_
هل يريد ترامب دولاراً ضعيفاً؟

هل يريد ترامب دولاراً ضعيفاً؟

تهاجم الإدارة الأمريكية الدول التي تخفض من قيمة عملاتها مقابل الدولار، وتضع قوائم سوداء ورمادية ملوّحة بالعقوبات على الدول التي تسميها (متلاعبة بالعملات)... فهل تنتقل الولايات المتحدة إلى سياسة الدولار الضعيف، بعد عقود من رفع سعر الدولار عالمياً؟!

قاسيون، تقتبس من مقال للكاتب الروسي فالنتين كاتاسانوف: (ماذا وراء مقولة ترامب: المتلاعبين بالعملات؟) حول الحديث عن عقوبات أمريكية على الدول المتلاعبة بالعملات، في قراءته لدلالات هذا الاتجاه الأمريكي...

توسيع القوائم ضد الدول المصدّرة

لدى وزارة الخزانة الأمريكية قائمتان للدول المتلاعبة بالعملات بغرض تخفيض قيمة عملاتها، وزيادة قدرتها التصديرية. والقائمتان سوداء ورمادية، حيث السوداء تضم الدول التي تحسم واشنطن أنها تقوم بعملية تخفيض قيمة عملاتها بشكل مقصود، بينما الرمادية هي التي تتبع سياسات نقدية قد تودي إلى هذا الغرض. تصنيف الدول كمتلاعبة يتم من خلال محددات، منها: حجم العلاقة التجارية لهذه الدول مع الولايات المتحدة، وحجم ومرات تدخل البنوك المركزية في سوق العملات المحلية، وحجم الفائض التجاري لهذه الدول، أي: زيادة صادراتها العالمية بالقياس إلى وارداتها. وبهذه المقاييس فإن الصين هي دائماً على القائمة السوداء الأمريكية، منذ عام 2015. فهي الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة، وقد ساهمت صادرات البضائع الصينية بنسبة 20% من مجمل الصادرات الواصلة إلى أمريكا في شهر 1-2019.

كما أن السياسة النقدية الصينية، تقوم بتدخل البنك المركزي للمحافظة على قيمة اليوان في السوق، وتحديداً مقابل الدولار الأمريكي، كما أن الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة قد فاقت وارداتها بمقدار 419 مليار دولار في العام الماضي. حيث تعتبر الولايات المتحدة أن عمليات تخفيض قيمة اليوان مقابل الدولار هي واحدة من الأدوات الحمائية التي تتبعها الصين لزيادة صادراتها العالمية وتخفيض قيمتها. في التقرير الأخير أشار الأمريكيون إلى أن قائمة الدول المتلاعبة ستزداد إلى 20 دولة. وقد شملت فيتنام، تايلاند، إندونيسيا، إيرلندا، وماليزيا، كما تمت إضافة روسيا.
وهو أمر غير متوقع، فروسيا ليس لديها علاقات تجارية تذكر مع الولايات المتحدة، وتحديداً بالمقارنة مع الدول الأخرى المضافة التي تعتبر من المصدرين الهامين إلى واشنطن. فالتجارة الروسية الأمريكية لم تتعدَّ نسبة 0,6% من التجارة الأمريكية.
في محاولة لتفسير إيراد روسيا في هذه القائمة، يقول خبراء: إن عمليات تدخل البنك المركزي الروسي المتتالية خلال الأعوام الماضية في سوق العملات، لشراء العملات الأجنبية، هي واحدة من الذرائع الأمريكية. ولكن السلطات النقدية الروسية، تقوم فعلياً بشراء العملات الأجنبية لبناء الاحتياطي الروسي المتوسع، والذي وصل في العاشر من شهر أيار 2019 إلى 495 مليار دولار تقريباً، ومن المتوقع أن يصل إلى 500 مليار دولار في صيف العام الحالي. وقد ازداد هذا الاحتياطي بما يزيد على 107 مليار دولار خلال ثلاث سنوات ماضية.
كما أن الفائض التجاري الروسي أيضاً استثنائي، وقد أصبح يشكل نسبة 7% من الناتج الإجمالي المحلي، ويقدر البعض بأنها أعلى نسبة مسجلة في 2018. وخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2019 سجّل فائض تجارة البضائع الروسية حوالي 62 مليار دولار.
إن هذا التصنيف الأمريكي لروسيا كمتلاعب بالعملات، سيكون باباً جديداً لمزيد من العقوبات الاقتصادية الدولية.

انعطافة في السياسة الأمريكية!

