2017! ولا بدّ أن جزءاً كبيراً منهن ربّات أسر. أما الذكور المسافرون خارج البلاد، فجزء هام منهم يسافر مع عوائله، أو ينقلهم لاحقاً.
كما ينعكس هذا التشوه الديمغرافي في تراجع أعداد عقود الزواج، فبينما سُجّل في عام 2010: 228 ألف عقد زواج، فإن عدد عقود الزواج المسجلة في عام 2017 لم يتعد 100 ألف عقد.
وهذه الزيجات إذا قسناها بعدد النساء في عمر الخصوبة، فإن هذا يعني أنه مقابل زواج أكثر من 4,5 امرأة من كل 100 امرأة في عام 2010، يتزوج اليوم 2,4 تقريباً من كل 100 امرأة في عمر الخصوبة، بتراجع بنسبة 53%... فحتى الآليات الاجتماعية، مثل تعدد الزوجات لم تعد تنفع في الظروف الاقتصادية الحالية، حيث إعالة أسرة تحتاج إلى أكثر من 300 ألف ليرة! وهنا لا توجد طريقة مباشرة لتقدير الأثر الاقتصادي على تراجع معدلات الزواج، أو على تراجع معدلات الإنجاب، ولكن يكفي القول: إن إضافة شخص إلى الأسرة تعني الحاجة بالحد الأدنى إلى أجر وسطي إضافي لإعالته فكلفة الغذاء الضروري للفرد تقارب 20 ألف ليرة شهرياً!
وبالمقابل تضاعفت أيضاً نسبة الطلاق، فبينما كانت النسبة في عام 2010: 10%، فقد أصبحت في عام 2017: 20% تقريباً... هذا عدا عن النساء المنفصلات غير المطلقات.
وعملياً، فإن الموت قد ترك أكثر من 517 ألف امرأة أرملة، وأكثر من 112 ألف امرأة مطلقة ومنفصلة، عدا عن تراجع نسبة الزواج إلى النصف. وهذه العوامل وحدها كفيلة بتخفيض خصوبة النساء في سورية بنسبة تفوق 60%.
يقيس الاقتصاديون خسائر الناتج المحلي الإجمالي السوري ويقولون: إنه خسر مئات مليارات الدولارات كان سيحصلها فيما لو لم تندلع الحرب، وبقي الوضع كما هو… إلا أن الخسارة الكبيرة هي في أعمار السوريين الذين تراجع متوسط أعمارهم خلال سنوات الأزمة، والخسارة الأهم مطلقاً هي في نقص السوريين المطلق في المستقبل. فسنوات الأزمة منعت البلاد من تجديد مواليدها، وحرمت الكثير من الشباب السوري من حق الإنجاب، وأصبح السوريون المتواجدون حالياً يجددون جنسهم بنسبة 60% أقل مما كانوا يفعلون في عام 2010.
قد يفرح بعض المأخوذين بالمقولات النيوليبرالية، حول أن كثرة السكان والمواليد هي واحدة من عوامل المشكلة الاقتصادية في سورية وغيرها، ولكن هؤلاء قد يدركون حجم المشكلة بعد عشرين عاماً، عندما يهرمون في بلد عدد شبابه أقل من عدد كباره بمقدار يقارب النصف! وعدد المنتجين المعيلين أقل من عدد المعالين بكثير...
إن ولادة أقل من 7 أطفال من كل 100 امرأة، كما هو الحال داخل سورية اليوم، هو سابقة في التاريخ السوري الحديث، وهو يؤشر إلى حجم الكارثة الإنسانية، أما بعد خمسين عاماً فإن سورية لن تكون بلداً بعدد سكان يفوق عشرين مليون، بل تقارب 10 ملايين فقط! تنكشف اليوم ضرورة جديدة من ضرورات المرحلة القادمة، فالمطلوب جدياً انعطافة في معدلات الخصوبة، تلك التي تراجعها ناجم عن جملة تشوهات سنوات الحرب، والتي لن يكون حلها إلا بإنهاء الحرب، وبتأمين ظرف يسمح للسوريين بحل المشاكل الحالية والمستقبلية التي راكمتها السنوات الماضية. والأهم هو: إعادة السوريين الموجودين في الخارج، ودعم تشكيل الأسر، بالسكن والغذاء والطبابة والتعليم المجاني وهلم جرّاً. وكل هذا لا يمرّ إلا بوقف النموذج الاقتصادي المتطفل على ماضي وحاضر ومستقبل السوريين، نموذج النهب والثراء من تآكل وتراجع أعمار السوريين وقدرتهم على تجديد ذاتهم...

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
918
آخر تعديل على الإثنين, 17 حزيران/يونيو 2019 12:46