_
ماذا نستنتج من تجربة الاستيراد الخاص للمازوت؟

ماذا نستنتج من تجربة الاستيراد الخاص للمازوت؟

مضى على تشديد العقوبات الأمريكية والغربية عموماً المطبّقة على سورية أكثر من ثلاثة أشهر، والنتائج واضحة المعالم حتى الآن: أزمة عامة لم يفلح تداركها، وفرص خاصة ينجح انتهازها... وأهمها: فرصة تجريب تكليف القطاع الخاص مباشرة باستيراد المحروقات، التي طبقت بداية على مازوت الصناعيين.

أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية بتاريخ 25-3-2019 قائمة بأكثر من 80 سفينة شحن بأسمائها وأرقامها، محذّرة إيّاها من نقل النفط والمشتقات إلى سورية. في جولة جديدة من تشديد الحصار الاقتصادي المطبّق على السوريين، والذي أصبح يضع قطاع النفط نصب عينيه... وينتقل تشديد الحصار إلى مختلف قطاعات الاستيراد، كما أشار بعض مستوردي المواد العلفية المستوردة من الصين إلى سورية، حيث ازدادت تعقيدات عملية التحويل والشحن حتى على القطاع الخاص السوري. إذ لا تتجرأ المنظومة البنكية الدولية في أثناء لعب دورها التجاري على الإعلان الواضح عن وجهة البضائع خوفاً من الإجراءات العقابية المتمثلة بغرامات مالية.
والنتيجة بالطبع هي: الارتفاع الذي شهدته أسعار المواد الأساسية في سورية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، والتي انعكست ارتفاعاً في تكاليف الغذاء بنسبة 12%... حيث يؤثر عليها نقص الإنتاج، مع نقص تأمين الطاقة، وارتفاع تكاليفه مع ارتفاع تكاليف المازوت الحر، وكذلك يؤثر عليها رفع المستوردين لأسعارهم بما يغطي ارتفاع الكلف ويزيد عنه.

تقشف بالطاقة وباب للربح

ردود الفعل الحكومية على العقوبات لم تفلح حتى الآن بالوصول إلى آلية رسمية مع الدول المستعدة لتجاوز العقوبات، رغم انتقال الموضوع الاقتصادي إلى صدارة اللقاءات الدبلوماسية. الأمر الذي دونه لن يتم تجاوز العقوبات، وأزمة المحروقات وآثارها جدياً.
بل يتم التخبط حتى الآن بإجراءات تقوم على مبدأ «الأمر الواقع». فالدولة لا تستطيع أن تؤمن المحروقات، ولم تتوصل إلى طرق رسمية فعالة لتجاوز العقوبات، وبالتالي علينا أن نتحمل «التقشف الطاقي»، وأن نتقبل مستوى أرباح وسطاء تأمين المحروقات، وآثارها الاقتصادية!
جرت متغيرات سريعة في قطاع المحروقات المحلي خلال الأشهر الأخيرة، مبنية على العقوبات. فتمّ التوجه إلى عملية التقشف في الاستهلاك، عبر البطاقة الذكية. التي تحدد كميات الاستهلاك الأسري إلى حدود ضيقة، وتدخّل شركة خاصة كطرف في عملية تنظيم التوزيع. وبالمقابل فإن تقييد مخصصات توزيع شركة محروقات بحدود كميات البطاقة الذكية، سيعني بأن الحاجات الباقية «الإضافية»، ستؤمنها السوق، ليسود وجود أكثر من سعر... تؤدي إلى توسع سوق سوداء موضوعياً.

شركتان وسعران في حلب ودمشق

لقد بدأ إعطاء السوق حصة في قطاع استيراد المحروقات، وتوزيعها، مع إتاحة عمليات استيراد القطاع الخاص مباشرة، للأغراض الصناعية. وكانت النتائج كما توقع الصناعيون: أسعاراً أعلى، واحتكاراً لعمليات الشراء.
حيث تصدّرت شركتان واحدة في حلب، والأخرى في دمشق، لتأمين حاجات غرف الصناعة من المازوت. ليرتفع مستوى الأسعار الأولي إلى 293 ليرة لليتر في حلب، ويصل إلى 475 ليرة للتر في دمشق، ثم تمّ تخفيضه إلى 450 ليرة، تحصل الحكومة منها على رسم استيراد 70 ليرة على الليتر، والباقي بين الكلف والأرباح.
الفارق الكبير بين السعرين، يعود إلى أن الاستيراد في دمشق تمّ براً، ومن الدول المجاورة حيث سعر الليتر 300 ليرة سورية تقريباً، وبإضافة ضريبة الاستيراد 70 ليرة، يصبح الحد الأدنى للسعر 370، ليتم بعدها إضافة هامش تكاليف شحن ونقل عالية، وهامش ربح أيضاً للشركة المستوردة.
أما الشركة التي أمّنت المازوت في حلب، فهي مجموعة محلية، إحدى نشاطاتها في مجال نقل النفط، وأشارت تقارير أخرى إلى أنها كانت سابقاً تكرر نفطاً خاماً في المصافي العامة، الأمر الذي يعني خفض التكلفة إلى حدود 200 ليرة تقريباً تبعاً لسعر النفط الخام. كما ينبغي الإشارة إلى أن المجموعة المذكورة تمتلك مكاتب عمل في القامشلي، ما يعني احتمال نقل المازوت، أو النفط، من الجزيرة السورية، حيث يباع هنالك بسعر 40 ليرة لليتر! وهو الاحتمال الأعلى بسبب العقوبات الغربية المطبقة على المجموعة المذكورة.
أياً تكن تفاصيل استيراد القطاع الخاص للمازوت للصناعيين، فإن تأمين المحروقات هو بالتأكيد نشاط اقتصادي مربح، ستحتكره شركات قليلة، من الأعلى نفوذاً وقدرة على التأثير على الشروط والقوانين، ومن الأقدر على تأمين سعر أقل وربح أوسع. ولكن النتيجة ستكون بكل الحالات ارتفاع تكاليف المازوت الصناعي بمقدار يفوق الثلث، وذلك بالحد الأدنى، وصولاً إلى الضعف في حالة النقل البري.

تعطينا تجربة استيراد مازوت الصناعيين عبر شركات خاصة، نتائج التجربة الأولية لاستيراد القطاع الخاص للمازوت وبيعه، ونموذجاً عن كلف اعتماد هذه الآلية... فتخلي الدولة عن استيراد المازوت ودعمه، ستعني ارتفاع سعره بنسبة 65% بالحد الوسطي. وستعني احتكاره من قبل أطراف محددة قادرة على تأمينه بأقل سعر، وتستطيع الحصول على الموافقات المفصلة على مقاسات محددة، مثل: موافقة شركة المراقبة «العالمية» كما نصت شروط الاستيراد الحكومي!

450 ليرة

إن استيراد المازوت براً وبيعه بسعر حر يعني تكلفة بالحد الأدنى 370 ليرة أضافت الشركة المستوردة في دمشق 80 ليرات كلف نقل وأرباحاً على الليتر، ليصبح السعر 450 ليرة لليتر، واعتماد هذه الطريقة يرفع كلفة ليتر المازوت بنسبة 100%.

293 ليرة

سعّرت شركة في حلب ليتر المازوت بـ 293 ليرة وقد استطاعت تأمينه بهذا السعر غالباً لأنها تكرر النفط الخام في المصافي السوري والكلفة 200 ليرة لليتر، ولديها مكتب في القامشلي حيث سعر ليتر المازوت 40 ليرة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
907
آخر تعديل على الإثنين, 01 نيسان/أبريل 2019 13:20