ازدواجية المعايير الأمريكية تستمر، فهي تُدين الدول التي تتدخل للتحكم في أسواق عملاتها، بينما قامت الولايات المتحدة بهذه العملية طوال عقود، وباتجاه آخر. لقد تدخلت الولايات المتحدة في السياسة النقدية العالمية طوال عقود ماضية، للحفاظ على قيمة الدولار مرتفعة. وهو ما تطلبه الوضع الاستثنائي للدولار عالمياً، منذ اتفاقية بريتون وودز في عام 1944 وتحول الدولار إلى العملة العالمية. وكان هذا التدخل عبر الهيمنة على غالبية البنوك المركزية عالمياً، التي كانت في تبعيتها للفيدرالي الأمريكي، تعمل على شراء الدولار الأمريكي المطبوع في واشنطن، وترفع من قيمته بشكل مستمر.
ترى الولايات المتحدة اليوم التراجع الموضوعي لهذه العملية، وانحسار الطلب العالمي على الدولار، ويتحول الدولار القوي اليوم إلى نقطة ضعف في تنافسية البضائع الأمريكية عالمياً، مؤدياً إلى تراجع في قدرة الاقتصاد الحقيقي الأمريكي. وقد كانت هذه الخسارة موجودة في السابق، ولكنها كانت تتغطى باستمرار بالتوسع الكبير والأرباح الكبرى للقطاع المالي الأمريكي، المعتمد على قوة الدولار، وقد استمرت هذه العملية إلى حين وصول الإدارة الأمريكية الجديدة إلى البيت الأبيض. فترامب يمثل بالدرجة الأولى الاقتصاد الحقيقي، وهو يرى أن عليه أن يُرمّم الإنتاج البضاعي الأمريكي قبل أن يفنى نهائياً. وفي هذا المنهج فإن دولاراً قوياً ليس جيداً، وتحتاج الإدارة الجديدة إلى دولار ضعيف.
ليس من المؤكد أن تستطيع الإدارة الحالية، أن تنقل السياسة الاقتصادية الأمريكية، نحو الاقتصاد الحقيقي. ولكن سيسعى ترامب قبل نهاية ولايته إلى دولار ضعيف... ولهذا فإن الرئيس الأمريكي وما يمثله من قوىً أمريكية، مستعدٌ للصراع مع إدارة الفيدرالي الأمريكي، كي لا ترفع أسعار الفائدة على الدولار التي من شأنها أن ترفع من قيمته.
في هذه الحالة، وإذا ما تبدل اتجاه السياسات الأمريكية، فإن البنوك المركزية للدول الأخرى التي كان دورها لعقود طويلة أن ترفع من قيمة الدولار، وتخفض من قيمة عملاتها، عليها أن تقلب سياساتها 180 درجة. إذ عليهم الآن أن يرفعوا من قيمة عملاتهم وأن يقللوا من مراكمة الدولار والمشتقات المالية الأخرى المرتبطة به. وللمفارقة قد تصبح الدول التي ترفع من قيمة الدولار هي الدول التي تنبغي مهاجمتها!

التقاط التوجه الجديد

الصين، التقطت التوجه الجديد، وهي اليوم تعمل على التخلص التدريجي من الدولار كاحتياطي، لأن ثمنه قد يتراجع. فحسب وزارة الخزانة الأمريكية باعت الصين من استثماراتها في سندات الدَّين الأمريكي بقيمة 20,5 مليار دولار في آذار 2019. وتقلص ما تملكه إلى 1,2 تريليون دولار.
هذا عدا عن روسيا التي تزيد من احتياطياتها السيادية، ولكنها بالمقابل تقلص من كتلة الدولار فيها، حيث أصبح الدولار يشكل نسبة 22,7% من الاحتياطيات الروسية، بينما كان يشكل قبل عام نسبة تقارب 46% من الاحتياطيات الأجنبية.
إن دولاً مثل: الصين وروسيا، تضطر لمهاجمة الدولار، المستخدم كسلاح ضدها عبر العقوبات وغيرها، وتعمل على توسيع استخدام عملاتها المحلية، وتوسيع احتياطياتها من الذهب. وهي ترى في الأفق أيضاً احتمالات انخفاض قيمة الدولار، فتسارع إلى التخلص التدريجي منه. إن هذه العملية لن تتم بسهولة، والسياسة الأمريكية لتخفيض قيمة الدولار، وزيادة تنافسية البضائع الأمريكية، ستلاقي صعوبة بالغة في الولايات المتحدة، وسط الانقسام العميق في الحكم هناك... ولكن ما يجري هو: ضرورة موضوعية لإنهاء الوضع الاستثنائي للدولار عالمياً، ناجمة عن تغيّر ميزان القوى الدولي، وسينجم عنها في نهاية المطاف تراجع العملة الأمريكية إلى وزن الاقتصاد الأمريكي الفعلي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
917
آخر تعديل على الأربعاء, 12 حزيران/يونيو 2019 16:00