_
التأمينات الاجتماعية... مؤسسة اجتماعية و«مركز مالي» واعد

التأمينات الاجتماعية... مؤسسة اجتماعية و«مركز مالي» واعد

أكثر من 60% من العاملين السوريين كانوا يعملون في الظل في 2010، أي: لم يدخل هؤلاء وناتجهم في الجباية المالية الحكومية للضرائب أو إحصاء العمال والأعمال، وإن كانت هذه النسبة قبل الأزمة فإنها قد ارتفعت خلالها، حيث قدرت قاسيون أن 80% من الناتج في سنوات الأزمة أصبح غير مغطى ضريبياً، وبالتالي غير منظم.

إن نسباً تصل الـ 80% للتهرب الضريبي ولقطاع العمل غير المنظم هي أزمة ليست جديدة على الاقتصاد السوري، ولكن ما يستجدّ حالياً: أن الحكومة تتحرك في ملفات تتقاطع مع مشكلة بهذا الحجم. حيث شهدت الأسابيع الماضية تحرك ملفين هامين يرتبطان ببعضهما البعض، ويرتبط كلاهما بالمؤشر الاقتصادي- الاجتماعي السلبي، أي: توسع قطاع الظل، وما يعنيه من شروط عمل مجحفة وتهميش لشرائح واسعة من الطبقة العاملة السورية، ومن حرمان المالية العامة من موارد ضريبية كبيرة. والملفان هما: التأمينات الاجتماعية من جهة، وربط السجل التجاري بتسجيل العمال في التأمينات.

«إسعاف» للتأمينات الاجتماعية
عقدت رئاسة مجلس الوزراء خلال الأسبوع الماضي ما أسمته: «اجتماعاً استقصائياً وإسعافياً» لم تشهد المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مثيله من قبل، وذلك في البيان الوارد حول الاجتماع. حيث قال رئيس المجلس: إن الحكومة تطمح بجعل التأمينات الاجتماعية في مقدمات المؤسسات العامة، نظراً لأهميتها.
التأمينات الاجتماعية مؤسسة بالغة الأهمية، كما يعلم الجميع، ليس فقط لأنها إطار لضمان حقوق العاملين، من حيث مدفوعاتهم وضماناتهم، ومستحقاتهم التأمينية، والرواتب التقاعدية... بل أيضاً لكونها- إن صح القول- «مركزاً مالياً» هاماً.
فمن المفترض أن يكون جميع العاملين السوريين مسجلين في المؤسسة، وتسدد نسبة من أجورهم 24% كأقساط للتأمينات، يدفع رب العمل 14% منها، والعامل 7%، بالإضافة إلى نسبة 3% التي يدفعها رب العمل، كتأمين من إصابات العمل.
وهذه الآلية تجعل المؤسسة صاحبة حصة من كتلة الأجور والأرباح العاملة في البلاد، وهذه الحصة يجب أن تعود أخيراً وبالدرجة الأولى للأجور على شكل رواتب تقاعدية وتعويضات، وهي لهذا تلعب دوراً هاماً في عملية توزيع الدخل، وضمان حقوق الطبقة العاملة.
ومن جهة أخرى، ينتج عن هذا الدور، تجمع لسيولة مالية كبيرة من المفترض أن تتحول إلى مورد مالي استثماري...
لا تصرح المؤسسة عن تحصيلاتها السنوية، ولكنها صرحت مؤخراً على لسان مديرها، بأنها تدفع 10 مليارات ليرة شهرياً لحوالي 500 ألف مستحق، أي: حوالي 120 مليار ليرة سنوياً. وأنها سددت خلال سنوات الأزمة 538 مليار ليرة مستحقات تأمينية.
الحكومة كربّ عمل لا تدفع للتأمينات!
تولي الحكومة اهتماماً خاصاً لمسألة استثمار أموال التأمينات، التي يمكن أن تصل إلى مئات المليارات سنوياً! ولكن هذه العملية يقف في وجهها عدم التزام أرباب العمل في جهات القطاع العام والخاص بتسديد ما عليهم من مستحقات.
حيث بلغت ديون التأمينات الاجتماعية المستحقة لجهات القطاع العام: 225 مليار ليرة، بينما المبالغ المترتبة على جهات القطاع الخاص تقارب 15 مليار ليرة فقط! وفق آخر رقم ذكرته وزيرة الشؤون الاجتماعية في 2016.
الرقم المتداول لديون جهات القطاع العام 225 مليار ليرة، لم يتغير منذ نهاية عام 2016، مما يشير إلى عدم تراكم ديون إضافية على جهات القطاع العام في عامي 2017-2018.
وكانت الوزارة قد أعطت إشارة إلى أن هذه الديون تقتضي حلّاً، عبر تحصيل جزء أو على الأقل وقف التراكم، الأمر الذي قد يكون أسهل في تعامل الجهات الحكومية مع بعضها البعض. فالموازنات العامة وضعت مبلغاً يقارب 25 مليار ليرة سنوياً في الموازنات العامة للعامين الآخرين كتسديدات لديون القطاع العام على التأمينات الاجتماعية. (الموازنة العامة لعام 2019).
القطاع الخاص الثغرة الأكبر
أما في القطاع الخاص فإن الوضع أعقد، وهو الثغرة الأكبر في موارد التأمينات، إذ أن هؤلاء لم يسجلوا عمّالهم، وأبقوهم خارج إطار الحقوق التأمينية، كما هو الحال مع نسبة 60% من عمال سورية في عام 2010، وهذا أولاً..
أما ثانياً: فإن المنشآت التي تسجل، لا تؤمن كل عمالها بل «عينة» منهم فقط، وثالثاً: يتم غالباً تسجيل العمال وفق الحد الأدنى للأجور، وليس وفق أجورهم الفعلية، ليقلص رب العمل من تكاليف الأجور، ويتبرّأ من مسؤوليته تجاه الأجور التقاعدية، التي تصبح أقل بطبيعة الحال. وكل من هذه الحالات تقلص موارد التأمينات من جهة، وتجعل العمال غير مضموني المستقبل ولو بالحدود الدنيا، وتوفر على ربّ العمل حصة مستحقة من الأجور، يبقيها في جيبه.
ما الجديد اليوم؟
النقاش الحكومي حول التأمينات، ينطلق من زيادة واستثمار الموارد المالية التأمينية، الأمر الذي يتطلب حكماً: تسجيل الجزء الأكبر من عمال القطاع الخاص غير المؤمَّنين.
وبالفعل فإن هذا التسجيل، يؤمن موارد مالية كبيرة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، ولذلك فإن الحكومة وسعت في الربع الأخير من العام الماضي من تسجيل عمال القطاع الخاص، عبر عمليات الكشف والمراقبة وغيرها.
إذ سجلت في خمسة أشهر بين شهر أيلول 2018 وكانون الحالي، حوالي 172 ألف عامل، وفق تصريحات مدير المؤسسة بعد الاجتماع الحكومي. ليصبح الرقم الإجمالي لعمال القطاع الخاص المسجلين: 659 ألف عامل، أي: زيادة بمقدار الربع خلال خمسة أشهر، وهو معدل هام.
(ينبغي الإشارة إلى أن تصريحات لوزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في شهر 9-2018 أشارت إلى أن عدد العمال المسجلين بالتأمينات الاجتماعية من القطاع الخاص لا يتعدى 210 ألف عامل، في تناقض بين الرقمين المعلنين حكومياً، حيث وفق تصريحات الوزير فإن الزيادة تقارب 300%!).
120مليار
تدفع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية حوالي 120 مليار ليرة سنوياً كرواتب تقاعدية وتعويضات لحوالي 500 ألف عامل مسجل ومستفيد، من العمال المتقاعدين وورثة الرواتب التقاعدية، والعمال مستحقي التعويضات.
26%
زادت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عدد عمال القطاع الخاص المنتسبين لها بنسبة 26% ومقدار 172 ألف عامل خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، ليصل عدد عمال القطاع الخاص المؤمنين إلى 659 ألف عامل.
السجلات التجارية الخطوة الأخيرة
مؤخراً، ومنذ انتخابات غرف التجارة والصناعة في سورية، بدأ الحديث عن شرط لترشح أو انتخاب أعضاء الغرف، أن يكونوا ممن سجلوا عمالهم في التأمينات، وبحد يقارب 15 عاملاً.
وبعد الانتخابات التي جرت بالتزكية في كثير من غرف المحافظات، انتقل الطلب الحكومي لتسجيل العمال إلى مستوى جديد.
حيث أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، التعميم رقم 867 بتاريخ 31-12-2018، ينص على طلب وثيقة عدد العمال المسجلين في التأمينات، بالنسبة لطالبي الحصول على السجل التجاري لأول مرة، وكذلك للراغبين في تجديد السجل التجاري. ما يعني أن تجديد السجل التجاري لم يعد ممكناً إلّا من خلال تسجيل عمال في التأمينات الاجتماعية، دون وضع عدد محدد للعمال، أو حد للأجور.
يتداول الإعلام أرقاماً، تقول بأن أكثر من 430 ألف سجل تجاري، المسجلة من ضمنها، لا تزيد عن 30 ألف سجل، هؤلاء فقط من لديهم عمال بالتأمينات ويدفعون ضرائب للمالية!
مجلس إدارة اتحاد غرف سورية وافق على تعميم الوزارة، وأرسل مذكرة بموافقته.. وأتى هذا بعد اعتراضات سجلها أعضاء غرف التجارة، على اعتبار أن الغرف تضم قطاع الأعمال، والتجار من أصحاب المحال، وأن أوضاع هؤلاء تختلف عن أولئك..
وعلى الرغم من الاعتراضات، إلّا أن هذه الخطوة تعتبر خطوة إيجابية، للربط بين تصاريح الأعمال المطلوبة من جهاز الدولة، وبين ضرورة التزام أطراف القطاع الخاص بالتزاماتهم تجاه الطبقة العاملة، وتجاه المال العام.
ما المبلغ الممكن تحصيله من تأمين عمال القطاع الخاص؟
حصل تقدم غير مسبوق في تسجيل عمال القطاع الخاص في التأمينات الاجتماعية خلال الأشهر الخمسة الماضية، وزاد العمال المؤمنون بمقدار الربع، ولكن رقم 659 ألف عامل قطاع خاص مسجّل، لا يزال رقماً قليلاً بالقياس إلى عدد جهات الأعمال المسجلة نظامياً في سورية.
أشارت بيانات من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إلى أن عدد المسجلين في الوزارة، كسجلات تجارية وصناعية فردية يبلغ: 476 ألف سجل، وحوالي 80 ألف شركة بأنواعها المختلفة.
فإذا كان لدى كل من هؤلاء المسجلين جميعاً، والبالغ تعدادهم سوية: 556 ألف سجل لنشاط اقتصادي: 5 عمال فقط.
فإن عدد عمال القطاع الخاص الذين ينبغي تسجيلهم قد يصل إلى: 2,7 مليون تقريباً. بينما المسجل اليوم لا يتعدى نسبة 24% من الذين ينبغي تسجيلهم!
وتسجيل هؤلاء قد يحقق موارد مالية سنوية بالحدود الدنيا تصل إلى: 124 مليار ليرة سنوياً. بنسبة 24% من أجر الحد الأدنى الشهري لـ 2,7 مليون عامل.
في حال اعتبرنا أن وسطي العمال في كل نشاط اقتصادي، لا يزيد عن 5، رغم أن أية منشأة غير حرفية في سورية، ينبغي أن يزيد عدد عمالها عن تسعة عاملين. وإذا ما انخفض هذا العدد في السجلات الفردية، فينبغي أن ترفعه الأعداد التي ينبغي وجودها في أية شركة من الشركات الـ 80 ألف!
أما إذا ما تم التسجيل وفق وسطي الأجر: 35 ألف ليرة شهرياً، وليس وفق الحد الأدنى، فإننا قد نصل إلى مستحقات تأمينية من القطاع الخاص تقارب: 270 مليار ليرة سنوياً، من تنظيم عمال القطاع الخاص.
كل هذا ونحن نتحدث ضمن الشركات المسجلة والمرخصة، ولم نتحدث بعد عن الأعمال والورش التي تعمل دون ترخيص...

2,7 مليون
يمكن أن يصل عدد عمال القطاع الخاص الواجب تأمينهم إلى حوالي 2,7 مليون عامل، إذا ما كان لكل شركة أو سجل أعمال في سورية 5 عمال فقط.
124 ملياراً
يمكن أن تصل موارد التأمينات الاجتماعية من القطاع الخاص إلى 124 مليار ليرة، إذا تم تامين 2,7 مليون عامل بالحد الأدنى للأجور: 16 ألف ليرة!
270 مليار
يمكن أن تصل موارد التأمينات الاجتماعية من القطاع الخاص إلى 270 مليار ليرة، إذا ما تم تأمين 2.7 مليون عامل بوسطي الأجر: 35 ألف ليرة!

هل يعقل أن تكون مصلحة العمال دافعاً حكومياً؟
تقدر الكتلة المغيبة من الأموال التأمينية في القطاع الخاص، بين 120-270 مليار ليرة سنوياً. هي عملياً كتلة مسروقة من حصة الأجور، ومتبقية لدى أصحاب الأرباح في القطاع الخاص... والأهم، أن هذه الأموال «المُوفّرة» على هؤلاء، هي نتيجة لنظام عمل قديم، قائم على تجاهل حكومي لحقوق عمال القطاع الخاص، وتساهل مع أرباب العمل... بمثابة «عطيّة» سياسية- اقتصادية لهم. وهي ناجمة عن المحاباة السياسية لأصحاب الأرباح عموماً في القطاع الخاص، على حساب ضمانات مستقبلية لعمال القطاع الخاص، الذين يشكلون الكتلة الأكبر من عمال سورية. الذين لا يملكون القدرة على الدفاع عملياً وجدياً عن هذه الحقوق، لا عن طريق النقابات، التي لا يستطيعون الانتساب لها طالما أنهم يعملون في الظل، ولا عن طريق قوانين العمل والمحاكم العمالية، التي تتيح موقع قوة لأرباب العمل، أقله بسماحها بالتسريح التعسفي. والأهم، أن عمال سورية عموماً غير قادرين على الدفاع عن حقوقهم بسبب انعدام فعلي لقدرتهم الواسعة على الاحتجاج والإضراب وغيرها من الأدوات الديمقراطية، التي لا تدخل في قاموس الواقع السياسي السوري سابقاً أو حالياً.
إن السعي الحكومي في اللحظة الحالية تجاه توسيع عملية التنظيم في القطاع الخاص السوري، هو متغير اقتصادي، ولكنه متغير سياسي-اجتماعي أيضاً. فالدافع الحكومي قد يكون منطلقاً من الحاجة إلى توسيع موارد التأمينات، لاستثمارها. والأداة هي عملياً عبر سحب كتلة مالية من أرباح قوى السوق، في القطاع الخاص، ولكن لصالح من؟ بالطبع الطبقة العاملة السورية في القطاع الخاص ستنتفع من هذه التغيرات، وكذلك المال العام... ولكن لم تعودنا الحكومات المتتالية منذ ما قبل الأزمة، أن تحركها مصلحة الطبقة العاملة السورية، أو حتى مصلحة المال العام!
ربما قد يكمن الجواب في الطريقة التي سيتم فيها استثمار أموال التأمينات الاجتماعية... فاستثمارها في المشاريع العقارية الفخمة على سبيل المثال، يختلف عن استثمارها في مشاريع السكن الاجتماعية. واستثمارها في أدوات مالية ومشاريع سياحية كما حصل سابقاً، يختلف عن استثمارها في الصناعة العامة، وفي مشاريع الطاقة وغيرها!
إن هذه الإجراءات ناجمة عملياً عن تغيرات في الأوزان السياسية والاقتصادية لقوى السوق في القطاع الخاص، مقابل قوى السوق الأقرب إلى جهاز الدولة، والأكثر قدرة على الانتفاع من موارده. وقد تكون انعطافة في السياسة الاقتصادية، لتمثل مصالح قوى المال المتنفذة الكبرى، على حساب قوى السوق الأخرى، وتحديداً الأصغر والأقل وزناً وسطوة.
ينبغي الانتباه إلى أن إجراءات من هذا النوع، ورغم أنها ضرورية، ولكنها ستؤدي إلى تراجع في كتلة الأرباح، وتحديداً أرباح المنشآت الصغرى في سورية، التي تعتمد بالدرجة الأولى في فعاليتها الاقتصادية على تقليص تكاليف الأجور إلى الحد الأدنى. بينما التأثير أقل على قوى الربح الكبرى، وتحديداً إذا ما ساهمت استثمارات موارد التأمينات، وغيرها من الموارد العامة، في الشراكات الاقتصادية الكبرى بين هؤلاء، وجهاز الدولة. إذ قد تؤمن هذه الموارد توسيع رأس المال للشراكات الاقتصادية التي يمتلك حصة منها، وتحصل على ربح من خلالها.
ما يهمنا الآن هو: أن تنظيم الطبقة العاملة السورية في القطاع الخاص، يجب أن يتوسع. وهذا بدوره يشكِّل إضافة على كتلة الأجور، ولكن بالمقابل فإن استكمال هذه العملية يجب أن يكون عبر ضمان أن تستثمر هذه الأموال العامة الموجودة في التأمينات والضرائب، للصالح الاقتصادي- التنموي العام. الأمر الذي يتطلب مواجهة السياسات التي تحابي القلة من أصحاب النفوذ والربح الأكبر في سورية.

آخر تعديل على الإثنين, 11 شباط/فبراير 2019 12:47